تفسير القرطبي

سورة الشورى الآية ٣٦

فَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَىْءٍۢ فَمَتَٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌۭ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿٣٦﴾
يُرِيد مِنْ الْغِنَى وَالسَّعَة فِي الدُّنْيَا .

أَيْ فَإِنَّمَا هُوَ مَتَاع فِي أَيَّام قَلِيلَة تَنْقَضِي وَتَذْهَب ; فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَفَاخَر بِهِ . وَالْخِطَاب لِلْمُشْرِكِينَ .

يُرِيد مِنْ الثَّوَاب عَلَى الطَّاعَة

صَدَقُوا وَوَحَّدُوا

نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْر الصِّدِّيق حِين أَنْفَقَ جَمِيع مَاله فِي طَاعَة اللَّه فَلَامَهُ النَّاس . وَجَاءَ فِي الْحَدِيث أَنَّهُ : أَنْفَقَ ثَمَانِينَ أَلْفًا .
فما أوتيتم- أيها الناس- من شيء من المال أو البنين وغير ذلك فهو متاع لكم في الحياة الدنيا, سرعان ما يزول , وما عند الله تعالى من نعيم الجنة المقيم خير وأبقى للذين آمنوا بالله ورسله, وعلى ربهم يتوكلون.
فما أوتيتم- أيها الناس- من شيء من المال أو البنين وغير ذلك فهو متاع لكم في الحياة الدنيا، سُرعان ما يزول، وما عند الله تعالى من نعيم الجنة المقيم خير وأبقى للذين آمنوا بالله ورسله، وعلى ربهم يتوكلون.
"فَمَا أُوتِيتُمْ" خِطَاب لِلْمُؤْمِنِينَ وَغَيْرهمْ "مِنْ شَيْء" مِنْ أَثَاث الدُّنْيَا "فَمَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا" يُتَمَتَّع بِهِ فِيهَا ثُمَّ يَزُول "وَمَا عِنْد اللَّه" مِنْ الثَّوَاب "خَيْر وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبّهمْ يَتَوَكَّلُونَ" وَيَعْطِف عَلَيْهِ
يَقُول تَعَالَى مُحَقِّرًا لِشَأْنِ الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزِينَتهَا وَمَا فِيهَا مِنْ الزَّهْرَة وَالنَّعِيم الْفَانِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى" فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْء فَمَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا " أَيْ مَهْمَا حَصَّلْتُمْ وَجَمَعْتُمْ فَلَا تَغْتَرُّوا بِهِ فَإِنَّمَا هُوَ مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا وَهِيَ دَار دَنِيئَة فَانِيَة زَائِلَة لَا مَحَالَة " وَمَا عِنْد اللَّه خَيْر وَأَبْقَى " أَيْ وَثَوَاب اللَّه تَعَالَى خَيْر مِنْ الدُّنْيَا وَهُوَ بَاقٍ سَرْمَدِيّ فَلَا تُقَدِّمُوا الْفَانِي عَلَى الْبَاقِي وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " لِلَّذِينَ آمَنُوا " أَيْ لِلَّذِينَ صَبَرُوا عَلَى تَرْك الْمَلَاذّ فِي الدُّنْيَا" وَعَلَى رَبّهمْ يَتَوَكَّلُونَ " أَيْ لِيُعِينَهُمْ عَلَى الصَّبْر فِي أَدَاء الْوَاجِبَات وَتَرْك الْمُحَرَّمَات .
وَقَوْله : { فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْء فَمَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَمَا أُعْطِيتُمْ أَيّهَا النَّاس مِنْ شَيْء مِنْ رِيَاش الدُّنْيَا مِنْ الْمَال وَالْبَنِينَ , فَمَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا , يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَهُوَ مَتَاع لَكُمْ تَتَمَتَّعُونَ بِهِ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا , وَلَيْسَ مِنْ دَار الْآخِرَة , وَلَا مِمَّا يَنْفَعكُمْ فِي مُعَادكُمْ .

يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَالَّذِي عِنْد اللَّه لِأَهْلِ طَاعَته وَالْإِيمَان بِهِ فِي الْآخِرَة , خَيْر مِمَّا أُوتِيتُمُوهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ مَتَاعهَا وَأَبْقَى ; لِأَنَّ مَا أُوتِيتُمْ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ نَافِد , وَمَا عِنْد اللَّه مِنْ النَّعِيم فِي جِنَانه لِأَهْلِ طَاعَته بَاقٍ غَيْر نَافِد .

يَقُول : وَمَا عِنْد اللَّه لِلَّذِينَ آمَنُوا بِهِ , وَعَلَيْهِ يَتَوَكَّلُونَ فِي أُمُورهمْ , وَإِلَيْهِ يَقُومُونَ فِي أَسْبَابهمْ , وَبِهِ يَثِقُونَ , خَيْر وَأَبْقَى مِمَّا أُوتِيتُمُوهُ مِنْ مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا .
مشاركة الموضوع