تفسير القرطبي

سورة الدخان الآية ٢٦

وَزُرُوعٍۢ وَمَقَامٍۢ كَرِيمٍۢ ﴿٢٦﴾
قَالَ اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس وَمُجَاهِد : الْمَقَام الْكَرِيم الْمَنَابِر ; وَكَانَتْ أَلْف مِنْبَر لِأَلْفِ جَبَّار يُعَظِّمُونَ عَلَيْهَا فِرْعَوْن وَمُلْكه . وَقِيلَ : مَجَالِس الرُّؤَسَاء وَالْأُمَرَاء ; حَكَاهُ اِبْن عِيسَى وَهُوَ قَرِيب مِنْ الْأَوَّل . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : الْمَسَاكِن الْحِسَان . وَقَالَ اِبْن لَهِيعَة : سَمِعْت أَنَّ الْمَقَام الْكَرِيم الْفَيُّوم . وَقِيلَ : كَانَ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام قَدْ كَتَبَ عَلَى مَجْلِس مِنْ مَجَالِسه ( لَا إِلَه إِلَّا اللَّه إِبْرَاهِيم خَلِيل اللَّه ) فَسَمَّاهَا اللَّه كَرِيمَة بِهَذَا . وَقِيلَ : مَرَابِط الْخَيْل لِتَفَرُّدِ الزُّعَمَاء بِارْتِبَاطِهَا عِدَّة وَزِينَة ; فَصَارَ مَقَامهَا أَكْرَم مَنْزِل بِهَذَا ; ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ . وَالْأَظْهَر أَنَّهَا الْمَسَاكِن الْحِسَان كَانَتْ تُكْرَم عَلَيْهِمْ . وَالْمَقَام فِي اللُّغَة يَكُون الْمَوْضِع وَيَكُون مَصْدَرًا . قَالَ النَّحَّاس : الْمَقَام فِي اللُّغَة الْمَوْضِع ; مِنْ قَوْلك قَامَ يَقُوم , وَكَذَا الْمَقَامَات وَاحِدهَا مَقَامَة ; كَمَا قَالَ : وَفِيهِمْ مَقَامَات حِسَان وُجُوههمْ وَأَنْدِيَة يَنْتَابهَا الْقَوْل وَالْفِعْل وَالْمَقَام أَيْضًا الْمَصْدَر مِنْ قَامَ يَقُوم . وَالْمُقَام ( بِالضَّمِّ ) الْمَوْضِع مِنْ أَقَامَ . وَالْمَصْدَر أَيْضًا مِنْ أَقَامَ يُقِيم .
وزروع ومنازل جميلة,
كم ترك فرعون وقومه بعد مهلكهم وإغراق الله إياهم من بساتين وجنات ناضرة، وعيون من الماء جارية، وزروع ومنازل جميلة، وعيشة كانوا فيها متنعمين مترفين.
"وَزُرُوع وَمَقَام كَرِيم" مَجْلِس حَسَن
" وَمَقَام كَرِيم " وَهِيَ الْمَسَاكِن الْأَنِيقَة وَالْأَمَاكِن الْحَسَنَة . وَقَالَ مُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر " وَمَقَام كَرِيم " الْمَنَابِر وَقَالَ اِبْن لَهِيعَة عَنْ وَهْب بْن عَبْد اللَّه الْمَعَافِرِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ نِيل مِصْر سَيِّد الْأَنْهَار سَخَّرَ اللَّه تَعَالَى لَهُ كُلّ نَهَر بَيْن الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب وَذَلَّلَهُ لَهُ فَإِذَا أَرَادَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُجْرِي نِيل مِصْر أَمَرَ كُلّ نَهَر أَنْ يَمُدّهُ فَأَمَدَّتْهُ الْأَنْهَار بِمَائِهَا وَفَجَّرَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ الْأَرْض عُيُونًا فَإِذَا اِنْتَهَى جَرْيه إِلَى مَا أَرَادَ اللَّه جَلَّ وَعَلَا أَوْحَى اللَّه تَعَالَى إِلَى كُلّ مَاء أَنْ يَرْجِع إِلَى عُنْصُره وَقَالَ فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى " فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّات وَعُيُون وَزُرُوع وَمَقَام كَرِيم وَنِعْمَة كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ " قَالَ كَانَتْ الْجِنَان بِحَافَّتَيْ نَهَر النِّيل مِنْ أَوَّله إِلَى آخِره فِي الشِّقَّيْنِ جَمِيعًا مَا بَيْن أَسْوَان إِلَى رَشِيد وَكَانَ لَهُ تِسْع خَلِيج : خَلِيج الْإِسْكَنْدَرِيَّة وَخَلِيج دِمْيَاط وَخَلِيج سَرْدُوس وَخَلِيج مَنْف وَخَلِيج الْفَيُّوم وَخَلِيج الْمُنْتَهَى مُتَّصِلَة لَا يَنْقَطِع مِنْهَا شَيْء عَنْ شَيْء وَزَرْع مَا بَيْن الْجَبَلَيْنِ كُلّه مِنْ أَوَّل مِصْر إِلَى آخِر مَا يَبْلُغهُ الْمَاء وَكَانَتْ جَمِيع أَرْض مِصْر تُرْوَى مِنْ سِتَّة عَشَرَ ذِرَاعًا لَمَّا قَدَرُوا وَدَبَّرُوا مِنْ قَنَاطِرهَا وَجُسُورهَا وَخُلُجهَا .
وَزُرُوع قَائِمَة فِي مَزَارِعهمْ { وَمَقَام كَرِيم } يَقُول : وَمَوْضِع كَانُوا يَقُومُونَهُ شَرِيف كَرِيم . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى وَصْف اللَّه ذَلِكَ الْمَقَام بِالْكَرَمِ , فَقَالَ بَعْضهمْ . وَصَفَهُ بِذَلِكَ لِشَرَفِهِ , وَذَلِكَ أَنَّهُ مَقَام الْمُلُوك وَالْأُمَرَاء , قَالُوا : وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الْمَنَابِر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24068 - حَدَّثَنِي جَعْفَر ابْن بِنْت إِسْحَاق الْأَزْرَق , قَالَ : ثنا سَعِيد بْن مُحَمَّد الثَّقَفِيّ , قَالَ : ثنا إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم بْن مُهَاجِر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { وَمَقَام كَرِيم } قَالَ : الْمَنَابِر. 24069 - حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْن يَحْيَى بْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن دَاوُد الْوَاسِطِيّ , قَالَ : ثنا شَرِيك عَنْ سَالِم الْأَفْطَس , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , فِي قَوْله : { وَمَقَام كَرِيم } قَالَ : الْمَنَابِر . وَقَالَ آخَرُونَ : وَصَفَ ذَلِكَ الْمَقَام بِالْكَرَمِ لِحُسْنِهِ وَبَهْجَته . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24070 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { وَمَقَام كَرِيم } : أَيْ حَسَن .
مشاركة الموضوع