تفسير القرطبي

سورة غافر الآية ٦٧

هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍۢ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍۢ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍۢ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًۭا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا۟ شُيُوخًۭا ۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ ۖ وَلِتَبْلُغُوٓا۟ أَجَلًۭا مُّسَمًّۭى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٦٧﴾
" خَلَقَكُمْ " أَيْ خَلَقَ أَبَاكُمْ الَّذِي هُوَ أَصْل الْبَشَر , يَعْنِي آدَم عَلَيْهِ السَّلَام " مِنْ تُرَاب " . " ثُمَّ " خَلَقْنَا ذُرِّيَّتَهُ . " مِنْ نُطْفَة " وَهُوَ الْمَنِيّ ; سُمِّيَ نُطْفَة لِقِلَّتِهِ , وَهُوَ الْقَلِيل مِنْ الْمَاء , وَقَدْ يَقَع عَلَى الْكَثِير مِنْهُ ; وَمِنْهُ الْحَدِيث ( حَتَّى يَسِير الرَّاكِب بَيْن النُّطْفَتَيْنِ لَا يَخْشَى جَوْرًا ) . أَرَادَ بَحْر الْمَشْرِق وَبَحْر الْمَغْرِب . وَالنَّطْف : الْقَطْر . نَطَفَ يَنْطِف وَيَنْطَف . وَلَيْلَة نَطُوفَة دَائِمَة الْقَطْر . " ثُمَّ مِنْ عَلَقَة " وَهُوَ الدَّم الْجَامِد . وَالْعَلَق الدَّم الْعَبِيط ; أَيْ الطَّرِيّ . وَقِيلَ : الشَّدِيد الْحُمْرَة . النُّطْفَة لَيْسَتْ بِشَيْءٍ يَقِينًا , وَلَا يَتَعَلَّق بِهَا حُكْم إِذَا أَلْقَتْهَا الْمَرْأَة إِذَا لَمْ تَجْتَمِع فِي الرَّحِم , فَهِيَ كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي صُلْب الرَّجُل ; فَإِذَا طَرَحَتْهُ عَلَقَة فَقَدْ تَحَقَّقْنَا أَنَّ النُّطْفَة قَدْ اِسْتَقَرَّتْ وَاجْتَمَعَتْ وَاسْتَحَالَتْ إِلَى أَوَّل أَحْوَال يَتَحَقَّق بِهِ أَنَّهُ وَلَد . وَعَلَى هَذَا فَيَكُون وَضْع الْعَلَقَة فَمَا فَوْقهَا مِنْ الْمُضْغَة وَضْع حَمْل تَبْرَأ بِهِ الرَّحِم , وَتَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّة , وَيَثْبُت بِهِ لَهَا حُكْم أُمّ الْوَلَد . وَهَذَا مَذْهَب مَالِك رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَأَصْحَابه . وَقَالَ الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : لَا اِعْتِبَار بِإِسْقَاطِ الْعَلَقَة , وَإِنَّمَا الِاعْتِبَار بِظُهُورِ الصُّورَة وَالتَّخْطِيط ; فَإِنْ خَفِيَ التَّخْطِيط , وَكَانَ لَحْمًا فَقَوْلَانِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيج , وَالْمَنْصُوص أَنَّهُ تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّة وَلَا تَكُون أُمّ وَلَد . قَالُوا : لِأَنَّ الْعِدَّة تَنْقَضِي بِالدَّمِ الْجَارِي , فَبِغَيْرِهِ أَوْلَى .

أَيْ أَطْفَالًا .

وَهِيَ حَالَة اِجْتِمَاع الْقُوَّة وَتَمَام الْعَقْل . وَقَدْ مَضَى فِي [ الْأَنْعَام ] بَيَانه .

بِضَمِّ الشِّين قِرَاءَة نَافِع وَابْن مُحَيْصِن وَحَفْص وَهِشَام وَيَعْقُوب وَأَبُو عَمْرو عَلَى الْأَصْل ; لِأَنَّهُ جَمْع فَعْل , نَحْو : قَلْب وَقُلُوب وَرَأْس وَرُءُوس . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِكَسْرِ الشِّين لِمُرَاعَاةِ الْيَاء وَكِلَاهُمَا جَمْع كَثْرَة , وَفِي الْعَدَد الْقَلِيل أَشْيَاخ وَالْأَصْل أَشْيُخٌ ; مِثْل فَلْس وَأَفْلُس إِلَّا أَنَّ الْحَرَكَة فِي الْيَاء ثَقِيلَة . وَقُرِئَ " شَيْخًا " عَلَى التَّوْحِيد ; كَقَوْلِهِ : " طِفْلًا " وَالْمَعْنَى كُلّ وَاحِد مِنْكُمْ ; وَاقْتَصَرَ عَلَى الْوَاحِد لِأَنَّ الْغَرَض بَيَان الْجِنْس . وَفِي الصِّحَاح : جَمْع الشَّيْخ شُيُوخ وَأَشْيَاخ وَشَيْخَة وَشِيخَان وَمَشْيَخَة وَمَشَايِخ وَمَشْيُوخَاءُ , وَالْمَرْأَة شَيْخَة . قَالَ عَبِيد : كَأَنَّهَا شَيْخَةٌ رَقُوب وَقَدْ شَاخَ الرَّجُل يَشِيخ شَيَخًا بِالتَّحْرِيكِ عَلَى أَصْله وَشَيْخُوخَة , وَأَصْل الْيَاء مُتَحَرِّكَة فَسَكَنَتْ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَام فَعَلُول . وَشَيَّخَ تَشْيِيخًا أَيْ شَاخَ . وَشَيَّخْتُهُ دَعَوْته شَيْخًا لِلتَّبْجِيلِ . وَتَصْغِير الشَّيْخ شُيَيْخٌ وَشِيَيْخٌ أَيْضًا بِكَسْرِ الشِّين وَلَا تَقُلْ شُوَيْخ النَّحَّاس : وَإِنْ اُضْطُرَّ شَاعِر جَازَ أَنْ يَقُول أَشْيُخٌ مِثْل عَيْن وَأَعْيُن إِلَّا أَنَّهُ حَسَن فِي عَيْن ; لِأَنَّهَا مُؤَنَّثَة . وَالشَّيْخ مَنْ جَاوَزَ أَرْبَعِينَ سَنَة .

قَالَ مُجَاهِد : أَيْ مِنْ قَبْل أَنْ يَكُون شَيْخًا , أَوْ مِنْ قَبْل هَذِهِ الْأَحْوَال إِذَا خَرَجَ سِقْطًا .

قَالَ مُجَاهِد : الْمَوْت لِلْكُلِّ . وَاللَّام لَام الْعَاقِبَة .

تَعْقِلُونَ ذَلِكَ فَتَعْلَمُوا أَنْ لَا إِلَه غَيْره .
هو الله الذي خلق أباكم آدم من تراب, ثم أوجدكم من المني بقدرته, وبعد ذلك تنتقلون إلى طور الدم الغليظ, ثم تجري عليكم أطوار متعددة في الأرحام, إلى أن تولدوا أطفالا صغارا, ثم تقوى بنيتكم إلى أن تصيروا شيوخا, ومنكم من يموت قبل ذلك, ولتبلغوا بهذه الأطوار المقدرة أجلا مسمى تنتهي عنده أعماركم, ولعلكم تعقلون حجج الله عليكم بذلك, تتدبرون آياته, فتعرفون أنه لا إله غيره يفعل ذلك, وأنه الذي لا تنبغي العبادة إلا له.
هو الله الذي خلق أباكم آدم من تراب، ثم أوجدكم من المنيِّ بقدرته، وبعد ذلك تنتقلون إلى طور الدم الغليظ الأحمر، ثم تجري عليكم أطوار متعددة في الأرحام، إلى أن تولدوا أطفالا صغارًا، ثم تقوى بِنْيَتُكم إلى أن تصيروا شيوخًا، ومنكم من يموت قبل ذلك، ولتبلغوا بهذه الأطوار المقدَّرة أجلا مسمى تنتهي عنده أعماركم، ولعلكم تعقلون حجج الله عليكم بذلك، وتتدبرون آياته، فتعرفون أنه لا إله غيره يفعل ذلك، وأنه الذي لا تنبغي العبادة إلا له.
"هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَاب" بِخَلْقِ أَبِيكُمْ آدَم مِنْهُ "ثُمَّ مِنْ نُطْفَة" مَنِيّ "ثُمَّ مِنْ عَلَقَة" دَم غَلِيظ "ثُمَّ يُخْرِجكُمْ طِفْلًا" بِمَعْنَى أَطْفَالًا "ثُمَّ" يُبْقِيكُمْ "لِتَبْلُغُوا أَشُدّكُمْ" تَكَامُل قُوَّتكُمْ مِنْ الثَّلَاثِينَ سَنَة إلَى الْأَرْبَعِينَ "ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا" بِضَمِّ الشِّين وَكَسْرهَا "وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْل" أَيْ قَبْل الْأَشُدّ وَالشَّيْخُوخَة فَعَلَ ذَلِكَ بِكُمْ لِتَعِيشُوا "وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى" وَقْتًا مَحْدُودًا "وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" دَلَائِل التَّوْحِيد فَتُؤْمِنُونَ
فِي قَوْله جَلَّتْ عَظَمَته " هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ مِنْ عَلَقَة ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا " أَيْ هُوَ الَّذِي يُقَلِّبكُمْ فِي هَذِهِ الْأَطْوَارِ كُلِّهَا وَحْده لَا شَرِيك لَهُ وَعَنْ أَمْرِهِ وَتَدْبِيره وَتَقْدِيره يَكُون ذَلِكَ كُلّه " وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْل " أَيْ مِنْ قَبْل أَنْ يُوجَد وَيَخْرُج إِلَى هَذَا الْعَالَم بَلْ تُسْقِطُهُ أُمّه سِقْطًا وَمِنْهُمْ مَنْ يُتَوَفَّى صَغِيرًا وَشَابًّا وَكَهْلًا قَبْل الشَّيْخُوخَة كَقَوْلِهِ تَعَالَى " لِنُبَيِّن لَكُمْ وَنُقِرّ فِي الْأَرْحَام مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى " وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ هَهُنَا " وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ " قَالَ اِبْن جُرَيْج تَتَذَكَّرُونَ الْبَعْث .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ مِنْ عَلَقَة ثُمَّ يُخْرِجكُمْ ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْل وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره آمِرًا نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَنْبِيهِ مُشْرِكِي قَوْمه عَلَى حُجَجه عَلَيْهِمْ فِي وَحْدَانِيّته : قُلْ يَا مُحَمَّد لِقَوْمِك : أُمِرْت أَنْ أُسْلِم لِرَبِّ الْعَالَمِينَ الَّذِي صِفَته هَذِهِ الصِّفَات . وَهِيَ أَنَّهُ خَلَقَ أَبَاكُمْ آدَم { مِنْ تُرَاب ثُمَّ } خَلَقَكُمْ { مِنْ نُطْفَة ثُمَّ مِنْ عَلَقَة } بَعْد أَنْ كُنْتُمْ نُطَفًا { ثُمَّ يُخْرِجكُمْ طِفْلًا } مِنْ بُطُون أُمَّهَاتكُمْ صِغَارًا , { ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدّكُمْ } , فَتَتَكَامَل قُوَاكُمْ , وَيَتَنَاهَى شَبَابكُمْ , وَتَمَام خَلْقكُمْ شُيُوخًا { وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْل } أَنْ يَبْلُغ الشَّيْخُوخَة { وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى } يَقُول : وَلِتَبْلُغُوا مِيقَاتًا مُؤَقَّتًا لِحَيَاتِكُمْ , وَأَجَلًا مَحْدُودًا لَا تُجَاوِزُونَهُ , وَلَا تَتَقَدَّمُونَ قَبْله { وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } يَقُول : وَكَيْ تَعْقِلُوا حُجَج اللَّه عَلَيْكُمَا بِذَلِكَ , وَتَتَدَبَّرُوا آيَاته فَتَعْرِفُوا بِهَا أَنَّهُ لَا إِلَه غَيْره فَعَلَ ذَلِكَ .
مشاركة الموضوع