الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَا وَرَبّك لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شَجَرَ بَيْنهمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسهمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْت وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { فَلَا } فَلَيْسَ الْأَمْر كَمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْك , وَهُمْ يَتَحَاكَمُونَ إِلَى الطَّاغُوت , وَيَصُدُّونَ عَنْك إِذَا دُعُوا إِلَيْك يَا مُحَمَّد . وَاسْتَأْنَفَ الْقَسَم جَلَّ ذِكْره , فَقَالَ : { وَرَبّك } يَا مُحَمَّد { لَا يُؤْمِنُونَ } أَيْ لَا يُصَدِّقُونَ بِي وَبِك , وَبِمَا أُنْزِلَ إِلَيْك , { حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شَجَرَ بَيْنهمْ } يَقُول : حَتَّى يَجْعَلُوك حَكَمًا بَيْنهمْ فِيمَا اِخْتَلَطَ بَيْنهمْ مِنْ أُمُورهمْ , فَالْتَبَسَ عَلَيْهِمْ حُكْمه , يُقَال : شَجَرَ يَشْجُر شُجُورًا وَشَجَرًا , وَتَشَاجَرَ الْقَوْم إِذَا اِخْتَلَفُوا فِي الْكَلَام وَالْأَمْر مُشَاجَرَة وَشِجَارًا { ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسهمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْت } يَقُول : لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسهمْ ضِيقًا مِمَّا قَضَيْت , وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : ثُمَّ لَا تَحْرَج أَنْفُسهمْ مِمَّا قَضَيْت : أَيْ لَا تَأْثَم بِإِنْكَارِهَا مَا قَضَيْت وَشَكِّهَا فِي طَاعَتك وَأَنَّ الَّذِي قَضَيْت بِهِ بَيْنهمْ حَقّ لَا يَجُوز لَهُمْ خِلَافه . كَمَا : 7829 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { حَرَجًا مِمَّا قَضَيْت } قَالَ : شَكًّا . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ الْقَاسِم بْن أَبِي بَزَّة , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { حَرَجًا مِمَّا قَضَيْت } يَقُول : شَكًّا . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد مِثْله . 7830 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , فِي قَوْله : { ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسهمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْت } قَالَ : إِثْمًا { وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } يَقُول : وَيُسَلِّمُوا لِقَضَائِك وَحُكْمك , إِذْعَانًا مِنْهُمْ بِالطَّاعَةِ , وَإِقْرَارًا لَك بِالنُّبُوَّةِ تَسْلِيمًا . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَنْ عُنِيَ بِهَذِهِ الْآيَة وَفِيمَنْ نَزَلَتْ , فَقَالَ بَعْضهمْ : نَزَلَتْ فِي الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام وَخَصْم لَهُ مِنْ الْأَنْصَار , اِخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْض الْأُمُور . ذِكْر الرِّوَايَة بِذَلِكَ : 7831 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُس وَاللَّيْث بْن سَعْد , عَنْ اِبْن شِهَاب , أَنَّ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر حَدَّثَهُ , أَنَّ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر حَدَّثَهُ , عَنْ الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام : أَنَّهُ خَاصَمَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار قَدْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شِرَاج مِنْ الْحَرَّة كَانَا يَسْقِيَانِ بِهِ كِلَاهُمَا النَّخْل , فَقَالَ الْأَنْصَارِيّ : سَرِّحْ الْمَاء يَمُرّ ! فَأَبَى عَلَيْهِ , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اِسْقِ يَا زُبَيْر ثُمَّ أَرْسِلْ الْمَاء إِلَى جَارك ! " فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيّ وَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه , أَنْ كَانَ اِبْن عَمَّتك ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْه رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ قَالَ : " اِسْقِ يَا زُبَيْر ثُمَّ اِحْبِسْ الْمَاء حَتَّى يَرْجِع إِلَى الْجَدْر ثُمَّ أَرْسِلْ الْمَاء إِلَى جَارك ! " وَاسْتَوْعَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلزُّبَيْرِ حَقّه قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب : " اِسْتَوْعَبَ " . وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل ذَلِكَ أَشَارَ عَلَى الزُّبَيْر بِرَأْيٍ أَرَادَ فِيهِ الشَّفَقَة لَهُ وَلِلْأَنْصَارِيِّ , فَلَمَّا أَحْفَظَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَنْصَارِيّ اِسْتَوْعَبَ لِلزُّبَيْرِ حَقّه فِي صَرِيح الْحُكْم . قَالَ : فَقَالَ الزُّبَيْر : مَا أَحْسَب هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ إِلَّا فِي ذَلِكَ : { فَلَا وَرَبّك لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شَجَرَ بَيْنهمْ } . .. الْآيَة . 7832 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق , عَنْ الزُّهْرِيّ , عَنْ عُرْوَة , قَالَ : خَاصَمَ الزُّبَيْرَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَار فِي شَرْج مِنْ شِرَاج الْحَرَّة , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا زُبَيْر , اِشْرَبْ ثُمَّ خَلِّ سَبِيل الْمَاء ! " فَقَالَ الَّذِي مِنْ الْأَنْصَار : اِعْدِلْ يَا نَبِيّ اللَّه وَإِنْ كَانَ اِبْن عَمَّتك ! قَالَ : فَتَغَيَّرَ وَجْه رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى عُرِفَ أَنْ قَدْ سَاءَهُ مَا قَالَ , ثُمَّ قَالَ : " يَا زُبَيْر اِحْبِسْ الْمَاء إِلَى الْجَدْر أَوْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ , ثُمَّ خَلِّ سَبِيل الْمَاء ! " , قَالَ : وَنَزَلَتْ : { فَلَا وَرَبّك لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شَجَرَ بَيْنهمْ } . 7833 - حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن عُمَيْر الرَّازِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر , قَالَ : ثنا سُفْيَان , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن دِينَار , عَنْ سَلَمَة رَجُل مِنْ وَلَد أُمّ سَلَمَة , عَنْ أُمّ سَلَمَة : أَنَّ الزُّبَيْر خَاصَمَ رَجُلًا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَضَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلزُّبَيْرِ , فَقَالَ الرَّجُل لَمَّا قَضَى لِلزُّبَيْرِ : أَنْ كَانَ اِبْن عَمَّتك ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه : { فَلَا وَرَبّك لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شَجَرَ بَيْنهمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسهمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْت وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي الْمُنَافِق وَالْيَهُودِيّ اللَّذَيْنِ وَصَفَ اللَّه صِفَتهمَا فِي قَوْله : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْك وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلك يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوت } . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7834 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { فَلَا وَرَبّك لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شَجَرَ بَيْنهمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسهمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْت وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } قَالَ : هَذَا الرَّجُل الْيَهُودِيّ وَالرَّجُل الْمُسْلِم اللَّذَانِ تَحَاكَمَا إِلَى كَعْب بْن الْأَشْرَف . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 7835 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ دَاوُد , عَنْ الشَّعْبِيّ بِنَحْوِهِ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : إِلَى الْكَاهِن . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذَا الْقَوْل - أَعْنِي قَوْل مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِهِ الْمُحْتَكِمَانِ إِلَى الطَّاغُوت اللَّذَانِ وَصَفَ اللَّه شَأْنهمَا فِي قَوْله : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْك وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلك } - أَوْلَى بِالصَّوَابِ , لِأَنَّ قَوْله : { فَلَا وَرَبّك لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شَجَرَ بَيْنهمْ } فِي سِيَاق قِصَّة الَّذِينَ اِبْتَدَأَ اللَّه الْخَبَر عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْك } , وَلَا دَلَالَة تَدُلّ عَلَى اِنْقِطَاع قِصَّتهمْ , فَإِلْحَاق بَعْض ذَلِكَ بِبَعْضٍ مَا لَمْ تَأْتِ دَلَالَة عَلَى اِنْقِطَاعه أَوْلَى . فَإِنْ ظَنَّ ظَانّ أَنَّ فِي الَّذِي رُوِيَ عَنْ الزُّبَيْر وَابْن الزُّبَيْر مِنْ قِصَّته وَقِصَّة الْأَنْصَارِيّ فِي شِرَاج الْحَرَّة , وَقَوْل مَنْ قَالَ فِي خَبَرهمَا , فَنَزَلَتْ : { فَلَا وَرَبّك لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شَجَرَ بَيْنهمْ } مَا يُنْبِئ عَنْ اِنْقِطَاع حُكْم هَذِهِ الْآيَة وَقِصَّتهَا مِنْ قِصَّة الْآيَات قَبْلهَا , فَإِنَّهُ غَيْر مُسْتَحِيل أَنْ تَكُون الْآيَة نَزَلَتْ فِي حِصَّة الْمُحْتَكِمِينَ إِلَى الطَّاغُوت , وَيَكُون فِيهَا بَيَان مَا اِحْتَكَمَ فِيهِ الزُّبَيْر وَصَاحِبه الْأَنْصَارِيّ , إِذْ كَانَتْ الْآيَة دَالَّة عَلَى ذَلِكَ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ غَيْر مُسْتَحِيل , كَانَ إِلْحَاق مَعْنَى بَعْض ذَلِكَ بِبَعْضٍ أَوْلَى مَا دَامَ الْكَلَام مُتَّسِقَة مَعَانِيهِ عَلَى سِيَاق وَاحِد , إِلَّا أَنْ تَأْتِيَ دَلَالَة عَلَى اِنْقِطَاع بَعْض ذَلِكَ مِنْ بَعْض , فَيُعْدَل بِهِ عَنْ مَعْنَى مَا قَبْله . وَأَمَّا قَوْله : { وَيُسَلِّمُوا } فَإِنَّهُ مَنْصُوب عَطْفًا عَلَى قَوْله : { ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسهمْ } . وَقَوْله : { ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسهمْ } نُصِبَ عَطْفًا عَلَى قَوْله : { حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شَجَرَ بَيْنهمْ } .