تفسير القرطبي

سورة الزخرف الآية ٨٧

وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴿٨٧﴾
أَيْ لَأَقَرُّوا بِأَنَّ اللَّه خَلَقَهُمْ بَعْد أَنْ لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا .

أَيْ كَيْف يَنْقَلِبُونَ عَنْ عِبَادَته وَيَنْصَرِفُونَ حَتَّى أَشْرَكُوا بِهِ غَيْره رَجَاء شَفَاعَتهمْ لَهُ . يُقَال : أَفَكَهُ يَأْفِكهُ أَفْكًا ; أَيْ قَلَبَهُ وَصَرَفَهُ عَنْ الشَّيْء . وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " قَالُوا أَجِئْتنَا لِتَأْفِكنَا عَنْ آلِهَتنَا " [ الْأَحْقَاف : 22 ] .

وَقِيلَ : أَيْ وَلَئِنْ سَأَلْت الْمَلَائِكَة وَعِيسَى " مَنْ خَلَقَهُمْ " لَقَالُوا اللَّه . " فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ " أَيْ فَأَنَّى يُؤْفَك هَؤُلَاءِ فِي اِدِّعَائِهِمْ إِيَّاهُمْ آلِهَة .
ولئن سألت- يا محمد- هؤلاء المشركين من قومك من خلقهم؟ ليقولن: الله خلقنا, فكيف ينقلبون وينصرفون عن عبادة الله, ويشركون به غيره؟
ولئن سألت -أيها الرسول- هؤلاء المشركين من قومك مَن خلقهم؟ ليقولُنَّ: الله خلقنا، فكيف ينقلبون وينصرفون عن عبادة الله، ويشركون به غيره؟
"وَلَئِنْ" لَام قَسَم "سَأَلْتهمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّه" حُذِفَ مِنْهُ نُون الرَّفْع وَوَاو الضَّمِير "فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ" يُصْرَفُونَ عَنْ عِبَادَة اللَّه
أَيْ وَلَئِنْ سَأَلْت هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاَللَّهِ الْعَابِدِينَ مَعَهُ غَيْره " مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّه" أَيْ هُمْ يَعْتَرِفُونَ أَنَّهُ الْخَالِق لِلْأَشْيَاءِ جَمِيعهَا وَحْده لَا شَرِيك لَهُ فِي ذَلِكَ وَمَعَ هَذَا يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْره مِمَّنْ لَا يَمْلِك شَيْئًا وَلَا يَقْدِر عَلَى شَيْء فَهُمْ فِي ذَلِكَ فِي غَايَة الْجَهْل وَالسَّفَاهَة وَسَخَافَة الْعَقْل وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ " .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَئِنْ سَأَلْتهمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّه فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَئِنْ سَأَلْت يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ مِنْ قَوْمك : مَنْ خَلَقَهُمْ ؟ لَيَقُولُنَّ : اللَّه خَلَقَنَا . { فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ } فَأَيّ وَجْه يُصْرَفُونَ عَنْ عِبَادَة الَّذِي خَلَقَهُمْ , وَيُحْرَمُونَ إِصَابَة الْحَقّ فِي عِبَادَته .
مشاركة الموضوع