تفسير القرطبي

سورة الشورى الآية ١٢

لَهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ ﴿١٢﴾
تَقَدَّمَ فِي " الزُّمَر " بَيَانه . النَّحَّاس : وَاَلَّذِي يَمْلِك الْمَفَاتِيح يَمْلِك الْخَزَائِن ; يُقَال لِلْمَفَاتِيحِ : إِقْلِيد , وَجَمْعه عَلَى غَيْر قِيَاس ; كَمَحَاسِن وَالْوَاحِد حَسَن .

بَيَّنَ أَنَّهُ تَعَالَى الَّذِي يَبْسُط الرِّزْق وَيَقْدِر فِي الدُّنْيَا , لِأَنَّهَا دَار اِمْتِحَان ; " وَيَقْدِر " أَيْ يُضَيِّق ; وَمِنْهُ " وَمِنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقه " [ الطَّلَاق : 7 ] أَيْ ضُيِّقَ . وَقِيلَ : " يَقْدِر " يُعْطَى بِقَدْرِ الْكِفَايَة .
له سبحانه وتعالى ملك السموات والأرض , وبيده مفاتيح الرحمة, والأرزاق , يوسع رزقه على من يشاء من عباد.
ويضيقه على من يشاء, إنه تبارك وتعالى بكل شيء عليم, لا يخفى عليه شيء من أمور خلقه.
له سبحانه وتعالى ملك السماوات والأرض، وبيده مفاتيح الرحمة والأرزاق، يوسِّع رزقه على مَن يشاء مِن عباده ويضيِّقه على مَن يشاء، إنه تبارك وتعالى بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء من أمور خلقه.
"لَهُ مَقَالِيد السَّمَاوَات وَالْأَرْض" أَيْ مَفَاتِيح خَزَائِنهمَا مِنْ الْمَطَر وَالنَّبَات وَغَيْرهمَا "يَبْسُط الرِّزْق" يُوَسِّعهُ "لِمَنْ يَشَاء" امْتِحَانًا "وَيَقْدِر" يُضَيِّقهُ لِمَنْ يَشَاء ابْتِلَاء
وَقَوْله عَزَّ وَجَلَّ لَهُ مَقَالِيد السَّمَاوَات وَالْأَرْض " قَالَ مُجَاهِد : الْمَقَالِيد هِيَ الْمَفَاتِيح بِالْفَارِسِيَّةِ وَكَذَا قَالَ قَتَادَة وَابْن زَيْد وَسُفْيَان بْن عُيَيْنَة وَقَالَ السُّدِّيّ " لَهُ مَقَالِيد السَّمَاوَات وَالْأَرْض " أَيْ خَزَائِن السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَالْمَعْنَى عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ أَنَّ أَزِمَّة الْأُمُور بِيَدِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ الْمُلْك وَلَهُ الْحَمْد وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير. وَحَاصِل ذَلِكَ أَنَّهُ الْمُتَصَرِّف الْحَاكِم فِيهِمَا " يَبْسُط الرِّزْق لِمَنْ يَشَاء وَيَقْدِر " أَيْ يُوَسِّع عَلَى مَنْ يَشَاء وَيُضَيِّق عَلَى مَنْ يَشَاء وَلَهُ الْحِكْمَة وَالْعَدْل التَّامّ" إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم " .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَهُ مَقَالِيد السَّمَوَات وَالْأَرْض } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { لَهُ مَقَالِيد السَّمَوَات وَالْأَرْض } : لَهُ مَفَاتِيح خَزَائِن السَّمَوَات وَالْأَرْض وَبِيَدِهِ مَغَالِيق الْخَيْر وَالشَّرّ وَمَفَاتِيحهَا , فَمَا يَفْتَح مِنْ رَحْمَة فَلَا مُمْسِك لَهَا , وَمَا يُمْسِك فَلَا مُرْسِل لَهُ مِنْ بَعْده . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23654 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { لَهُ مَقَالِيد السَّمَوَات وَالْأَرْض } قَالَ : مَفَاتِيح بِالْفَارِسِيَّةِ . 23655 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { لَهُ مَقَالِيد السَّمَوَات وَالْأَرْض } قَالَ : مَفَاتِيح السَّمَوَات وَالْأَرْض . * - وَعَنْ الْحَسَن بِمِثْلِ ذَلِكَ . 23656 - ثنا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ { لَهَا مَقَالِيد السَّمَوَات وَالْأَرْض } قَالَ : خَزَائِن السَّمَوَات وَالْأَرْض .

وَقَوْله : { يَبْسُط الرِّزْق لِمَنْ يَشَاء وَيَقْدِر } يَقُول : يُوَسِّع رِزْقه وَفَضْله عَلَى مَنْ يَشَاء مِنْ خَلْقه , وَيَبْسُط لَهُ , وَيُكْثِر مَاله وَيُغْنِيه . وَيَقْدِر : يَقُول : وَيُقَتِّر عَلَى مَنْ يَشَاء مِنْهُمْ فَيُضَيِّقهُ وَيُفْقِرهُ .

يَقُول : إِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِكُلِّ مَا يَفْعَل مِنْ تَوْسِيعه عَلَى مَنْ يُوَسِّع , وَتَقْتِيره عَلَى مَنْ يُقَتِّر , وَمَنْ الَّذِي يَصْلُحهُ الْبَسْط عَلَيْهِ فِي الرِّزْق , وَيُفْسِدهُ مِنْ خَلْقه , وَالَّذِي يُصْلِحهُ التَّقْتِير عَلَيْهِ وَيُفْسِدهُ , وَغَيْر ذَلِكَ مِنَ الْأُمُور , ذُو عِلْم لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَوْضِع الْبَسْط وَالتَّقْتِير وَغَيْره , مِنْ صَلَاح تَدْبِير خَلْقه. يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَإِلَى مَنْ لَهُ مَقَالِيد السَّمَوَات وَالْأَرْض الَّذِي صِفَته مَا وَصَفْت لَكُمْ فِي هَذِهِ الْآيَات أَيّهَا النَّاس فَارْغَبُوا , وَإِيَّاهُ فَاعْبُدُوا مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين لَا الْأَوْثَان وَالْآلِهَة وَالْأَصْنَام , الَّتِي لَا تَمْلِك لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا .
مشاركة الموضوع