تفسير القرطبي

سورة النساء الآية ٥٦

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًۭا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًۭا ﴿٥٦﴾
قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الْإِصْلَاء أَوَّل السُّورَة . وَقَرَأَ حُمَيْد بْن قَيْس " نَصْلِيهِمْ " بِفَتْحِ النُّون أَيْ نَشْوِيهِمْ . يُقَال : شَاة مَصْلِيَّة . وَنَصْب " نَارًا " عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة بِنَزْعِ الْخَافِض تَقْدِيره بِنَارٍ .



يُقَال : نَضِجَ الشَّيْء نَضْجًا وَنُضْجًا , وَفُلَان نَضِيج الرَّأْي مُحْكَمُهُ . وَالْمَعْنَى فِي الْآيَة : تُبَدَّل الْجُلُود جُلُودًا أُخَر . فَإِنْ قَالَ مَنْ يَطْعَن فِي الْقُرْآن مِنْ الزَّنَادِقَة : كَيْفَ جَازَ أَنْ يُعَذِّبَ جِلْدًا لَمْ يَعْصِهِ ؟ قِيلَ لَهُ : لَيْسَ الْجِلْد بِمُعَذَّبٍ وَلَا مُعَاقَبٍ , وَإِنَّمَا الْأَلَم وَاقِع عَلَى النُّفُوس ; لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تُحِسُّ وَتَعْرِفُ فَتَبْدِيل الْجُلُود زِيَادَة فِي عَذَاب النُّفُوس . يَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى : " لِيَذُوقُوا الْعَذَاب " وَقَوْله تَعَالَى : " كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا " [ الْإِسْرَاء : 97 ] . فَالْمَقْصُود تَعْذِيب الْأَبْدَانِ وَإِيلَام الْأَرْوَاح . وَلَوْ أَرَادَ الْجُلُود لَقَالَ : لِيَذُقْنَ الْعَذَاب . مُقَاتِل : تَأْكُلُهُ النَّار كُلّ يَوْم سَبْع مَرَّات . الْحَسَن : سَبْعِينَ أَلْف مَرَّة كُلَّمَا أَكَلَتْهُمْ قِيلَ لَهُمْ : عُودُوا فَعَادُوا كَمَا كَانُوا . اِبْن عُمَر : إِذَا اِحْتَرَقُوا بُدِّلَتْ لَهُمْ جُلُود بِيض كَالْقَرَاطِيسِ . وَقِيلَ : عَنَى بِالْجُلُودِ السَّرَابِيل ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَاد سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَان " [ إِبْرَاهِيم : 49 - 50 ] سُمِّيَتْ جُلُودًا لِلُزُومِهَا جُلُودَهُمْ عَلَى الْمُجَاوَرَة ; كَمَا يُقَال لِلشَّيْءِ الْخَاصّ بِالْإِنْسَانِ : هُوَ جِلْدَة مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ . وَأَنْشَدَ اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : ش يَلُومُونَنِي فِي سَالِمٍ وَأَلُومُهُمْ و وَجِلْدَةُ بَيْنَ الْعَيْنِ وَالْأَنْفِ سَالِمُ ش فَكُلَّمَا اِحْتَرَقَتْ السَّرَابِيل أُعِيدَتْ . قَالَ الشَّاعِر : كَسَا اللُّؤْمُ تَيْمًا خُضْرَةً فِي جُلُودِهَا فَوَيْلٌ لِتَيْمٍ مِنْ سَرَابِيلهَا الْخُضْر فَكَنَّى عَنْ الْجُلُود بِالسَّرَابِيلِ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَعَدْنَا الْجِلْد الْأَوَّل جَدِيدًا ; كَمَا تَقُول لِلصَّائِغِ : صُغْ لِي مِنْ هَذَا الْخَاتَم خَاتَمًا غَيْرَهُ ; فَيَكْسِرهُ وَيَصُوغ لَك مِنْهُ خَاتَمًا . فَالْخَاتَم الْمَصُوغ هُوَ الْأَوَّل إِلَّا أَنَّ الصِّيَاغَة تَغَيَّرَتْ وَالْفِضَّة وَاحِدَة . وَهَذَا كَالنَّفْسِ إِذَا صَارَتْ تُرَابًا وَصَارَتْ لَا شَيْء ثُمَّ أَحْيَاهَا اللَّه تَعَالَى . وَكَعَهْدِك بِأَخٍ لَك صَحِيح ثُمَّ تَرَاهُ بَعْد ذَلِكَ سَقِيمًا مُدْنِفًا فَتَقُول لَهُ : كَيْفَ أَنْتَ ؟ فَيَقُول : أَنَا غَيْر الَّذِي عَهِدْت . فَهُوَ هُوَ , وَلَكِنَّ حَاله تَغَيَّرَتْ . فَقَوْل الْقَائِل : أَنَا غَيْر الَّذِي عَهِدْت , وَقَوْله تَعَالَى : " غَيْرهَا " مَجَاز . وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى : " يَوْم تُبَدَّل الْأَرْض غَيْر الْأَرْض " [ إِبْرَاهِيم : 48 ] وَهِيَ تِلْكَ الْأَرْض بِعَيْنِهَا إِلَّا أَنَّهَا تُغَيَّر آكَامُهَا وَجِبَالهَا وَأَنْهَارهَا وَأَشْجَارهَا , وَيُزَاد فِي سَعَتِهَا وَيُسَوَّى ذَلِكَ مِنْهَا ; عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي سُورَة " إِبْرَاهِيم " عَلَيْهِ السَّلَام . وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْل الشَّاعِر : فَمَا النَّاسُ بِالنَّاسِ الَّذِينَ عَهِدْتهمْ وَلَا الدَّار بِالدَّارِ الَّتِي كُنْت أَعْرِفُ وَقَالَ الشَّعْبِيّ : جَاءَ رَجُل إِلَى اِبْن عَبَّاس فَقَالَ : أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَة . ذَمَّتْ دَهْرهَا , وَأَنْشَدَتْ بَيْتَيْ لَبِيد : ذَهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ فِي أَكْنَافِهِمْ وَبَقِيت فِي خَلَفٍ كَجِلْدِ الْأَجْرَبِ يَتَلَذَّذُونَ مَجَانَةً وَمَذَلَّةً وَيُعَاب قَائِلُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَشْغَبِ فَقَالَتْ : رَحِمَ اللَّه لَبِيدًا فَكَيْفَ لَوْ أَدْرَكَ زَمَانَنَا هَذَا ! فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : لَئِنْ ذَمَّتْ عَائِشَة دَهْرهَا لَقَدْ ذَمَّتْ " عَادٌ " دَهْرَهَا ; لِأَنَّهُ وَجَدَ فِي خِزَانَة " عَاد " بَعْدَمَا هَلَكُوا بِزَمَنٍ طَوِيل سَهْم كَأَطْوَل مَا يَكُون مِنْ رِمَاح ذَلِكَ الزَّمَن عَلَيْهِ مَكْتُوب : بِلَاد بِهَا كُنَّا وَنَحْنُ بِأَهْلِهَا إِذْ النَّاسُ نَاسٌ وَالْبِلَادُ بِلَادُ الْبِلَاد بَاقِيَة كَمَا هِيَ إِلَّا أَنَّ أَحْوَالهَا وَأَحْوَال أَهْلهَا تَنَكَّرَتْ وَتَغَيَّرَتْ .



أَيْ لَا يُعْجِزهُ شَيْء وَلَا يَفُوتهُ .



فِي إِيعَاده عِبَاده .
ولهذا قال: " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا " أي: عظيمة الوقود, شديدة الحرارة.
" كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ " أي: احترقت " بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ " أي: ليبلغ العذاب منهم كل مبلغ.
ولما تكرر منهم الكفر والعناد, وصار وصفا لهم وسجية; كرر, عليهم العذاب جزاء وفاقا.
ولهذا قال: " إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا " أي: له العزة العظيمة, والحكمة في خلقه وأمره, وثوابه وعقابه.
إن الذين جحدوا ما أنزل الله من آياته ووحي كتابه ودلائله وحججه، سوف ندخلهم نارًا يقاسون حرَّها، كلما احترقت جلودهم بدَّلْناهم جلودًا أخرى؛ ليستمر عذابهم وألمهم. إن الله تعالى كان عزيزًا لا يمتنع عليه شيء، حكيمًا في تدبيره وقضائه.
"إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْف نُصْلِيهِمْ" نُدْخِلهُمْ "نَارًا" يَحْتَرِقُونَ فِيهَا "كُلَّمَا نَضِجَتْ" احْتَرَقَتْ "جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرهَا" بِأَنْ تُعَاد إلَى حَالهَا الْأَوَّل غَيْر مُحْتَرِقَة "لِيَذُوقُوا الْعَذَاب" لِيُقَاسُوا شِدَّته "إنَّ اللَّه كَانَ عَزِيزًا" لَا يُعْجِزهُ شَيْء "حَكِيمًا" فِي خَلْقه
يُخْبِر تَعَالَى عَمَّا يُعَاقِب بِهِ فِي نَار جَهَنَّم مَنْ كَفَرَ بِآيَاتِهِ وَصَدَّ عَنْ رُسُله فَقَالَ " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا" الْآيَة أَيْ نُدْخِلهُمْ فِيهَا دُخُولًا يُحِيط بِجَمِيعِ أَجْرَامهمْ وَأَجْزَائِهِمْ . ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ دَوَام عُقُوبَتهمْ وَنَكَالهمْ فَقَالَ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَاب قَالَ الْأَعْمَش عَنْ اِبْن عُمَر : إِذَا " اِحْتَرَقَتْ جُلُودهمْ بُدِّلُوا جُلُودًا غَيْرهَا بَيْضَاء أَمْثَال الْقَرَاطِيس " رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم وَقَالَ يَحْيَى بْن يَزِيد الْحَضْرَمِيّ إِنَّهُ بَلَغَهُ فِي الْآيَة قَالَ : يُجْعَل لِلْكَافِرِ مِائَة جِلْد بَيْن كُلّ جِلْدَيْنِ لَوْن مِنْ الْعَذَاب رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن مُحَمَّد الطَّنَافِسِيّ حَدَّثَنَا حُسَيْن الْجُعْفِيّ عَنْ زَائِدَة عَنْ هِشَام عَنْ الْحَسَن قَوْله " كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ " الْآيَة قَالَ : تُنْضِجهُمْ فِي الْيَوْم سَبْعِينَ أَلْف مَرَّة . قَالَ حُسَيْن : وَزَادَ فِيهِ فُضَيْل عَنْ هِشَام عَنْ الْحَسَن كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ قِيلَ لَهُمْ : عُودُوا فَعَادُوا . وَقَالَ أَيْضًا ذُكِرَ عَنْ هِشَام بْن عَمَّار حَدَّثَنَا سَعِيد بْن يَحْيَى " يَعْنِي السَّعْدَانِيّ " حَدَّثَنَا نَافِع مَوْلَى يُوسُف السُّلَمِيّ الْبَصْرِيّ عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : قَرَأَ رَجُل عِنْد عُمَر هَذِهِ الْآيَة " كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرهَا " فَقَالَ عُمَر : أَعِدْهَا عَلَيَّ فَأَعَادَهَا فَقَالَ مُعَاذ بْن جَبَل : عِنْدِي تَفْسِيرهَا تُبَدَّل فِي سَاعَة مِائَة مَرَّة . فَقَالَ عُمَر : هَكَذَا سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم عَنْ عَبْدَان بْن مُحَمَّد الْمَرْوَزِيّ عَنْ هِشَام بْن عَمَّار بِهِ وَرَوَاهُ مِنْ وَجْه آخَر بِلَفْظٍ آخَر فَقَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ عِمْرَان حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن الْحَارِث حَدَّثَنَا شَيْبَان بْن فَرُّوخ حَدَّثَنَا نَافِع أَبُو هُرْمُز حَدَّثَنَا نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : تَلَا رَجُل عِنْد عُمَر هَذِهِ الْآيَة " كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ " الْآيَة قَالَ فَقَالَ عُمَر : أَعِدْهَا عَلَيَّ وَثَمَّ كَعْب فَقَالَ : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أَنَا عِنْدِي تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة قَرَأْتهَا قَبْل الْإِسْلَام قَالَ فَقَالَ : هَاتِهَا يَا كَعْب فَإِنْ جِئْت بِهَا كَمَا سَمِعْت مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَّقْنَاك وَإِلَّا لَمْ نَنْظُر إِلَيْهَا فَقَالَ : إِنِّي قَرَأْتهَا قَبْل الْإِسْلَام كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرهَا فِي السَّاعَة الْوَاحِدَة عِشْرِينَ وَمِائَة مَرَّة . فَقَالَ عُمَر : هَكَذَا سَمِعْت مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ الرَّبِيع بْن أَنَس : مَكْتُوب فِي الْكِتَاب الْأَوَّل أَنَّ جِلْد أَحَدهمْ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا وَسِنّه سَبْعُونَ ذِرَاعًا وَبَطْنه لَوْ وُضِعَ فِيهِ جَبَل لَوَسِعَهُ فَإِذَا أَكَلَتْ النَّار جُلُودهمْ بُدِّلُوا جُلُودًا غَيْرهَا . وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيث مَا هُوَ أَبْلَغ مِنْ هَذَا فَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا وَكِيع حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الطَّوِيل عَنْ أَبِي يَحْيَى الْقَتَّات عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " يَعْظُم أَهْل النَّار فِي النَّار حَتَّى إِنَّ بَيْن شَحْمَة أُذُن أَحَدهمْ إِلَى عَاتِقه مَسِيرَة سَبْعمِائَةِ عَام وَإِنَّ غِلَظ جِلْده سَبْعُونَ ذِرَاعًا وَإِنَّ ضِرْسه مِثْل أُحُد " تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَد مِنْ هَذَا الْوَجْه وَقِيلَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ " كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ " أَيْ سَرَابِيلهمْ . حَكَاهُ اِبْن جَرِير وَهُوَ ضَعِيف لِأَنَّهُ خِلَاف الظَّاهِر .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا } هَذَا وَعِيد مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلَّذِينَ أَقَامُوا عَلَى تَكْذِيبهمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَى مُحَمَّد مِنْ يَهُود بَنِي إِسْرَائِيل وَغَيْرهمْ مِنْ سَائِر الْكُفَّار بِرَسُولِهِ . يَقُول اللَّه لَهُمْ : إِنَّ الَّذِينَ جَحَدُوا مَا أَنْزَلْت عَلَى رَسُولِي مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ آيَاتِي , يَعْنِي مِنْ آيَات تَنْزِيله وَوَحْي كِتَابه , وَهِيَ دَلَالَاته وَحُجَجه عَلَى صِدْق مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمْ يُصَدِّقُوا بِهِ مِنْ يَهُود بَنِي إِسْرَائِيل وَغَيْرهمْ مِنْ سَائِر أَهْل الْكُفْر بِهِ ; { سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا } يَقُول : سَوْفَ نُنْضِجهُمْ فِي نَار يَصْلَوْنَ فِيهَا : أَيْ يُشْوَوْنَ فِيهَا .

{ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ } يَقُول : كُلَّمَا اِنْشَوَتْ بِهَا جُلُودهمْ فَاحْتَرَقَتْ , { بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرهَا } يَعْنِي : غَيْر الْجُلُود الَّتِي قَدْ نَضِجَتْ فَانْشَوَتْ . كَمَا : 7772 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ ثُوَيْر , عَنْ اِبْن عُمَر : { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرهَا } قَالَ : إِذَا اِحْتَرَقَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا بِيضًا أَمْثَال الْقَرَاطِيس . 7773 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرهَا } يَقُول : كُلَّمَا اِحْتَرَقَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرهَا . 7774 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , فِي قَوْله : { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ } قَالَ : سَمِعْنَا أَنَّهُ مَكْتُوب فِي الْكِتَاب الْأَوَّل أَنَّ جِلْد أَحَدهمْ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا , وَسِنّه سَبْعُونَ ذِرَاعًا , وَبَطْنه لَوْ وُضِعَ فِيهِ جَبَل لَوَسِعَهُ , فَإِذَا أَكَلَتْ النَّار جُلُودهمْ بُدِّلُوا جُلُودًا غَيْرهَا . 7775 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك , قَالَ : بَلَغَنِي عَنْ الْحَسَن : { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرهَا } قَالَ : نُنْضِجهُمْ فِي الْيَوْم سَبْعِينَ أَلْف مَرَّة . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَبُو عُبَيْدَة الْحَدَّاد , عَنْ هِشَام بْن حَسَّان , عَنْ الْحَسَن , قَوْله : { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرهَا } قَالَ : تُنْضِج النَّار كُلّ يَوْم سَبْعِينَ أَلْف جِلْد , وَغِلَظ جِلْد الْكَافِر أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا , وَاَللَّه أَعْلَم بِأَيِّ ذِرَاع . فَإِنْ سَأَلَ سَائِل , فَقَالَ : وَمَا مَعْنَى قَوْله جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرهَا } ؟ وَهَلْ يَجُوز أَنْ يُبَدَّلُوا جُلُودًا غَيْر جُلُودهمْ الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا , فَيُعَذَّبُوا فِيهَا ؟ فَإِنْ جَازَ ذَلِكَ عِنْدك , فَأَجِزْ أَنْ يُبَدَّلُوا أَجْسَامًا وَأَرْوَاحًا غَيْر أَجْسَامهمْ وَأَرْوَاحهمْ الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا فَتُعَذَّب ! وَإِنْ أَجَزْت ذَلِكَ , لَزِمَك أَنْ يَكُون الْمُعَذَّبُونَ فِي الْآخِرَة بِالنَّارِ غَيْر الَّذِينَ أَوْعَدَهُمْ اللَّه الْعِقَاب عَلَى كُفْرهمْ بِهِ وَمَعْصِيَتهمْ إِيَّاهُ , وَأَنْ يَكُون الْكُفَّار قَدْ اِرْتَفَعَ عَنْهُمْ الْعَذَاب ! قِيلَ : إِنَّ النَّاس اِخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : الْعَذَاب إِنَّمَا يَصِل إِلَى الْإِنْسَان الَّذِي هُوَ غَيْر الْجِلْد وَاللَّحْم , وَإِنَّمَا يُحْرَق الْجِلْد لِيَصِل إِلَى الْإِنْسَان أَلَم الْعَذَاب , وَأَمَّا الْجِلْد وَاللَّحْم فَلَا يَأْلَمَانِ . قَالُوا : فَسَوَاء أُعِيدَ عَلَى الْكَافِر جِلْده الَّذِي كَانَ لَهُ فِي الدُّنْيَا , أَوْ جِلْد غَيْره , إِذْ كَانَتْ الْجُلُود غَيْر آلِمَة وَلَا مُعَذَّبَة , وَإِنَّمَا الْآلِمَة الْمُعَذَّبَة النَّفْس الَّتِي تَحُسّ الْأَلَم , وَيَصِل إِلَيْهَا الْوَجَع . قَالُوا : وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَغَيْر مُسْتَحِيل أَنْ يُخْلَق لِكُلِّ كَافِر فِي النَّار فِي كُلّ لَحْظَة وَسَاعَة مِنْ الْجُلُود مَا لَا يُحْصَى عَدَده , وَيُحْرَق ذَلِكَ عَلَيْهِ , لِيَصِل إِلَى نَفْسه أَلَم الْعَذَاب , إِذْ كَانَتْ الْجُلُود لَا تَأَلَّم . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الْجُلُود تَأَلَّم , وَاللَّحْم وَسَائِر أَجْزَاء جِرْم بَنِي آدَم , وَإِذَا أُحْرِقَ جِلْده أَوْ غَيْره مِنْ أَجْزَاء جَسَده , وَصَلَ أَلَم ذَلِكَ إِلَى جَمِيعه . قَالُوا : وَمَعْنَى قَوْله : { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرهَا } بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْر مُحْتَرِقَة , وَذَلِكَ أَنَّهَا تُعَاد جَدِيدَة , وَالْأُولَى كَانَتْ قَدْ اِحْتَرَقَتْ فَأُعِيدَتْ غَيْر مُحْتَرِقَة , فَلِذَلِكَ قِيلَ غَيْرهَا , لِأَنَّهَا غَيْر الْجُلُود الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا الَّتِي عَصَوْا اللَّه وَهِيَ لَهُمْ . قَالُوا : وَذَلِكَ نَظِير قَوْل الْعَرَب لِلصَّائِغِ إِذَا اسْتَصَاغَتْهُ خَاتَمًا مِنْ خَاتَم مَصُوغ , بِتَحْوِيلِهِ عَنْ صِيَاغَته الَّتِي هُوَ بِهَا إِلَى صِيَاغَة أُخْرَى : صُغْ لِي مِنْ هَذَا الْخَاتَم خَاتَمًا غَيْره ! فَيَكْسِرهُ وَيَصُوغ لَهُ مِنْهُ خَاتَمًا غَيْره وَالْخَاتَم الْمَصُوغ بِالصِّيَاغَةِ الثَّانِيَة هُوَ الْأَوَّل , وَلَكِنَّهُ لَمَّا أُعِيدَ بَعْد كَسْره خَاتَمًا قِيلَ هُوَ غَيْره . قَالُوا : فَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْله : { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرهَا } لَمَّا اِحْتَرَقَتْ الْجُلُود ثُمَّ أُعِيدَتْ جَدِيدَة بَعْد الِاحْتِرَاق , قِيلَ هِيَ غَيْرهَا عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودهمْ } سَرَابِيلهمْ , بَدَّلْنَاهُمْ سَرَابِيل مِنْ قَطِرَان غَيْرهَا . فَجُعِلَتْ السَّرَابِيل الْقَطِرَان لَهُمْ جُلُودًا , كَمَا يُقَال لِلشَّيْءِ الْخَاصّ بِالْإِنْسَانِ : هُوَ جِلْدَة مَا بَيْن عَيْنَيْهِ وَوَجْهه لِخُصُوصِهِ بِهِ . قَالُوا : فَكَذَلِكَ سَرَابِيل الْقَطِرَان الَّتِي قَالَ اللَّه فِي كِتَابه : { سَرَابِيلهمْ مِنْ قَطِرَان وَتَغْشَى وُجُوههمْ النَّار } لَمَّا صَارَتْ لَهُمْ لِبَاسًا لَا تُفَارِق أَجْسَامهمْ جُعِلَتْ لَهُمْ جُلُودًا , فَقِيلَ : كُلَّمَا اِشْتَعَلَ الْقَطِرَان فِي أَجْسَامهمْ وَاحْتَرَقَ بُدِّلُوا سَرَابِيل مِنْ قَطِرَان آخَر . قَالُوا : وَأَمَّا جُلُود أَهْل الْكُفْر مِنْ أَهْل النَّار فَإِنَّهَا لَا تُحْرَق , لِأَنَّ فِي اِحْتِرَاقهَا إِلَى حَال إِعَادَتهَا فَنَاءَهَا , وَفِي فَنَائِهَا رَاحَتهَا . قَالُوا : وَقَدْ أَخْبَرَنَا اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْهَا أَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ وَلَا يُخَفَّف عَنْهُمْ مِنْ عَذَابهَا . قَالُوا : وَجُلُود الْكُفَّار أَحَد أَجْزَاء أَجْسَامهمْ , وَلَوْ جَازَ أَنْ يَحْتَرِق مِنْهَا شَيْء فَيَفْنَى ثُمَّ يُعَاد بَعْد الْفَنَاء فِي النَّار , جَازَ ذَلِكَ فِي جَمِيع أَجْزَائِهَا , وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَكُون جَائِزًا عَلَيْهِمْ الْفَنَاء ثُمَّ الْإِعَادَة وَالْمَوْت ثُمَّ الْإِحْيَاء , وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ . قَالُوا : وَفِي خَبَره عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ دَلِيل وَاضِح أَنَّهُ لَا يَمُوت شَيْء مِنْ أَجْزَاء أَجْسَامهمْ , وَالْجُلُود أَحَد تِلْكَ الْأَجْزَاء .

وَأَمَّا مَعْنَى قَوْله : { لِيَذُوقُوا الْعَذَاب } فَإِنَّهُ يَقُول : فَعَلْنَا ذَلِكَ بِهِمْ لِيَجِدُوا أَلَم الْعَذَاب وَكَرْبه وَشِدَّته بِمَا كَانُوا فِي الدُّنْيَا يُكَذِّبُونَ آيَات اللَّه وَيَجْحَدُونَهَا .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ اللَّه كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا } يَقُول : إِنَّ اللَّه لَمْ يَزَلْ عَزِيزًا فِي اِنْتِقَامه مِمَّنْ اِنْتَقَمَ مِنْهُ مِنْ خَلْقه , لَا يَقْدِر عَلَى الِامْتِنَاع مِنْهُ أَحَد أَرَادَهُ بِضُرٍّ , وَلَا الِانْتِصَار مِنْهُ أَحَد أَحَلَّ بِهِ عُقُوبَة , حَكِيمًا فِي تَدْبِيره وَقَضَائِهِ.
مشاركة الموضوع