تفسير القرطبي

سورة غافر الآية ٦٤

ٱللَّهُ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ قَرَارًۭا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءًۭ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ ﴿٦٤﴾
زَادَ فِي تَأْكِيد التَّعْرِيف وَالدَّلِيل ; أَيْ جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْض مُسْتَقَرًّا لَكُمْ فِي حَيَاتكُمْ وَبَعْد الْمَوْت .

السَّمَاء لِلْأَرْضِ كَالسَّقْفِ لِلْبَيْتِ ; وَلِهَذَا قَالَ وَقَوْله الْحَقّ " وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَحْفُوظًا " [ الْأَنْبِيَاء : 32 ] وَكُلّ مَا عَلَا فَأَظَلَّ قِيلَ لَهُ سَمَاء ; وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ وَالْوَقْف عَلَى " بِنَاء " أَحْسَنُ , وَيُقَال : بَنَى فُلَان بَيْتًا , وَبَنَى عَلَى أَهْله - بِنَاء فِيهِمَا - أَيْ زَفَّهَا . وَالْعَامَّة تَقُول : بَنَى بِأَهْلِهِ , وَهُوَ خَطَأ , وَكَأَنَّ الْأَصْل فِيهِ أَنَّ الدَّاخِل بِأَهْلِهِ كَانَ يَضْرِبُ عَلَيْهَا قُبَّة لَيْلَةَ دُحُوله بِهَا ; فَقِيلَ لِكُلِّ دَاخِل بِأَهْلِهِ : بَانٍ . وَبَنَى ( مَقْصُورًا ) شُدِّدَ لِلْكَثْرَةِ , وَابْتَنَى دَارًا وَبَنَى بِمَعْنًى ; وَمِنْهُ بُنْيَان الْحَائِط , وَأَصْله وَضَعَ لَبِنَةً عَلَى أُخْرَى حَتَّى تَثْبُتَ .

أَيْ خَلَقَكُمْ فِي أَحْسَن صُورَة . وَقَرَأَ أَبُو رَزِين وَالْأَشْهَب الْعُقَيْلِيّ " صِوَرَكُمْ " بِكَسْرِ الصَّاد ; قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَالصِّوَر بِكَسْرِ الصَّاد لُغَة فِي الصُّوَر جَمْع صُورَة , وَيُنْشَد هَذَا الْبَيْت عَلَى هَذِهِ اللُّغَة يَصِف الْجَوَارِي قَائِلًا : أَشْبَهْنَ مِنْ بَقَرِ الْخَلْصَاءِ أَعْيُنَهَا وَهُنَّ أَحْسَنُ مِنْ صِيرَانِهَا صِوَرَا وَالصِّيرَان جَمْع صِوَار وَهُوَ الْقَطِيع مِنْ الْبَقَر وَالصِّوَار أَيْضًا وِعَاء الْمِسْك وَقَدْ جَمَعَهُمَا الشَّاعِر بِقَوْلِهِ : إِذَا لَاحَ الصِّوَار ذَكَرْت لَيْلَى وَأَذْكُرُهَا إِذَا نُفِخَ الصِّوَار وَالصِّيَار لُغَة فِيهِ .

الثِّمَار وَالْحُبُوب وَالْحَيَوَان

" تَبَارَكَ " تَفَاعَلَ , مِنْ الْبَرَكَة وَهِيَ الْكَثْرَة وَالْاتِّسَاع . يُقَال : بُورِكَ الشَّيْء وَبُورِكَ فِيهِ ; قَالَ اِبْن عَرَفَة . وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : " تَبَارَكَ " تَعَالَى وَتَعَاظَمَ وَارْتَفَعَ . وَقِيلَ : إِنَّ بِاسْمِهِ يُتَبَرَّك وَيُتَيَمَّن . وَقَدْ مَضَى فِي الْفَاتِحَة مَعْنَى " رَبّ الْعَالَمِينَ " [ الْفَاتِحَة : 1 ] .
الله الذي جعل لكم الأرض, لتستقروا فيها, ويسر لكم الإقامه عليها, وجعل السماء سقفا للأرض, وبث فيها من العلامات الهادية, وخلقكم في أكمل هيئة وأحسن تقويم, وأنعم عليكم بحلال الرزق ولذيذ المطاعم والمشارب, ذلكم الذي أنعم عليكم بهذه النعم هو ربكم, فتكاثر خيره وفضله وبركته, وتنزه عما لا يليق به, وهو رب الخلائق أجمعين.
الله الذي جعل لكم الأرض؛ لتستقروا فيها، ويسَّر لكم الإقامة عليها، وجعل السماء سقفًا للأرض، وبثَّ فيها من العلامات الهادية، وخلقكم في أكمل هيئة وأحسن تقويم، وأنعم عليكم بحلال الرزق ولذيذ المطاعم والمشارب، ذلكم الذي أنعم عليكم بهذه النعم هو ربكم، فتكاثر خيره وفضله وبركته، وتنزَّه عمَّا لا يليق به، وهو ربُّ الخلائق أجمعين.
"اللَّه الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْض قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء" سَقْفًا
قَوْله تَعَالَى " اللَّه الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْض قَرَارًا " أَيْ جَعَلَهَا لَكُمْ مُسْتَقَرًّا بِسَاطًا مِهَادًا تَعِيشُونَ عَلَيْهَا وَتَتَصَرَّفُونَ فِيهَا وَتَمْشُونَ فِي مَنَاكِبهَا وَأَرْسَاهَا بِالْجِبَالِ لِئَلَّا تَمِيدَ بِكُمْ " وَالسَّمَاء بِنَاء " أَيْ سَقْفًا لِلْعَالَمِ مَحْفُوظًا " وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَركُمْ " أَيْ فَخَلَقَكُمْ فِي أَحْسَن الْأَشْكَال وَمَنَحَكُمْ أَكْمَلَ الصُّوَر فِي أَحْسَن تَقْوِيم " وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَات " أَيْ مِنْ الْمَآكِل وَالْمَشَارِب فِي الدُّنْيَا فَذَكَرَ أَنَّهُ خَلَقَ الدَّار وَالسُّكَّان وَالْأَرْزَاق فَهُوَ الْخَالِق الرَّازِق كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْبَقَرَة " يَا أَيّهَا النَّاس اُعْبُدُوا رَبّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْض فِرَاشًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَات رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ " . وَقَالَ تَعَالَى هَهُنَا بَعْد خَلْق هَذِهِ الْأَشْيَاء " ذَلِكُمْ اللَّه رَبّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّه رَبّ الْعَالَمِينَ " أَيْ فَتَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ رَبّ الْعَالَمِينَ كُلّهمْ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { اللَّه الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْض قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَن صُوَركُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَات ذَلِكُمْ اللَّه رَبّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّه رَبّ الْعَالَمِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { اللَّه } الَّذِي لَهُ الْأُلُوهَة خَالِصَة أَيّهَا النَّاس { الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْض } الَّتِي أَنْتُمْ عَلَى ظَهْرهَا سُكَّان { قَرَارًا } تَسْتَقِرُّونَ عَلَيْهَا , وَتَسْكُنُونَ فَوْقهَا , { وَالسَّمَاء بِنَاء } : بَنَاهَا فَرَفَعَهَا فَوْقكُمْ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا لِمَصَالِحِكُمْ , وَقِوَام دُنْيَاكُمْ إِلَى بُلُوغ آجَالكُمْ { وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَن صُوَركُمْ } يَقُول : وَخَلَقَكُمْ فَأَحْسَن خَلْقكُمْ { وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَات } يَقُول : وَرَزَقَكُمْ مِنْ حَلَال الرِّزْق , وَلَذِيذَات الْمَطَاعِم وَالْمَشَارِب . وَقَوْله : { ذَلِكُمْ اللَّه رَبّكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَاَلَّذِي فَعَلَ هَذِهِ الْأَفْعَال , وَأَنْعَمَ عَلَيْكُمْ أَيّهَا النَّاس هَذِهِ النِّعَم , هُوَ اللَّه الَّذِي لَا تَنْبَغِي الْأُلُوهَة إِلَّا لَهُ , وَرَبّكُمْ الَّذِي لَا تَصْلُح الرُّبُوبِيَّة لِغَيْرِهِ , لَا الَّذِي لَا يَنْفَع وَلَا يَضُرّ , وَلَا يَخْلُق وَلَا يَرْزُق { فَتَبَارَكَ اللَّه رَبّ الْعَالَمِينَ } يَقُول : فَتَبَارَكَ اللَّه مَالِك جَمِيع الْخَلْق جِنّهمْ وَإِنْسهمْ , وَسَائِر أَجْنَاس الْخَلْق غَيْرهمْ { هُوَ الْحَيّ } يَقُول : هُوَ الْحَيّ الَّذِي لَا يَمُوت , الدَّائِم الْحَيَاة , وَكُلّ شَيْء سِوَاهُ فَمُنْقَطِع الْحَيَاة غَيْر دَائِمهَا { لَا إِلَه إِلَّا هُوَ } يَقُول : لَا مَعْبُود بِحَقٍّ تَجُوز عِبَادَته , وَتَصْلُح الْأُلُوهَة لَهُ إِلَّا اللَّه الَّذِي هَذِهِ الصِّفَات صِفَاته , فَادْعُوهُ أَيّهَا النَّاس مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين , مُخْلِصِينَ لَهُ الطَّاعَة , مُفْرِدِينَ لَهُ الْأُلُوهَة , لَا تُشْرِكُوا فِي عِبَادَته شَيْئًا سِوَاهُ , مِنْ وَثَن وَصَنَم , وَلَا تَجْعَلُوا لَهُ نِدًّا وَلَا عَدْلًا { الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } يَقُول : الشُّكْر لِلَّهِ الَّذِي هُوَ مَالِك جَمِيع أَجْنَاس الْخَلْق , مِنْ مَلَك وَجِنّ وَإِنْس وَغَيْرهمْ , لَا لِلْآلِهَةِ وَالْأَوْثَان الَّتِي لَا تَمْلِك شَيْئًا , وَلَا تَقْدِر عَلَى ضُرّ وَلَا نَفْع , بَلْ هُوَ مَمْلُوك , إِنْ نَالَهُ نَائِل بِسُوءٍ لَمْ يَقْدِر لَهُ عَنْ نَفْسه دَفْعًا . وَكَانَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْعِلْم يَأْمُرُونَ مَنْ قَالَ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , أَنْ يُتْبِع ذَلِكَ : { الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } تَأَوُّلًا مِنْهُمْ هَذِهِ الْآيَة , بِأَنَّهَا أَمْر مِنْ اللَّه بِقِيلِ ذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23442 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن الْحَسَن بْن شَقِيق , قَالَ : سَمِعْت أَبِي , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْحُسَيْن بْن وَاقِد , قَالَ : ثنا الْأَعْمَش , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , فَلْيَقُلْ عَلَى إِثْرهَا : الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ , فَذَلِكَ قَوْله : { فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } 23443 -حَدَّثَنَا عَبْد الْحَمِيد بْن بَيَان السُّكَّرِيّ قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن يَزِيد , عَنْ إِسْمَاعِيل , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : " إِذَا قَالَ أَحَدكُمْ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ , فَلْيَقُلْ : الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ , ثُمَّ قَالَ : { فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } . 23444 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن بِشْر , قَالَ : ثنا إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر أَنَّهُ كَانَ يُسْتَحَبّ إِذَا قَالَ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , يُتْبِعهَا الْحَمْد لِلَّهِ , ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة : { هُوَ الْحَيّ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُمَارَة , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد , عَنْ عَامِر , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : إِذَا قَالَ أَحَدكُمْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده , فَلْيَقُلْ بِإِثْرِهَا : الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ , ثُمَّ قَرَأَ { فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } .
مشاركة الموضوع