تفسير القرطبي

سورة غافر الآية ١٣

هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقًۭا ۚ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ ﴿١٣﴾
أَيْ دَلَائِل تَوْحِيده وَقُدْرَته

جَمَعَ بَيْن إِظْهَار الْآيَات وَإِنْزَال الرِّزْق ; لِأَنَّ بِالْآيَاتِ قِوَام الْأَدْيَان , وَبِالرِّزْقِ قِوَام الْأَبَدَانِ . وَهَذِهِ الْآيَات هِيَ السَّمَوَات وَالْأَرْضُونَ وَمَا فِيهِمَا وَمَا بَيْنهمَا مِنْ الشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم وَالرِّيَاح وَالسَّحَاب وَالْبِحَار وَالْأَنْهَار وَالْعُيُون وَالْجِبَال وَالْأَشْجَار وَآثَار قَوْم هَلَكُوا .

أَيْ مَا يَتَّعِظ بِهَذِهِ الْآيَات فَيُوَحِّد اللَّه

أَيْ يَرْجِع إِلَى طَاعَة اللَّه .
هو الذي يظهر لكم- أيها الناس- قدرته بما تشاهدونه من الآيات العظيمة الدالة على كمال خالقها ومبدعها, وينزل لكم من الماء مطرا ترزقون به, وما يتذكر بهذه الآيات إلا من يرجع إلى طاعة الله, ويخلص له العبادة.
هو الذي يُظْهِر لكم- أيها الناس- قدرته بما تشاهدونه من الآيات العظيمة الدالة على كمال خالقها ومبدعها، ويُنَزِّل لكم من السماء مطرًا تُرزَقون به، وما يتذكر بهذه الآيات إلا مَن يرجع إلى طاعة الله، ويخلص له العبادة.
"هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاته" دَلَائِل تَوْحِيده "وَيُنَزِّل لَكُمْ مِنَ السَّمَاء رِزْقًا" بِالْمَطَرِ "وَمَا يَتَذَكَّر" يَتَّعِظ "إلَّا مَنْ يُنِيب" يَرْجِع عَنْ الشِّرْك
قَوْله جَلَّ جَلَاله " هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاته " أَيْ يُظْهِرُ قُدْرَتَهُ لِخَلْقِهِ بِمَا يُشَاهِدُونَهُ فِي خَلْقِهِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ مِنْ الْآيَاتِ الْعَظِيمَة الدَّالَّة عَلَى كَمَالِ خَالِقهَا وَمُبْدِعهَا وَمُنْشِئِهَا " وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنْ السَّمَاء رِزْقًا " وَهُوَ الْمَطَر الَّذِي يُخْرِج بِهِ مِنْ الزُّرُوع وَالثِّمَار مَا هُوَ مُشَاهَد بِالْحِسِّ مِنْ اِخْتِلَاف أَلْوَانه وَطُعُومه وَرَوَائِحه وَأَشْكَاله وَأَلْوَانه وَهُوَ مَاء وَاحِد فَبِالْقُدْرَةِ الْعَظِيمَة فَاوَتَ بَيْن هَذِهِ الْأَشْيَاء " وَمَا يَتَذَكَّر" أَيْ يَعْتَبِر وَيَتَفَكَّر فِي هَذِهِ الْأَشْيَاء وَيَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى عَظَمَة خَالِقهَا " إِلَّا مَنْ يُنِيب " أَيْ مَنْ هُوَ بَصِير مُنِيب إِلَى اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاته وَيُنَزِّل لَكُمْ مِنْ السَّمَاء رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّر إِلَّا مَنْ يُنِيب } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : الَّذِي يُرِيكُمْ أَيّهَا النَّاس حُجَجه وَأَدِلَّته عَلَى وَحْدَانِيّته وَرُبُوبِيَّته { وَيُنَزِّل لَكُمْ مِنْ السَّمَاء رِزْقًا } يَقُول يُنَزِّل لَكُمْ مِنْ أَرْزَاقكُمْ مِنْ السَّمَاء بِإِدْرَارِ الْغَيْث الَّذِي يُخْرِج بِهِ أَقْوَاتكُمْ مِنْ الْأَرْض , وَغِذَاء أَنْعَامكُمْ عَلَيْكُمْ { وَمَا يَتَذَكَّر إِلَّا مَنْ يُنِيب } يَقُول : وَمَا يَتَذَكَّر حُجَج اللَّه الَّتِي جَعَلَهَا أَدِلَّة عَلَى وَحْدَانِيّته , فَيَعْتَبِر بِهَا وَيَتَّعِظ , وَيَعْلَم حَقِيقَة مَا تَدُلّ عَلَيْهِ , إِلَّا مَنْ يُنِيب , يَقُول : إِلَّا مَنْ يَرْجِع إِلَى تَوْحِيده , وَيَقْبَل عَلَى طَاعَته , كَمَا : 23358 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { إِلَّا مَنْ يُنِيب } قَالَ : مَنْ يُقْبِل إِلَى طَاعَة اللَّه .
مشاركة الموضوع