تفسير القرطبي

سورة الزخرف الآية ١٢

وَٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلْأَنْعَٰمِ مَا تَرْكَبُونَ ﴿١٢﴾
قَوْله تَعَالَى " وَاَلَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاج " أَيْ وَاَللَّه الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاج . قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : أَيْ الْأَصْنَاف كُلّهَا .

وَقَالَ الْحَسَن : الشِّتَاء وَالصَّيْف وَاللَّيْل وَالنَّهَار وَالسَّمَوَات وَالْأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَالْجَنَّة وَالنَّار .

وَقِيلَ : أَزْوَاج الْحَيَوَان مِنْ ذَكَر وَأُنْثَى ; قَالَهُ اِبْن عِيسَى . وَقِيلَ : أَرَادَ أَزْوَاج النَّبَات ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلّ زَوْج بَهِيج " [ ق : 7 ] و " مِنْ كُلّ زَوْج كَرِيم " [ لُقْمَان : 10 ] .

وَقِيلَ : مَا يَتَقَلَّب فِيهِ الْإِنْسَان مِنْ خَيْر وَشَرّ , وَإِيمَان وَكُفْر , وَنَفْع وَضُرّ , وَفَقْر وَغِنًى , وَصِحَّة وَسَقَم . قُلْت : وَهَذَا الْقَوْل يَعُمّ الْأَقْوَال كُلّهَا وَيَجْمَعهَا بِعُمُومِهِ .

" وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ الْفُلْك " السُّفُن " وَالْأَنْعَام " الْإِبِل " مَا تَرْكَبُونَ " فِي الْبَرّ وَالْبَحْر .

قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : الْأَنْعَام هُنَا الْإِبِل وَالْبَقَر . وَقَالَ أَبُو مُعَاذ : الْإِبِل وَحْدهَا ; وَهُوَ الصَّحِيح لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : بَيْنَمَا رَجُل رَاكِب بَقَرَة إِذْ قَالَتْ لَهُ لَمْ أُخْلَق لِهَذَا إِنَّمَا خُلِقْت لِلْحَرْثِ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : [ آمَنْت بِذَلِكَ أَنَا وَأَبُو بَكْر وَعُمَر ] . وَمَا هُمَا فِي الْقَوْم .
والذي خلق الأصناف كلها من حيوان ونبات, وجعل لكم من السفن ما تركبون في البحر, ومن البهائم كالإبل والخيل والبغال والحمير ما تركبون في البر.
والذي خلق الأصناف كلها من حيوان ونبات، وجعل لكم من السفن ما تركبون في البحر، ومن البهائم كالإبل والخيل والبغال والحمير ما تركبون في البر.
"وَاَلَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاج" الْأَصْنَاف "كُلّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْك" السُّفُن "وَالْأَنْعَام" كَالْإِبِلِ "مَا تَرْكَبُونَ" حُذِفَ الْعَائِد اخْتِصَارًا وَهُوَ مَجْرُور فِي الْأَوَّل أَيْ فِيهِ مَنْصُوب فِي الثَّانِي
أَيْ مِمَّا تُنْبِت الْأَرْض مِنْ سَائِر الْأَصْنَاف مِنْ نَبَات وَزُرُوع وَثِمَار وَأَزَاهِير وَغَيْر ذَلِكَ وَمِنْ الْحَيَوَانَات عَلَى اِخْتِلَاف أَجْنَاسهَا وَأَصْنَافهَا" وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ الْفُلْك " أَيْ السُّفُن " وَالْأَنْعَام مَا تَرْكَبُونَ " أَيْ ذَلَّلَهَا لَكُمْ وَسَخَّرَهَا وَيَسَّرَهَا لِأَكْلِكُمْ لُحُومهَا وَشُرْبكُمْ أَلْبَانهَا وَرُكُوبكُمْ ظُهُورهَا .
وَقَوْله : { وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاج كُلّهَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَالَّذِي خَلَقَ كُلّ شَيْء فَزَوَّجَهُ , أَيْ خَلَقَ الذُّكُور مِنَ الْإِنَاث أَزْوَاجًا , , الْإِنَاث مِنْ الذُّكُور أَزْوَاجًا { لَكُمْ مِنَ الْفُلْك } وَهِيَ السُّفُن { وَالْأَنْعَام } وَهِيَ الْبَهَائِم { مَا تَرْكَبُونَ } يَقُول : جَعَلَ لَكُمْ مِنْ السُّفُن مَا تَرْكَبُونَهُ فِي الْبِحَار إِلَى حَيْثُ قَصَدْتُمْ وَاعْتَمَدْتُمْ فِي سَيْركُمْ فِيهَا لِمَعَايِشِكُمْ وَمَطَالِبكُمْ , وَمِنْ الْأَنْعَام مَا تَرْكَبُونَهُ فِي الْبَرّ إِلَى حَيْثُ أَرَدْتُمْ مِنَ الْبُلْدَان , كَالْإِبِلِ وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِير .
مشاركة الموضوع