الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { اللَّه نَزَّلَ أَحْسَن الْحَدِيث كِتَابًا مُتَشَابِهًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { اللَّه نَزَّلَ أَحْسَن الْحَدِيث كِتَابًا } يَعْنِي بِهِ الْقُرْآن { مُتَشَابِهًا } يَقُول : يُشْبِه بَعْضه بَعْضًا , لَا اِخْتِلَاف فِيهِ , وَلَا تَضَادَّ , كَمَا : 23186 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { اللَّه نَزَّلَ أَحْسَن الْحَدِيث كِتَابًا مُتَشَابِهًا } الْآيَة تُشْبِه الْآيَة , وَالْحَرْف يُشْبِه الْحَرْف. 23187 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { كِتَابًا مُتَشَابِهًا } قَالَ : الْمُتَشَابِه : يُشْبِه بَعْضه بَعْضًا . 23188 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ يَعْقُوب , عَنْ جَعْفَر , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , فِي قَوْله : { كِتَابًا مُتَشَابِهًا } قَالَ : يُشْبِه بَعْضه بَعْضًا , وَيُصَدِّق بَعْضه بَعْضًا , وَيَدُلّ بَعْضه عَلَى بَعْض .
وَقَوْله : { مَثَانِي } يَقُول : تُثْنَى فِيهِ الْأَنْبَاء وَالْأَخْبَار وَالْقَضَاء وَالْأَحْكَام وَالْحُجَج . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23189- حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ أَبِي رَجَاء , عَنْ الْحَسَن , فِي قَوْله : { اللَّه نَزَّلَ أَحْسَن الْحَدِيث كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِي } قَالَ : ثنى اللَّه فِيهِ الْقَضَاء , تَكُون السُّورَة فِيهَا الْآيَة فِي سُورَة أُخْرَى آيَة تُشْبِههَا , وَسُئِلَ عَنْهَا عِكْرِمَة . 23190 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِي } قَالَ : فِي الْقُرْآن كُلّه . 23191 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { مَثَانِي } قَالَ : ثنى اللَّه فِيهِ الْفَرَائِض , وَالْقَضَاء , وَالْحُدُود . 23192 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { مَثَانِي } قَالَ : كِتَاب اللَّه مَثَانِي , ثنى فِيهِ الْأَمْر مِرَارًا . 23193 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , فِي قَوْله : { مَثَانِي } قَالَ : كِتَاب اللَّه مَثَانِي , ثنى فِيهِ الْأَمْر مِرَارًا . * حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , فِي قَوْله : { مَثَانِي } ثنى فِي غَيْر مَكَان. 23194 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { مَثَانِي } مُرَدَّد , رَدَّدَ مُوسَى فِي الْقُرْآن وَصَالِح وَهُود وَالْأَنْبِيَاء فِي أَمْكِنَة كَثِيرَة .
وَقَوْله : { تَقْشَعِرّ مِنْهُ جُلُود الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبّهمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : تَقْشَعِرّ مِنْهُ سَمَاعه إِذَا تُلِيَ عَلَيْهِمْ جُلُود الَّذِينَ يَخَافُونَ رَبّهمْ { ثُمَّ تَلِينَ جُلُودهمْ وَقُلُوبهمْ إِلَى ذِكْر اللَّه } يَعْنِي إِلَى الْعَمَل بِمَا فِي كِتَاب اللَّه , وَالتَّصْدِيق بِهِ. وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَجْل أَنَّ أَصْحَابه سَأَلُوهُ الْحَدِيث . ذِكْر الرِّوَايَة بِذَلِكَ : 23195- حَدَّثَنَا نَصْر بْن عَبْد الرَّحْمَن الْأَوْدِيّ , قَالَ : ثنا حَكَّام بْن سَلْم , عَنْ أَيُّوب بْن مُوسَى , عَنْ عَمْرو الْمَلَئِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه لَوْ حَدَّثْتنَا ؟ قَالَ : فَنَزَلَتْ : { اللَّه نَزَّلَ أَحْسَن الْحَدِيث } 23196 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ أَيُّوب بْن سَيَّار أَبِي عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ عَمْرو بْن قَيْس , قَالَ : قَالُوا : يَا نَبِيّ اللَّه , فَذَكَرَ مِثْله .
{ ذَلِكَ هُدَى اللَّه يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : هَذَا الَّذِي يُصِيب هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذِينَ وُصِفَتْ صِفَتهمْ عِنْد سَمَاعهمْ الْقُرْآن مِنْ اِقْشِعْرَار جُلُودهمْ , ثُمَّ لِينهَا وَلِين قُلُوبهمْ إِلَى ذِكْر اللَّه مِنْ بَعْد ذَلِكَ , { هُدَى اللَّه } يَعْنِي : تَوْفِيق اللَّه إِيَّاهُمْ وَفَّقَهُمْ لَهُ { يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء } يَقُول : يَهْدِي تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِالْقُرْآنِ مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَاده. وَقَدْ يَتَوَجَّه مَعْنَى قَوْله : { ذَلِكَ هُدَى } إِلَى أَنْ يَكُون ذَلِكَ مِنْ ذِكْر الْقُرْآن , فَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام : هَذَا الْقُرْآن بَيَان اللَّه يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء , يُوَفِّق لِلْإِيمَانِ بِهِ مَنْ يَشَاء .
وَقَوْله : { وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّه فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَنْ يَخْذُلهُ اللَّه عَنْ الْإِيمَان بِهَذَا الْقُرْآن وَالتَّصْدِيق بِمَا فِيهِ , فَيُضِلّهُ عَنْهُ , فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ; يَقُول : فَمَا لَهُ مِنْ مُوَفِّق لَهُ , وَمُسَدِّد يُسَدِّدهُ فِي اِتِّبَاعه .