تفسير القرطبي

سورة غافر الآية ٤٤

فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ ﴿٤٤﴾
تَهْدِيد وَوَعِيد . وَ " مَا " يَجُوز أَنْ تَكُون بِمَعْنَى الَّذِي أَيْ الَّذِي أَقُولهُ لَكُمْ . وَيَجُوز أَنْ تَكُون مَصْدَرِيَّة أَيْ فَسَتَذْكُرُونَ قَوْلِي لَكُمْ إِذَا حَلَّ بِكُمْ الْعَذَاب .

أَيْ أَتَوَكَّل عَلَيْهِ وَأُسْلِمُ أَمْرِي إِلَيْهِ . وَقِيلَ : هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُمْ أَرَادُوا قَتْله . وَقَالَ مُقَاتِل : هَرَبَ هَذَا الْمُؤْمِن إِلَى الْجَبَل فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ . وَقَدْ قِيلَ : الْقَائِل مُوسَى . وَالْأَظْهَر أَنَّهُ مُؤْمِن آل فِرْعَوْن ; وَهُوَ قَوْل اِبْن عَبَّاس .

قَالَ الْعُلَمَاء : وَصَفَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ بَصِير عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ عَالِم بِخَفِيَّاتِ الْأُمُور . وَالْبَصِير فِي كَلَام الْعَرَب : الْعَالِم بِالشَّيْءِ الْخَبِير بِهِ ; وَمِنْهُ قَوْلهمْ : فُلَان بَصِير بِالطِّبِّ , وَبَصِير بِالْفِقْهِ , وَبَصِير بِمُلَاقَاةِ الرِّجَال ; قَالَ : فَإِنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي بَصِيرٌ بِأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ قَالَ الْخَطَّابِيّ : الْبَصِير الْعَالِم , وَالْبَصِير الْمُبْصِر . وَقِيلَ : وَصَفَ تَعَالَى نَفْسه بِأَنَّهُ بَصِير عَلَى مَعْنَى جَاعِل الْأَشْيَاء الْمُبْصِرَة ذَوَات إِبْصَار , أَيْ مُدْرِكَة لِلْمُبْصَرَاتِ بِمَا خَلَقَ لَهَا مِنْ الْآلَة الْمُدْرِكَة وَالْقُوَّة ; فَاَللَّه بَصِير بِعِبَادِهِ , أَيْ جَاعِل عِبَاده مُبْصِرِينَ .
فلما نصحهم ولم يطيعوه قال لهم: فستذكرون أني نصحت لكم وذكرتكم, وصوت تندمون حيث لا ينفع الندم, وألجأ إلى الله, وأعتصم به, وأتوكل عليه.
إن الله سبحانه وتعالى بصير بأحوال العباد, وما يستحقونه من جزاء, لا يخفى عليه شيء منها.
فلما نصحهم ولم يطيعوه قال لهم: فستذكرون أني نصحت لكم وذكَّرتكم، وسوف تندمون حيث لا ينفع الندم، وألجأ إلى الله، وأعتصم به، وأتوكل عليه. إن الله سبحانه وتعالى بصير بأحوال العباد، وما يستحقونه من جزاء، لا يخفى عليه شيء منها.
"فَسَتَذْكُرُونَ" إذَا عَايَنْتُمْ الْعَذَاب "مَا أَقُول لَكُمْ وَأُفَوِّض أَمْرِي إلَى اللَّه إنَّ اللَّه بَصِير بِالْعِبَادِ" قَالَ ذَلِكَ لَمَّا تَوَعَّدُوهُ بِمُخَالَفَةِ دِينهمْ
" فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُول لَكُمْ " أَيْ سَوْفَ تَعْلَمُونَ صِدْق مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ وَنَهَيْتُكُمْ عَنْهُ وَنَصَحْتُكُمْ وَوَضَّحْت لَكُمْ وَتَتَذَكَّرُونَهُ وَتَنْدَمُونَ حَيْثُ لَا يَنْفَعكُمْ النَّدَم " وَأُفَوِّض أَمْرِي إِلَى اللَّه " أَيْ وَأَتَوَكَّل عَلَى اللَّه وَأَسْتَعِينهُ وَأُقَاطِعكُمْ وَأُبَاعِدكُمْ " إِنَّ اللَّه بَصِير بِالْعِبَادِ " أَيْ هُوَ بَصِير بِهِمْ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ فَيَهْدِي مَنْ يَسْتَحِقّ الْهِدَايَة وَيُضِلّ مَنْ يَسْتَحِقّ الْإِضْلَال وَلَهُ الْحُجَّة الْبَالِغَة وَالْحِكْمَة التَّامَّة وَالْقَدَر النَّافِذ.
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُول لَكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قِيل الْمُؤْمِن مِنْ آل فِرْعَوْن لِفِرْعَوْن وَقَوْمه : فَسَتَذْكُرُونَ أَيّهَا الْقَوْم إِذَا عَايَنْتُمْ عِقَاب اللَّه قَدْ حَلَّ بِكُمْ , وَلَقِيتُمْ مَا لَقِيتُمُوهُ صِدْق مَا أَقُول , وَحَقِيقَة مَا أُخْبِركُمْ بِهِ مِنْ أَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَاب النَّار , كَمَا : 23420 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُول لَكُمْ } , فَقُلْت لَهُ : أَوَذَلِكَ فِي الْأَخِرَة ؟ قَالَ : نَعَمْ.

وَقَوْله : { وَأُفَوِّض أَمْرِي إِلَى اللَّه } يَقُول : وَأُسَلِّم أَمْرِي إِلَى اللَّه , وَأَجْعَلهُ إِلَيْهِ وَأَتَوَكَّل عَلَيْهِ , فَإِنَّهُ الْكَافِي مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23421 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { وَأُفَوِّض أَمْرِي إِلَى اللَّه } قَالَ : أَجْعَل أَمْرِي إِلَى اللَّه.


وَقَوْله : { إِنَّ اللَّه بَصِير بِالْعِبَادِ } يَقُول : إِنَّ اللَّه عَالِم بِأُمُورِ عِبَاده , وَمَنْ الْمُطِيع مِنْهُمْ , وَالْعَاصِي لَهُ , وَالْمُسْتَحِقّ جَمِيل الثَّوَاب , وَالْمُسْتَوْجِب سَيِّئ الْعِقَاب .
مشاركة الموضوع