تفسير القرطبي

سورة الدخان الآية ١١

يَغْشَى ٱلنَّاسَ ۖ هَٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ﴿١١﴾
" يَغْشَى النَّاس " فِي مَوْضِع الصِّفَة لِلدُّخَانِ , فَإِنْ كَانَ قَدْ مَضَى عَلَى مَا قَالَ اِبْن مَسْعُود فَهُوَ خَاصّ بِالْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْل مَكَّة , وَإِنْ كَانَ مِنْ أَشْرَاط السَّاعَة فَهُوَ عَامّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ . " هَذَا عَذَاب أَلِيم " أَيْ يَقُول اللَّه لَهُمْ : " هَذَا عَذَاب أَلِيم " . فَمَنْ قَالَ : إِنَّ الدُّخَان قَدْ مَضَى فَقَوْله : " هَذَا عَذَاب أَلِيم " حِكَايَة حَال مَاضِيَة , وَمَنْ جَعَلَهُ مُسْتَقْبَلًا . فَهُوَ حِكَايَة حَال آتِيَة . وَقِيلَ : " هَذَا " بِمَعْنَى ذَلِكَ . وَقِيلَ : أَيْ يَقُول النَّاس لِذَلِكَ الدُّخَان : " هَذَا عَذَاب أَلِيم " . وَقِيلَ : هُوَ إِخْبَار عَنْ دُنُوّ الْأَمْر ; كَمَا تَقُول : هَذَا الشِّتَاء فَأَعِدَّ لَهُ .
يعم الناس, ويقال لهم: هذا عذاب مؤلم موجع,
فانتظر -أيها الرسول- بهؤلاء المشركين يوم تأتي السماء بدخان مبين واضح يعمُّ الناس، ويقال لهم: هذا عذاب مؤلم موجع، ثم يقولون سائلين رفعه وكشفه عنهم: ربنا اكشف عنا العذاب، فإن كشفته عنا فإنا مؤمنون بك.
"يَغْشَى النَّاس" فَقَالُوا "هَذَا عَذَاب أَلِيم"
قَوْله تَعَالَى " يَغْشَى النَّاس " أَيْ يَتَغَشَّاهُمْ وَيُعْمِيهِمْ وَلَوْ كَانَ أَمْرًا خَيَالِيًّا يَخُصّ أَهْل مَكَّة الْمُشْرِكِينَ لَمَا قِيلَ فِيهِ " يَغْشَى النَّاس" . وَقَوْله تَعَالَى " هَذَا عَذَاب أَلِيم " أَيْ يُقَال لَهُمْ ذَلِكَ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ " يَوْم يُدَعُّونَ إِلَى نَار جَهَنَّم دَعًّا هَذِهِ النَّار الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ" أَوْ يَقُول بَعْضهمْ لِبَعْضٍ ذَلِكَ .
{ يَغْشَى النَّاس } : يَقُول : يَغْشَى أَبْصَارهمْ مِنَ الْجَهْد الَّذِي يُصِيبهُمْ . { هَذَا عَذَاب أَلِيم } يَعْنِي أَنَّهُمْ يَقُولُونَ مِمَّا نَالَهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْكَرْب وَالْجَهْد : هَذَا عَذَاب أَلِيم , وَهُوَ الْمُوجِع , وَتُرِكَ مِنَ الْكَلَام " يَقُولُونَ " اسْتِغْنَاء بِمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ مَعْنَاهُ مِنْ ذِكْرهَا .
مشاركة الموضوع