تفسير القرطبي

سورة فصلت الآية ٣

كِتَٰبٌۭ فُصِّلَتْ ءَايَٰتُهُۥ قُرْءَانًا عَرَبِيًّۭا لِّقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ ﴿٣﴾
أَيْ بُيِّنَتْ وَفُسِّرَتْ . قَالَ قَتَادَة : بِبَيَانِ حَلَاله مِنْ حَرَامه , وَطَاعَته مِنْ مَعْصِيَته . الْحَسَن : بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيد . سُفْيَان : بِالثَّوَابِ وَالْعِقَاب . وَقُرِئَ " فُصِّلَتْ " أَيْ فُرِّقَتْ بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل , أَوْ فُصِلَ بَعْضهَا مِنْ بَعْض بِاخْتِلَافِ مَعَانِيهَا ; مِنْ قَوْلك فُصِلَ أَيْ تَبَاعَدَ مِنْ الْبَلَد .

فِي نَصْبه وُجُوه ; قَالَ الْأَخْفَش : هُوَ نُصِبَ عَلَى الْمَدْح . وَقِيلَ : عَلَى إِضْمَار فِعْل ; أَيْ اُذْكُرْ " قُرْآنًا عَرَبِيًّا " . وَقِيلَ : عَلَى إِعَادَة الْفِعْل ; أَيْ فَصَّلْنَا " قُرْآنًا عَرَبِيًّا " . وَقِيلَ : عَلَى الْحَال أَيْ " فُصِّلَتْ آيَاته " فِي حَال كَوْنه " قُرْآنًا عَرَبِيًّا " . وَقِيلَ : لَمَّا شُغِلَ " فُصِّلَتْ " بِالْآيَاتِ حَتَّى صَارَتْ بِمَنْزِلَةِ الْفَاعِل اِنْتَصَبَ " قُرْآنًا " لِوُقُوعِ الْبَيَان عَلَيْهِ . وَقِيلَ : عَلَى الْقَطْع .

قَالَ الضَّحَّاك : أَيْ إِنَّ الْقُرْآن مُنَزَّل مِنْ عِنْد اللَّه . وَقَالَ مُجَاهِد : أَيْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ إِلَه وَاحِد فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل . وَقِيلَ : يَعْلَمُونَ الْعَرَبِيَّة فَيَعْجِزُونَ عَنْ مِثْله وَلَوْ كَانَ غَيْر عَرَبِيّ لَمَا عَلِمُوهُ .
كتاب بينت آياته تمام البيان؟ ووضحت معانيه وأحكامه, قرآنا عربيا ميسرا فهمه لقوم يعلمون اللسان العربي.
كتاب بُيِّنت آياته تمام البيان، وَوُضِّحت معانيه وأحكامه، قرآنًا عربيًا ميسَّرًا فهمه لقوم يعلمون اللسان العربي.
"كتاب" خبره "فصلت آياته" بينت بالأحكام والقصص والمواعظ "قرآنا عربيا" حال من كتاب بصفته "لقوم" متعلق بفصلت "يعلمون" يفهمون ذلك, وهم العرب
قَوْله تَبَارَكَ وَتَعَالَى " كِتَاب فُصِّلَتْ آيَاته " أَيْ بُيِّنَتْ مَعَانِيه وَأُحْكِمَتْ أَحْكَامه " قُرْآنًا عَرَبِيًّا " أَيْ فِي حَال كَوْنه قُرْآنًا عَرَبِيًّا بَيِّنًا وَاضِحًا فَمَعَانِيه مُفَصَّلَة وَأَلْفَاظه وَاضِحَة غَيْر مُشْكِلَة كَقَوْلِهِ تَعَالَى " كِتَاب أُحْكِمَتْ آيَاته ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيم خَبِير " أَيْ هُوَ مُعْجِز مِنْ حَيْثُ لَفْظه وَمَعْنَاهُ " لَا يَأْتِيه الْبَاطِل مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفه تَنْزِيل مِنْ حَكِيم حَمِيد" وَقَوْله تَعَالَى " لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ " أَيْ إِنَّمَا يَعْرِف هَذَا الْبَيَان وَالْوُضُوح الْعُلَمَاء الرَّاسِخُونَ .
{ كِتَاب فُصِّلَتْ آيَاته } يَقُول : كِتَاب بُيِّنَتْ آيَاته ; كَمَا : 23468 -حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَوْله : { فُصِّلَتْ آيَاته } قَالَ : بُيِّنَتْ آيَاته . وَقَوْله : { قُرْآنًا عَرَبِيًّا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فُصِّلَتْ آيَاته هَكَذَا . وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي وَجْه نَصْب الْقُرْآن , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة قَوْله : { كِتَاب فُصِّلَتْ } الْكِتَاب خَبَر لِمُبْتَدَأٍ أَخْبَرَ أَنَّ التَّنْزِيل كِتَاب , ثُمَّ قَالَ : { فُصِّلَتْ آيَاته قُرْآنًا عَرَبِيًّا } شَغَلَ الْفِعْل بِالْآيَاتِ حَتَّى صَارَتْ بِمَنْزِلَةِ الْفَاعِل , فَنَصَبَ الْقُرْآن , وَقَالَ : { بَشِيرًا وَنَذِيرًا } عَلَى أَنَّهُ صِفَة , وَإِنْ شِئْت جَعَلْت نَصْبه عَلَى الْمَدْح كَأَنَّهُ حِين ذَكَرَهُ أَقْبَلَ فِي مِدْحَته , فَقَالَ : ذَكَرْنَا قُرْآنًا عَرَبِيًّا بَشِيرًا وَنَذِيرًا , وَذَكَرْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا , وَكَانَ فِيمَا مَضَى مِنْ ذِكْره دَلِيل عَلَى مَا أُضْمِرَ . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة : نُصِبَ قُرْآنًا عَلَى الْفِعْل : أَيْ فُصِّلَتْ آيَاته كَذَلِكَ . قَالَ : وَقَدْ يَكُون النَّصْب فِيهِ عَلَى الْقَطْع ; لِأَنَّ الْكَلَام تَامّ عِنْد قَوْله " آيَاته " . قَالَ : وَلَوْ كَانَ رَفْعًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ نَعْت الْكِتَاب كَانَ صَوَابًا , كَمَا قَالَ فِي مَوْضِع آخَر : { كِتَاب أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْك مُبَارَك } 38 29 وَقَالَ : وَكَذَلِكَ قَوْله : { بَشِيرًا وَنَذِيرًا } فِيهِ مَا فِي { قُرْآنًا عَرَبِيًّا } . وَقَوْله : { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } يَقُول : فُصِّلَتْ آيَات هَذَا الْكِتَاب قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ اللِّسَان الْعَرَبِيّ .
مشاركة الموضوع