تفسير القرطبي

سورة الجاثية الآية ١٣

وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ ﴿١٣﴾
يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ فِعْله وَخَلْقه وَإِحْسَان مِنْهُ وَإِنْعَام . وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس وَالْجَحْدَرِيّ وَغَيْرهمَا " جَمِيعًا مِنَّهًا " بِكَسْرِ الْمِيم وَتَشْدِيد النُّون وَتَنْوِين الْهَاء , مَنْصُوبًا عَلَى الْمَصْدَر . قَالَ أَبُو عَمْرو : وَكَذَلِكَ سَمِعْت مَسْلَمَة يَقْرَؤُهَا " مِنْهُ " أَيْ تَفَضُّلًا وَكَرَمًا . وَعَنْ مَسْلَمَة بْن مُحَارِب أَيْضًا " جَمِيعًا مَنّه " عَلَى إِضَافَة الْمَنّ إِلَى هَاء الْكِنَايَة . وَهُوَ عِنْد أَبِي حَاتِم خَبَر اِبْتِدَاء مَحْذُوف , أَيْ ذَلِكَ , أَوْ هُوَ مِنْهُ . وَقِرَاءَة الْجَمَاعَة ظَاهِرَة .
وسخر لكم كل ما في السموات من شمس وقمر ونجوم, وكل ما في الأرض من دابة وشجر وسفن وغير ذلك لمنافعكم, جميع هذه النعم منة من الله وحده أنعم بها عليكم, وفضل منه تفضل به, فإياه فاعبدوا, ولا تجعلوا له شريكا إن فيما سخره الله لكم لعلامات ودلالات على وحدانية الله لقوم يتفكرون في آيات الله وحججه وأدلته, فيعتبرون بها.
وسخَّر لكم كل ما في السموات من شمس وقمر ونجوم، وكل ما في الأرض من دابة وشجر وسفن وغير ذلك لمنافعكم، جميع هذه النعم منة من الله وحده أنعم بها عليكم، وفضل منه تَفضَّل به، فإياه فاعبدوا، ولا تجعلوا له شريكًا. إنَّ فيما سخره الله لكم لعلامات ودلالات على وحدانية الله لقوم يتفكرون في آيات الله وحججه وأدلته، فيعتبرون بها.
"وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَات" مِنْ شَمْس وَقَمَر وَنُجُوم وَمَاء وَغَيْره "وَمَا فِي الْأَرْض" مِنْ دَابَّة وَشَجَر وَنَبَات وَأَنْهَار وَغَيْرهَا أَيْ خَلَقَ ذَلِكَ لِمَنَافِعِكُمْ "جَمِيعًا" تَأْكِيد "مِنْهُ" حَال أَيْ سَخَّرَهَا كَائِنَة مِنْهُ تَعَالَى "إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" فِيهَا فَيُؤْمِنُونَ
وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض أَيْ مِنْ الْكَوَاكِب وَالْجِبَال وَالْبِحَار وَالْأَنْهَار وَجَمِيع مَا تَنْتَفِعُونَ بِهِ أَيْ الْجَمِيع مِنْ فَضْله وَإِحْسَانه وَامْتِنَانه وَلِهَذَا قَالَ جَمِيعًا مِنْهُ أَيْ مِنْ عِنْده وَحْده لَا شَرِيك لَهُ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَة فَمِنْ اللَّه ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمْ الضُّرّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ وَرَوَى اِبْن جَرِير مِنْ طَرِيق الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس مَا فِي قَوْله تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض جَمِيعًا مِنْهُ كُلّ شَيْء هُوَ مِنْ اللَّه . وَذَلِكَ الِاسْم فِيهِ اِسْم مِنْ أَسْمَائِهِ فَذَلِكَ جَمِيعًا مِنْهُ وَلَا يُنَازِعهُ فِيهِ الْمُنَازِعُونَ وَاسْتَيْقَنَ أَنَّهُ كَذَلِكَ وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن خَلَف الْعَسْقَلَانِيّ حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيّ عَنْ سُفْيَان عَنْ الْأَعْمَش عَنْ الْمِنْهَال بْن عَمْرو عَنْ أَبِي أَرَاكَة قَالَ سَأَلَ رَجُل عَبْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ مِمَّ خُلِقَ الْخَلْق ؟ قَالَ مِنْ النُّور وَالنَّار وَالظُّلْمَة وَالثَّرَى قَالَ وَائْتِ اِبْن عَبَّاس فَاسْأَلْهُ فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ مِثْل ذَلِكَ فَقَالَ اِرْجِعْ إِلَيْهِ فَسَلْهُ مِمَّ خُلِقَ ذَلِكَ كُلّه ؟ فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ فَتَلَا وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض جَمِيعًا مِنْهُ هَذَا أَثَر غَرِيب وَفِيهِ نَكَارَة إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض جَمِيعًا مِنْهُ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَات } مِنْ شَمْس وَقَمَر وَنُجُوم { وَمَا فِي الْأَرْض } مِنْ دَابَّة وَشَجَر وَجَبَل وَجَمَاد وَسُفُن لِمَنَافِعِكُمْ وَمَصَالِحكُمْ { جَمِيعًا مِنْهُ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : جَمِيع مَا ذَكَرْت لَكُمْ أَيّهَا النَّاس مِنْ هَذِهِ النِّعَم , نِعَم عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّه أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْكُمْ , وَفَضْل مِنْهُ تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْكُمْ , فَإِيَّاهُ فَاحْمَدُوا لَا غَيْره ; لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرَكهُ فِي إِنْعَام هَذِهِ النِّعَم عَلَيْكُمْ شَرِيك , بَلْ تَفَرَّدَ بِإِنْعَامِهَا عَلَيْكُمْ وَجَمِيعهَا مِنْهُ , وَمِنْ نِعَمه فَلَا تَجْعَلُوا لَهُ فِي شُكْركُمْ لَهُ شَرِيكًا بَلْ أَفْرِدُوهُ بِالشُّكْرِ وَالْعِبَادَة , وَأَخْلِصُوا لَهُ الْأُلُوهَة , فَإِنَّهُ لَا إِلَه لَكُمْ سِوَاهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24118 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس قَوْله : { وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض جَمِيعًا مِنْهُ } يَقُول : كُلّ شَيْء هُوَ مِنَ اللَّه , وَذَلِكَ الِاسْم فِيهِ اسْم مِنْ أَسْمَائِهِ , فَذَلِكَ جَمِيعًا مِنْهُ , وَلَا يُنَازِعهُ فِيهِ الْمُنَازِعُونَ , وَاسْتَيْقَنَ أَنَّهُ كَذَلِكَ .

وَقَوْله : { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ فِي تَسْخِير اللَّه لَكُمْ مَا أَنْبَأَكُمْ أَيّهَا النَّاس أَنَّهُ سَخَّرَهُ لَكُمْ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ { لَآيَات } يَقُول : لَعَلَامَات وَدَلَالَات عَلَى أَنَّهُ لَا إِلَه لَكُمْ غَيْره , الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ هَذِهِ النِّعَم , وَسَخَّرَ لَكُمْ هَذِهِ الْأَشْيَاء الَّتِي لَا يَقْدِر عَلَى تَسْخِيرهَا غَيْره لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فِي آيَات اللَّه وَحُجَجه وَأَدِلَّته , فَيَعْتَبِرُونَ بِهَا وَيَتَّعِظُونَ إِذَا تَدَبَّرُوهَا , وَفَكَّرُوا فِيهَا .
مشاركة الموضوع