تفسير القرطبي

سورة الجاثية الآية ١٩

إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا۟ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًۭٔا ۚ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۖ وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴿١٩﴾
أَيْ إِنْ اِتَّبَعْت أَهْوَاءَهُمْ لَا يَدْفَعُونَ عَنْك مِنْ عَذَاب اللَّه شَيْئًا .

أَيْ أَصْدِقَاء وَأَنْصَار وَأَحْبَاب . قَالَ اِبْن عَبَّاس : يُرِيد أَنَّ الْمُنَافِقِينَ أَوْلِيَاء الْيَهُود .

أَيْ نَاصِرهمْ وَمُعِينهمْ . وَالْمُتَّقُونَ هُنَا : الَّذِينَ اِتَّقَوْا الشِّرْك وَالْمَعَاصِي .
إن هؤلاء المشركين بربهم الذين يدعونك إلى اتباع أهوائهم لن يغنوا عنك- يا محمد- من عقاب الله شيئا إن اتبعت أهوائهم, إن الظالمين المتجاوزين حدود الله من المنافقين واليهود وغيرهم بعضهم أنصار بعض على المؤمنين بالله وأهل طاعته, والله ناصر المتقين ربهم بأداء فرائضه واجتنب نواهيه.
إن هؤلاء المشركين بربهم الذين يدعونك إلى اتباع أهوائهم لن يغنوا عنك -أيها الرسول- من عقاب الله شيئًا إن اتبعت أهواءهم، وإن الظالمين المتجاوزين حدود الله من المنافقين واليهود وغيرهم بعضهم أنصار بعض على المؤمنين بالله وأهل طاعته، والله ناصر المتقين ربَّهم بأداء فرائضه واجتناب نواهيه.
"إنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا" يَدْفَعُوا "عَنْك مِنَ اللَّه" مِنْ عَذَابه "شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ" الْكَافِرِينَ
وَقَالَ جَلَّ جَلَاله هَهُنَا إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْك مِنْ اللَّه شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض أَيْ وَمَاذَا تُغْنِي عَنْهُمْ وِلَايَتهمْ لِبَعْضِهِمْ بَعْضًا فَإِنَّهُمْ لَا يَزِيدُونَهُمْ إِلَّا خَسَارًا وَدَمَارًا وَهَلَاكًا وَاَللَّه وَلِيّ الْمُتَّقِينَ وَهُوَ تَعَالَى يُخْرِجهُمْ مِنْ الظُّلُمَات إِلَى النُّور وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوت يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّور إِلَى الظُّلُمَات .
وَقَوْله : { إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْك مِنَ اللَّه شَيْئًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ هَؤُلَاءِ الْجَاهِلِينَ بِرَبِّهِمْ , الَّذِينَ يَدْعُونَك يَا مُحَمَّد إِلَى اتِّبَاع أَهْوَائِهِمْ , لَنْ يُغْنُوا عَنْك إِنْ أَنْتَ اتَّبَعْت أَهْوَاءَهُمْ , وَخَالَفْت شَرِيعَة رَبّك الَّتِي شَرَعَهَا لَك مِنْ عِقَاب اللَّه شَيْئًا , فَيَدْفَعُوهُ عَنْك إِنْ هُوَ عَاقَبَك , وَيُنْقِذُوك مِنْهُ .


وَقَوْله : { وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض } يَقُول : وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضهمْ أَنْصَار بَعْض , وَأَعْوَانهمْ عَلَى الْإِيمَان بِاللَّهِ وَأَهْل طَاعَته.

{ وَاللَّه وَلِيّ الْمُتَّقِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَاللَّه يَلِي مَنْ اتَّقَاهُ بِأَدَاءِ فَرَائِضه , وَاجْتِنَاب مَعَاصِيه بِكِفَايَتِهِ , وَدِفَاع مَنْ أَرَادَهُ بِسُوءٍ , يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فَكُنْ مِنْ الْمُتَّقِينَ , يَكْفِك اللَّه مَا بَغَاك وَكَادَك بِهِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ , فَإِنَّهُ وَلِيّ مَنْ اتَّقَاهُ , وَلَا يَعْظُم عَلَيْك خِلَاف مَنْ خَالَفَ أَمْره وَإِنْ كَثُرَ عَدَدهمْ ; لِأَنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوك مَا كَانَ اللَّه وَلِيّك وَنَاصِرك .
مشاركة الموضوع