تفسير القرطبي

سورة النساء الآية ٥٧

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۖ لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ ۖ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّۭا ظَلِيلًا ﴿٥٧﴾
يَعْنِي كَثِيفًا لَا شَمْسَ فِيهِ . الْحَسَن : وُصِفَ بِأَنَّهُ ظَلِيل ; لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلهُ مَا يَدْخُل ظِلّ الدُّنْيَا مِنْ الْحَرّ وَالسَّمُوم وَنَحْو ذَلِكَ . وَقَالَ الضَّحَّاك : يَعْنِي ظِلَال الْأَشْجَار وَظِلَال قُصُورهَا الْكَلْبِيّ : " ظِلًّا ظَلِيلًا " يَعْنِي دَائِمًا .
" وَالَّذِينَ آمَنُوا " أي بالله, وما أوجب الإيمان به " وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ " من الواجبات والمستحبات " سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ " أي: من الأخلاق الرذيلة, والخلق الذميم, ومما يكون من نساء الدنيا, من كل دنس وعيب " وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا " أي: دائم الظل.
والذين اطمأنت قلوبهم بالإيمان بالله تعالى والتصديق برسالة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، واستقاموا على الطاعة، سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، ينعمون فيها أبدًا ولا يخرجون منها، ولهم فيها أزواج طهرها الله مِن كل أذى، وندخلهم ظلا كثيفًا ممتدًا في الجنة.
"وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا "أبدا لهم فيها" أَزْوَاج مُطَهَّرَة" مِنْ الْحَيْض وَكُلّ قَذَر "وَنُدْخِلهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا" دَائِمًا لَا تَنْسَخهُ شَمْس وَهُوَ ظِلّ الْجَنَّة
وَقَوْله " وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا " هَذَا إِخْبَار عَنْ مَآل السُّعَدَاء فِي جَنَّات عَدْن الَّتِي تَجْرِي فِيهَا الْأَنْهَار فِي جَمِيع فِجَاجهَا وَمَحَالّهَا وَأَرْجَائِهَا حَيْثُ شَاءُوا وَأَيْنَ أَرَادُوا وَهُمْ خَالِدُونَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَحُولُونَ وَلَا يَزُولُونَ وَلَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا وَقَوْله " لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاج مُطَهَّرَة " أَيْ مِنْ الْحَيْض وَالنِّفَاس وَالْأَذَى وَالْأَخْلَاق الرَّذِيلَة وَالصِّفَات النَّاقِصَة كَمَا قَالَ اِبْن عَبَّاس : مُطَهَّرَة مِنْ الْأَقْذَار وَالْأَذَى . وَكَذَا قَالَ عَطَاء وَالْحَسَن وَالضَّحَّاك وَالنَّخَعِيّ وَأَبُو صَالِح وَعَطِيَّة وَالسُّدِّيّ. وَقَالَ مُجَاهِد : مُطَهَّرَة مِنْ الْبَوْل وَالْحَيْض وَالنُّخَام وَالْبُزَاق وَالْمَنِيّ وَالْوَلَد . وَقَالَ قَتَادَة : مُطَهَّرَة مِنْ الْأَذَى وَالْمَآثِم وَلَا حَيْض وَلَا كَلَف . وَقَوْله " وَنُدْخِلهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا " أَيْ ظِلًّا عَمِيقًا كَثِيرًا غَزِيرًا طَيِّبًا أَنِيقًا قَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن وَحَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا اِبْن جَعْفَر قَالَا حَدَّثَنَا شُعْبَة قَالَ : سَمِعْت أَبَا الضَّحَّاك يُحَدِّث عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إِنَّ فِي الْجَنَّة لَشَجَرَة يَسِير الرَّاكِب فِي ظِلّهَا مِائَة عَام لَا يَقْطَعهَا - شَجَرَة الْخُلْد " .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات } : وَاَلَّذِينَ آمَنُوا بِاَللَّهِ وَرَسُوله مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَصَدَّقُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَى مُحَمَّد مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ مِنْ يَهُود بَنِي إِسْرَائِيل وَسَائِر الْأُمَم غَيْرهمْ .

يَقُول : وَأَدَّوْا مَا أَمَرَهُمْ اللَّه بِهِ مِنْ فَرَائِضه , وَاجْتَنَبُوا مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ مَعَاصِيه , وَذَلِكَ هُوَ الصَّالِح مِنْ أَعْمَالهمْ.

يَقُول : سَوْفَ يُدْخِلهُمْ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة جَنَّات , يَعْنِي : بَسَاتِين

يَقُول : تَجْرِي مِنْ تَحْت تِلْكَ الْجَنَّات الْأَنْهَار .

يَقُول : بَاقِينَ فِيهَا أَبَدًا بِغَيْرِ نِهَايَة وَلَا اِنْقِطَاع , دَائِم ذَلِكَ لَهُمْ فِيهَا أَبَدًا .

يَقُول : لَهُمْ فِي تِلْكَ الْجَنَّات الَّتِي وَصَفَ صِفَتهَا { أَزْوَاج مُطَهَّرَة } يَعْنِي : بَرِيئَات مِنْ الْأَدْنَاس وَالرِّيَب الْحَيْض وَالْغَائِط وَالْبَوْل وَالْحَبَل وَالْبُصَاق , وَسَائِر مَا يَكُون فِي نِسَاء أَهْل الدُّنْيَا . وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْآثَار فِيمَا مَضَى قَبْل , وَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتهَا .

وَأَمَّا قَوْله : { وَنُدْخِلهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا } فَإِنَّهُ يَقُول : وَنُدْخِلهُمْ ظِلًّا كَنِينًا , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَظِلّ مَمْدُود } 56 30 وكَمَا : * -حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , وَحَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَا جَمِيعًا , ثنا شُعْبَة , قَالَ : سَمِعْت أَبَا الضَّحَّاك يُحَدِّث عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : " إِنَّ فِي الْجَنَّة لَشَجَرَة يَسِير الرَّاكِب فِي ظِلّهَا مِائَة عَام لَا يَقْطَعهَا , شَجَرَة الْخُلْد " .
مشاركة الموضوع