تفسير القرطبي

سورة النساء الآية ١٦٨

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَظَلَمُوا۟ لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا ﴿١٦٨﴾
يَعْنِي الْيَهُود ; أَيْ ظَلَمُوا مُحَمَّدًا بِكِتْمَانِ نَعْتِهِ , وَأَنْفُسَهُمْ إِذْ كَفَرُوا , وَالنَّاس إِذْ كَتَمُوهُمْ .



هَذَا فِيمَنْ يَمُوت عَلَى كُفْره وَلَمْ يَتُبْ .
" إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا " وهذا الظلم هو زيادة على كفرهم, وإلا فالكفر - عند إطلاق الظلم - يدخل فيه.
والمراد بالظلم هنا, أعمال الكفر والاستغراق فيه.
فهؤلاء بعيدون من المغفرة, والهداية للصراط المستقيم.
ولهذا قال: " لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ " .
وإنما تعذرت المغفرة لهم والهداية, لأنهم استمروا في طغيانهم, وازدادوا في كفرهم, فطبع على قلوبهم, وانسدت عليهم طرق الهداية, بما كسبوا.
" وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ " .
إن الذين كفروا بالله وبرسوله، وظلموا باستمرارهم على الكفر، لم يكن الله ليغفر ذنوبهم، ولا ليدلهم على طريق ينجيهم.
"إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا" بِاَللَّهِ "وَظَلَمُوا" نَبِيّه بِكِتْمَانِ نَعْته "لَمْ يَكُنْ اللَّه لِيَغْفِر لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا" مِنْ الطُّرُق
" وَلَا يَهْدِيهِمْ طَرِيقًا " أَيْ سَبِيلًا إِلَى الْخَيْر .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنْ اللَّه لِيَغْفِر لَهُمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِنَّ الَّذِينَ جَحَدُوا رِسَالَة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَفَرُوا بِاَللَّهِ بِجُحُودِ ذَلِكَ وَظَلَمُوا بِمُقَامِهِمْ عَلَى الْكُفْر , عَلَى عِلْم مِنْهُمْ بِظُلْمِهِمْ عِبَاد اللَّه , وَحَسَدًا لِلْعَرَبِ , وَبَغْيًا عَلَى رَسُوله مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , { لَمْ يَكُنْ اللَّه لِيَغْفِر لَهُمْ } يَعْنِي : لَمْ يَكُنْ اللَّه لِيَعْفُوَ عَنْ ذُنُوبهمْ بِتَرْكِهِ عُقُوبَتهمْ عَلَيْهَا , وَلَكِنَّهُ يَفْضَحهُمْ بِهَا بِعُقُوبَتِهِ إِيَّاهُمْ عَلَيْهَا .

{ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا } يَقُول : وَلَمْ يَكُنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لِيَهْدِيَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا , الَّذِينَ وَصَفْنَا صِفَتهمْ , فَيُوَفِّقهُمْ لِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُق الَّتِي يَنَالُونَ بِهَا ثَوَاب اللَّه , وَيَصِلُونَ بِلُزُومِهِمْ إِيَّاهُ إِلَى الْجَنَّة , وَلَكِنَّهُ يَخْذُلهُمْ عَنْ ذَلِكَ , حَتَّى يَسْلُكُوا طَرِيق جَهَنَّم .
مشاركة الموضوع