تفسير القرطبي

سورة الزمر الآية ٦١

وَيُنَجِّى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٦١﴾
وَقُرِئَ : " وَيُنْجَى " أَيْ مِنْ الشِّرْك وَالْمَعَاصِي . " بِمَفَازَتِهِمْ " عَلَى التَّوْحِيد قِرَاءَة الْعَامَّة لِأَنَّهَا مَصْدَر . وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ : " بِمَفَازَاتِهِمْ " وَهُوَ جَائِز كَمَا تَقُول بِسَعَادَاتِهِمْ . وَعَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : ( يَحْشُر اللَّه مَعَ كُلّ اِمْرِئٍ عَمَلَهُ فَيَكُون عَمَل الْمُؤْمِن مَعَهُ فِي أَحْسَن صُورَة وَأَطْيَب رِيح فَكُلَّمَا كَانَ رُعْب أَوْ خَوْف قَالَ لَهُ لَا تُرَعْ فَمَا أَنْتَ بِالْمُرَادِ بِهِ وَلَا أَنْتَ بِالْمَعْنِيِّ بِهِ فَإِذَا كَثُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ قَالَ فَمَا أَحْسَنَك فَمَنْ أَنْتَ فَيَقُول أَمَا تَعْرِفُنِي أَنَا عَمَلُك الصَّالِح حَمَلْتنِي عَلَى ثِقَلِي فَوَاَللَّهِ لَأَحْمِلَنَّكَ وَلَأَدْفَعَنَّ عَنْك فَهِيَ الَّتِي قَالَ اللَّه : " وَيُنَجِّي اللَّه الَّذِينَ اِتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسّهُمْ السُّوء وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ " .
وينجي الله من جهنم وعذابها الذين اتقوا ربهم بأداء فرائضه واجتناب نواهيه بفوزهم وتحقق أمنيتهم, وهي الظفر بالجنة, لا يمسهم من عذاب جهنم شيء, ولا هم يحزنون على ما فاتهم من حظوظ الدنيا.
وينجي الله من جهنم وعذابها الذين اتقوا ربهم بأداء فرائضه واجتناب نواهيه بفوزهم وتحقق أمنيتهم، وهي الظَّفَر بالجنة، لا يمسهم من عذاب جهنم شيء، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من حظوظ الدنيا.
"وَيُنَجِّي اللَّه" مِنْ جَهَنَّم "الَّذِينَ اتَّقَوْا" الشِّرْك "بِمَفَازَتِهِمْ" أَيْ بِمَكَانِ فَوْزهمْ مِنْ الْجَنَّة بِأَنْ يُجْعَلُوا فِيهِ
وَقَوْله تَبَارَكَ وَتَعَالَى " وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اِتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ " أَيْ بِمَا سَبَقَ لَهُمْ مِنْ السَّعَادَة وَالْفَوْز عِنْد اللَّه " لَا يَمَسّهُمْ السُّوء " أَيْ يَوْم الْقِيَامَة " وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ " أَيْ وَلَا يَحْزُنُهُمْ الْفَزَع الْأَكْبَر بَلْ هُمْ آمِنُونَ مِنْ كُلّ فَزَعٍ مُزَحْزَحُونَ عَنْ كُلّ شَرّ نَائِلُونَ كُلّ خَيْر .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيُنَجِّي اللَّه الَّذِينَ اِتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَيُنَجِّي اللَّه مِنْ جَهَنَّم وَعَذَابهَا , الَّذِينَ اِتَّقَوْهُ بِأَدَاءِ فَرَائِضه , وَاجْتِنَاب مَعَاصِيه فِي الدُّنْيَا , بِمَفَازَتِهِمْ : يَعْنِي بِفَوْزِهِمْ , وَهِيَ مَفْعَلَة مِنْهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل , وَإِنْ خَالَفَتْ أَلْفَاظ بَعْضهمْ اللَّفْظَة الَّتِي قُلْنَاهَا فِي ذَلِكَ ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23271 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , فِي قَوْله : { وَيُنَجِّي اللَّه الَّذِينَ اِتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ } قَالَ : بِفَضَائِلِهِمْ . 23272 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَيُنَجِّي اللَّه الَّذِينَ اِتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ } قَالَ : بِأَعْمَالِهِمْ , قَالَ : وَالْآخَرُونَ يَحْمِلُونَ أَوْزَارهمْ يَوْم الْقِيَامَة { وَمِنْ أَوْزَار الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْم أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ } 16 25 وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة , وَبَعْض قُرَّاء مَكَّة وَالْبَصْرَة : { بِمَفَازَتِهِمْ } عَلَى التَّوْحِيد . وَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة : " بِمَفَازَاتِهِمْ " عَلَى الْجِمَاع . وَالصَّوَاب عِنْدِي مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ , قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا عُلَمَاء مِنْ الْقُرَّاء فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب , لِاتِّفَاقِ مَعْنَيَيْهِمَا ; وَالْعَرَب تُوَحِّد مِثْل ذَلِكَ أَحْيَانًا وَتَجْمَع بِمَعْنًى وَاحِد , فَيَقُول أَحَدهمْ : سَمِعْت صَوْت الْقَوْم , وَسَمِعْت أَصْوَاتهمْ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَات لَصَوْت الْحَمِير } 31 19 , وَلَمْ يَقُلْ : أَصْوَات الْحَمِير , وَلَوْ جَاءَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ صَوَابًا .

وَقَوْله : { لَا يَمَسّهُمْ السُّوء وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَا يَمَسّ الْمُتَّقِينَ مِنْ أَذَى جَهَنَّم شَيْء , وَهُوَ السُّوء الَّذِي أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ لَنْ يَمَسّهُمْ , وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ; يَقُول : وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنْ آرَاب الدُّنْيَا , إِذْ صَارُوا إِلَى كَرَامَة اللَّه وَنَعِيم الْجِنَان.
مشاركة الموضوع