تفسير القرطبي

سورة غافر الآية ٨٠

وَلَكُمْ فِيهَا مَنَٰفِعُ وَلِتَبْلُغُوا۟ عَلَيْهَا حَاجَةًۭ فِى صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴿٨٠﴾
فِي الْوَبَر وَالصُّوف وَالشَّعْر وَاللَّبَن وَالزُّبْد وَالسَّمْن وَالْجُبْن وَغَيْر ذَلِكَ .

أَيْ تَحْمِل الْأَثْقَال وَالْأَسْفَار . وَقَدْ مَضَى فِي [ النَّحْل ] بَيَان هَذَا كُلّه فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ .

يَعْنِي الْأَنْعَام فِي الْبَرّ

فِي الْبَحْر
ولتبلغوا بالحمولة على بعضها حاجة في صدوركم من الوصول إلى الأقطار البعيدة, وعلى هذه الأنعام تحملون في البرية, وعلى الفلك في البحر تحملون كذلك.
الله سبحانه هو الذي جعل لكم الأنعام؛ لتنتفعوا بها: من منافع الركوب والأكل وغيرها من أنواع المنافع، ولتبلغوا بالحمولة على بعضها حاجةً في صدوركم من الوصول إلى الأقطار البعيدة، وعلى هذه الأنعام تُحْمَلون في البرية، وعلى الفلك في البحر تُحْمَلون كذلك.
"وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِع" مِنْ الدَّرّ وَالنَّسْل وَالْوَبَر وَالصُّوف "وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَة فِي صُدُوركُمْ" هِيَ حَمْل الْأَثْقَال إلَى الْبِلَاد "وَعَلَيْهَا" فِي الْبَرّ "وَعَلَى الْفُلْك" السُّفُن فِي الْبَحْر
فَالْإِبِل تُرْكَب وَتُؤْكَل وَتُحْلَب وَيُحْمَل عَلَيْهَا الْأَثْقَال فِي الْأَسْفَار وَالرِّحَال إِلَى الْبِلَاد النَّائِيَة وَالْأَقْطَار الشَّاسِعَة وَالْبَقَر تُؤْكَل وَيُشْرَب لَبَنهَا وَتَحْرُث عَلَيْهَا الْأَرْض وَالْغَنَم تُؤْكَل وَيُشْرَب لَبَنهَا وَالْجَمِيع تُجَزّ أَصْوَافهَا وَأَشْعَارهَا وَأَوْبَارهَا فَيُتَّخَذ مِنْهَا الْأَثَاث وَالثِّيَاب وَالْأَمْتِعَة كَمَا فُصِّلَ وَبُيِّنَ فِي أَمَاكِن تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي سُورَة الْأَنْعَام وَسُورَة النَّحْل وَغَيْر ذَلِكَ وَلِذَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ هَهُنَا " لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِع وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَة فِي صُدُوركُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْك تُحْمَلُونَ " .
وَقَوْله : { وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِع } وَذَلِكَ أَنْ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودهَا بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْم ظَعْنكُمْ , وَيَوْم إِقَامَتكُمْ , وَمِنْ أَصْوَافهَا وَأَوْبَارهَا وَأَشْعَارهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِين .


وَقَوْله : { وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَة فِي صُدُوركُمْ } يَقُول : وَلِتَبْلُغُوا بِالْحُمُولَةِ عَلَى بَعْضهَا , وَذَلِكَ الْإِبِل حَاجَة فِي صَدَرُوكُمْ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهَا لَوْلَا هِيَ , إِلَّا بِشِقِّ أَنْفُسكُمْ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَتَحْمِل أَثْقَالكُمْ إِلَى بَلَد لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُس } 16 7 وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23459 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَة فِي صُدُوركُمْ } يَعْنِي الْإِبِل تَحْمِل أَثْقَالكُمْ إِلَى بَلَد . 23460 -حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَة فِي صُدُوركُمْ } لِحَاجَتِكُمْ مَا كَانَتْ . وَقَوْله : { وَعَلَيْهَا } يَعْنِي : وَعَلَى هَذِهِ الْإِبِل , وَمَا جَانَسَهَا مِنْ الْأَنْعَام الْمَرْكُوبَة { وَعَلَى الْفُلْك } يَعْنِي : وَعَلَى السُّفُن { تُحْمَلُونَ } يَقُول نَحْمِلكُمْ عَلَى هَذِهِ فِي الْبَرّ , وَعَلَى هَذِهِ فِي الْبَحْر { وَيُرِيكُمْ آيَاته } يَقُول : وَيُرِيكُمْ حُجَجه , { فَأَيّ آيَات اللَّه تُنْكِرُونَ } يَقُول : فَأَيّ حُجَج اللَّه الَّتِي يُرِيكُمْ أَيّهَا النَّاس فِي السَّمَاء وَالْأَرْض تُنْكِرُونَ صِحَّتهَا , فَتَكْذِبُونَ مِنْ أَجْل فَسَادهَا بِتَوْحِيدِ اللَّه , وَتَدْعُونَ مِنْ دُونه إِلَهًا .
مشاركة الموضوع