تفسير القرطبي

سورة الدخان الآية ٤٢

إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ﴿٤٢﴾
" مَنْ " رُفِعَ عَلَى الْبَدَل مِنْ الْمُضْمَر فِي " يُنْصَرُونَ " ; كَأَنَّك قُلْت : لَا يَقُوم أَحَد إِلَّا فُلَان . أَوْ عَلَى الِابْتِدَاء وَالْخَبَر مُضْمَر ; كَأَنَّهُ قَالَ : إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّه فَمَغْفُور لَهُ ; أَوْ فَيُغْنِي عَنْهُ وَيَشْفَع وَيَنْصُر . أَوْ عَلَى الْبَدَل مِنْ " مَوْلًى " الْأَوَّل ; كَأَنَّهُ قَالَ : لَا يُغْنِي إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّه . وَهُوَ عِنْد الْكِسَائِيّ وَالْفَرَّاء نُصِبَ عَلَى الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطِع ; أَيْ لَكِنْ مَنْ رَحِمَ اللَّه لَا يَنَالهُمْ مَا يَحْتَاجُونَ فِيهِ إِلَى مَنْ يُغْنِيهِمْ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ . وَيَجُوز أَنْ يَكُون اِسْتِثْنَاء مُتَّصِلًا ; أَيْ لَا يُغْنِي قَرِيب عَنْ قَرِيب إِلَّا الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ يُؤْذَن لَهُمْ فِي شَفَاعَة بَعْضهمْ لِبَعْضٍ .

أَيْ الْمُنْتَقِم مِنْ أَعْدَائِهِ الرَّحِيم بِأَوْلِيَائِهِ ; كَمَا قَالَ : " شَدِيد الْعِقَاب ذِي الطَّوْل " [ غَافِر : 3 ] فَقَرَنَ الْوَعْد بِالْوَعِيدِ .
إلا من رحم الله من المؤمنين, فإنه قد يقع له عند ربه بعد إذن الله له إن الله هو العزيز في انتقامه من أعدائه, الرحيم بأوليائه وأهل طاعته.
يوم لا يدفع صاحب عن صاحبه شيئًا، ولا ينصر بعضهم بعضًا، إلا مَن رحم الله من المؤمنين، فإنه قد يشفع له عند ربه بعد إذن الله له. إن الله هو العزيز في انتقامه مِن أعدائه، الرحيم بأوليائه وأهل طاعته.
"إلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّه" وَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ فَإِنَّهُ يَشْفَع بَعْضهمْ لِبَعْضٍ بِإِذْنِ اللَّه "إنَّهُ هُوَ الْعَزِيز" الْغَالِب فِي انْتِقَامه مِنْ الْكُفَّار "الرَّحِيم" بِالْمُؤْمِنِينَ
قَالَ" إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّه " أَيْ لَا يَنْفَع يَوْمئِذٍ إِلَّا رَحْمَة اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِخَلْقِهِ " إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيز الرَّحِيم" أَيْ هُوَ عَزِيز ذُو رَحْمَة وَاسِعَة .
وَقَوْله { إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّه } اخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي مَوْضِع " مَنْ " فِي قَوْله : { إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّه } فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّه , فَجَعَلَهُ بَدَلًا مِنْ الِاسْم الْمُضْمَر فِي يُنْصَرُونَ , وَإِنْ شِئْت جَعَلْته مُبْتَدَأ وَأَضْمَرْت خَبَره , يُرِيد بِهِ : إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّه فَيُغْنِي عَنْهُ. وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة قَوْله : { إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّه } قَالَ : الْمُؤْمِنُونَ يَشْفَع بَعْضهمْ فِي بَعْض , فَإِنْ شِئْت فَاجْعَلْ " مَنْ " فِي مَوْضِع رَفْع , كَأَنَّك قُلْت : لَا يَقُوم أَحَد إِلَّا فُلَان , وَإِنْ شِئْت جَعَلْته نَصْبًا عَلَى الِاسْتِثْنَاء وَالِانْقِطَاع عَنْ أَوَّل الْكَلَام , يُرِيد : اللَّهُمَّ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّه . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : مَعْنَاهُ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا , إِلَّا مَنْ أَذِنَ اللَّه لَهُ أَنْ يَشْفَع ; مَال : لَا يَكُون بَدَلًا مِمَّا فِي يُنْصَرُونَ ; لِأَنَّ إِلَّا مُحَقِّق , وَالْأَوَّل مَنْفِيّ , وَالْبَدَل لَا يَكُون إِلَّا بِمَعْنَى الْأَوَّل. قَالَ : وَكَذَلِكَ لَا يَجُوز أَنْ يَكُون مُسْتَأْنَفًا ; لِأَنَّهُ لَا يُسْتَأْنَف بِالِاسْتِثْنَاءِ . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يَكُون فِي مَوْضِع رَفْع بِمَعْنَى : يَوْم لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّه مِنْهُمْ , فَإِنَّهُ يُغْنِي عَنْهُ بِأَنْ يَشْفَع لَهُ عِنْد رَبّه .

وَقَوْله : { إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيز الرَّحِيم } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَاصِفًا نَفْسه : إِنَّ اللَّه هُوَ الْعَزِيز فِي انْتِقَامه مِنْ أَعْدَائِهِ , الرَّحِيم بِأَوْلِيَائِهِ , وَأَهْل طَاعَته .
مشاركة الموضوع