تفسير القرطبي

سورة ص الآية ٤٤

وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًۭا فَٱضْرِب بِّهِۦ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَٰهُ صَابِرًۭا ۚ نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ ۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌۭ ﴿٤٤﴾
كَانَ أَيُّوب حَلَفَ فِي مَرَضه أَنْ يَضْرِب اِمْرَأَته مِائَة جَلْدَة ; وَفِي سَبَب ذَلِكَ أَرْبَعَة أَقْوَال : [ أَحَدهَا ] مَا حَكَاهُ اِبْن عَبَّاس أَنَّ إِبْلِيس لَقِيَهَا فِي صُورَة طَبِيب فَدَعَتْهُ لِمُدَاوَاةِ أَيُّوب , فَقَالَ أُدَاوِيه عَلَى أَنَّهُ إِذَا بَرِئَ قَالَ أَنْتَ شَفَيْتنِي , لَا أُرِيد جَزَاء سِوَاهُ . قَالَتْ : نَعَمْ فَأَشَارَتْ عَلَى أَيُّوب بِذَلِكَ فَحَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهَا . وَقَالَ : وَيْحَك ذَلِكَ الشَّيْطَانُ . [ الثَّانِي ] مَا حَكَاهُ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب , أَنَّهَا جَاءَتْهُ بِزِيَادَة عَلَى مَا كَانَتْ تَأْتِيه مِنْ الْخُبْز , فَخَافَ خِيَانَتهَا فَحَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهَا . [ الثَّالِث ] مَا حَكَاهُ يَحْيَى بْن سَلَّام وَغَيْره : أَنَّ الشَّيْطَان أَغْوَاهَا أَنْ تَحْمِل أَيُّوب عَلَى أَنْ يَذْبَح سَخْلَة تَقَرُّبًا إِلَيْهِ وَأَنَّهُ يَبْرَأ , فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَحَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهَا إِنْ عُوفِيَ مِائَةً . [ الرَّابِع ] قِيلَ : بَاعَتْ ذَوَائِبَهَا بِرَغِيفَيْنِ إِذْ لَمْ تَجِد شَيْئًا تَحْمِلُهُ إِلَى أَيُّوب , وَكَانَ أَيُّوب يَتَعَلَّق بِهَا إِذَا أَرَادَ الْقِيَام , فَلِهَذَا حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهَا , فَلَمَّا شَفَاهُ اللَّه أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذ ضِغْثًا فَيَضْرِب بِهِ , فَأَخَذَ شَمَارِيخ قَدْر مِائَة فَضَرَبَهَا ضَرْبَة وَاحِدَة . وَقِيلَ : الضِّغْث قَبْضَة حَشِيش مُخْتَلِطَة الرُّطَب بِالْيَابِسِ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : إِنَّهُ إِثْكَال النَّخْل الْجَامِع بِشَمَارِيخِهِ . تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَة جَوَاز ضَرْب الرَّجُل اِمْرَأَتَهُ تَأْدِيبًا . وَذَلِكَ أَنَّ اِمْرَأَة أَيُّوب أَخْطَأَتْ فَحَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهَا مِائَةً , فَأَمَرَهُ اللَّه تَعَالَى أَنْ يَضْرِبَهَا بِعُثْكُولٍ مِنْ عَثَاكِيل النَّخْل , وَهَذَا لَا يَجُوز فِي الْحُدُود . إِنَّمَا أَمَرَهُ اللَّه بِذَلِكَ لِئَلَّا يَضْرِب اِمْرَأَته فَوْق حَدّ الْأَدَب . وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَضْرِب اِمْرَأَته فَوْق حَدّ الْأَدَب ; وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْر مُبَرِّح ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي [ النِّسَاء ] بَيَانه . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي هَذَا الْحُكْم هَلْ هُوَ عَامّ أَوَخَاصّ بِأَيُّوبَ وَحْده , فَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِد أَنَّهُ عَامّ لِلنَّاسِ . ذَكَرَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ . وَحُكِيَ عَنْ الْقُشَيْرِيّ أَنَّ ذَلِكَ خَاصّ بِأَيُّوبَ . وَحَكَى الْمَهْدَوِيّ عَنْ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ حُكْم بَاقٍ , وَأَنَّهُ إِذَا ضَرَبَ بِمِائَةِ قَضِيب وَنَحْوه ضَرْبَة وَاحِدَة بَرَّ . وَرَوَى نَحْوه الشَّافِعِيّ . وَرَوَى نَحْوه عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُقْعَد الَّذِي حَمَلَتْ مِنْهُ الْوَلِيدَة , وَأَمَرَ أَنْ يُضْرَبَ بِعُثْكُولٍ فِيهِ مِائَة شِمْرَاخ ضَرْبَة وَاحِدَة . وَقَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَقِيلَ لِعَطَاءٍ هَلْ يُعْمَل بِهَذَا الْيَوْم ؟ فَقَالَ : مَا أُنْزِلَ الْقُرْآن إِلَّا لِيُعْمَلَ بِهِ وَيُتَّبَعَ . اِبْن الْعَرَبِيّ : وَرُوِيَ عَنْ عَطَاء أَنَّهَا لِأَيُّوب خَاصَّة . وَكَذَلِكَ رَوَى أَبُو زَيْد عَنْ اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك : مَنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْده مِائَة فَجَمَعَهَا فَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَة وَاحِدَة لَمْ يَبَرَّ . قَالَ بَعْض عُلَمَائِنَا : يُرِيد مَالِك قَوْله تَعَالَى : " لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا " [ الْمَائِدَة : 48 ] أَيْ إِنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخ بِشَرِيعَتِنَا . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَلِيّ أَنَّهُ جَلَدَ الْوَلِيد بْن عُقْبَة بِسَوْطٍ لَهُ طَرَفَانِ أَرْبَعِينَ جَلْدَة . وَأَنْكَرَ مَالِك هَذَا وَتَلَا قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " فَاجْلِدُوا كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَة جَلْدَة " [ النُّور : 2 ] وَهَذَا مَذْهَب أَصْحَاب الرَّأْي . وَقَدْ اِحْتَجَّ الشَّافِعِيّ لِقَوْلِهِ بِحَدِيثٍ , وَقَدْ تُكُلِّمَ فِي إِسْنَاده ; وَاَللَّه أَعْلَم . قُلْت : الْحَدِيث الَّذِي اِحْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيّ خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنه قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن سَعِيد الْهَمْدَانِيّ , قَالَ حَدَّثَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب , قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْن سَهْل بْن حُنَيْف أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بَعْض أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَنْصَار , أَنَّهُ اِشْتَكَى رَجُل مِنْهُمْ حَتَّى أَضْنَى , فَعَادَ جِلْدَة عَلَى عَظْم , فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ جَارِيَة لِبَعْضِهِمْ فَهَشَّ لَهَا فَوَقَعَ عَلَيْهَا , فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رِجَال قَوْمه يَعُودُونَهُ أَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ وَقَالَ : اِسْتَفْتُوا لِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَإِنِّي قَدْ وَقَعْت عَلَى جَارِيَة دَخَلَتْ عَلَيَّ . فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَالُوا : مَا رَأَيْنَا بِأَحَدٍ مِنْ النَّاس مِنْ الضُّرّ مِثْل الَّذِي هُوَ بِهِ ; لَوْ حَمَلْنَاهُ إِلَيْك لَتَفَسَّخَتْ عِظَامه , مَا هُوَ إِلَّا جِلْد عَلَى عَظْم ; فَأَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْخُذُوا لَهُ مِائَة شِمْرَاخ فَيَضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَة وَاحِدَة . قَالَ الشَّافِعِيّ : إِذَا حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ فُلَانًا مِائَة جَلْدَة , أَوْ ضَرْبًا وَلَمْ يَقُلْ ضَرْبًا شَدِيدًا وَلَمْ يَنْوِ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ يَكْفِيهِ مِثْل هَذَا الضَّرْب الْمَذْكُور فِي الْآيَة وَلَا يَحْنَث . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَإِذَا حَلَفَ الرَّجُل لَيَضْرِبَنَّ عَبْده مِائَة فَضَرَبَهُ ضَرْبًا خَفِيفًا فَهُوَ بَارّ عِنْد الشَّافِعِيّ وَأَبِي ثَوْر وَأَصْحَاب الرَّأْي . وَقَالَ مَالِك : لَيْسَ الضَّرْب إِلَّا الضَّرْب الَّذِي يُؤْلِم .

دَلِيل عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاء فِي الْيَمِين لَا يَرْفَع حُكْمًا إِذَا كَانَ مُتَرَاخِيًا . وَقَدْ مَضَى , الْقَوْل فِيهِ فِي [ الْمَائِدَة ] يُقَال : حَنِثَ فِي يَمِينه يَحْنَث إِذَا لَمْ يَبَرَّ بِهَا . وَعِنْد الْكُوفِيِّينَ الْوَاو مُقْحَمَة أَيْ فَاضْرِبْ لَا تَحْنَثْ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : قَوْله تَعَالَى : " فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ " يَدُلّ عَلَى أَحَد وَجْهَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَكُون أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي شَرْعِهِمْ كَفَّارَة , وَإِنَّمَا كَانَ الْبِرّ وَالْحِنْث . وَالثَّانِي أَنْ يَكُون صَدَرَ مِنْهُ نَذْر لَا يَمِين وَإِذَا كَانَ النَّذْر مُعَيَّنًا فَلَا كَفَّارَة فِيهِ عِنْد مَالِك وَأَبِي حَنِيفَة . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : فِي كُلّ نَذْر كَفَّارَة . قُلْت : قَوْل إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي شَرْعهمْ كَفَّارَة لَيْسَ بِصَحِيحٍ ; فَإِنَّ أَيُّوب عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا بَقِيَ فِي الْبَلَاء ثَمَان عَشْرَة سَنَة , كَمَا فِي حَدِيث اِبْن شِهَاب , قَالَ لَهُ صَاحِبَاهُ : لَقَدْ أَذْنَبْت ذَنْبًا مَا أَظُنّ أَحَدًا بَلَغَهُ . فَقَالَ أَيُّوب صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا أَدْرِي مَا تَقُولَانِ , غَيْر أَنَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ يَعْلَم أَنِّي كُنْت أَمُرُّ عَلَى الرَّجُلَيْنِ يَتَزَاعَمَانِ فَكُلٌّ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ , أَوْ عَلَى النَّفَر يَتَزَاعَمُونَ فَأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِي , فَأُكَفِّر عَنْ أَيْمَانهمْ إِرَادَةَ أَلَّا يَأْثَم أَحَد يَذْكُرهُ وَلَا يَذْكُرهُ إِلَّا بِحَقٍّ فَنَادَى رَبّه " أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرّ وَأَنْتَ أَرْحَم الرَّاحِمِينَ " [ الْأَنْبِيَاء : 83 ] وَذَكَرَ الْحَدِيث . فَقَدْ أَفَادَك هَذَا الْحَدِيث أَنَّ الْكَفَّارَة كَانَتْ مِنْ شَرْع أَيُّوب , وَأَنَّ مَنْ كَفَّرَ عَنْ غَيْره بِغَيْرِ إِذْنه فَقَدْ قَامَ بِالْوَاجِبِ عَنْهُ وَسَقَطَتْ عَنْهُ الْكَفَّارَة .

أَيْ عَلَى الْبَلَاء .

أَيْ تَوَّاب رَجَّاع مُطِيع . وَسُئِلَ سُفْيَان عَنْ عَبْدَيْنِ اُبْتُلِيَ أَحَدهمَا فَصَبَرَ , وَأُنْعِمَ عَلَى الْآخَر فَشَكَرَ ; فَقَالَ : كِلَاهُمَا سَوَاء ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَثْنَى عَلَى عَبْدَيْنِ ; أَحَدُهُمَا صَابِر وَالْآخَر شَاكِر ثَنَاء وَاحِدًا ; فَقَالَ فِي وَصْف أَيُّوب : " نِعْمَ الْعَبْد إِنَّهُ أَوَّاب " وَقَالَ فِي وَصْفِ سُلَيْمَان : " نِعْمَ الْعَبْد إِنَّهُ أَوَّاب " . قُلْت : وَقَدْ رَدَّ هَذَا الْكَلَامَ صَاحِبُ الْقُوت وَاسْتَدَلَّ بِقِصَّةِ أَيُّوب فِي تَفْضِيل الْفَقِير عَلَى الْغَنِيّ وَذَكَرَ كَلَامًا كَثِيرًا شَيَّدَ بِهِ كَلَامه , وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع مِنْ كِتَاب [ مَنْهَج الْعِبَاد وَمَحَجَّة السَّالِكِينَ وَالزُّهَّاد ] . وَخَفِيَ عَلَيْهِ أَنَّ أَيُّوب عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ أَحَد الْأَغْنِيَاء مِنْ الْأَنْبِيَاء قَبْل الْبَلَاء وَبَعْده , وَإِنَّمَا اُبْتُلِيَ بِذَهَابِ مَاله وَوَلَده وَعَظِيم الدَّاء فِي جَسَده . وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمْ وَسَلَامه صَبَرُوا عَلَى مَا بِهِ اُمْتُحِنُوا وَفُتِنُوا . فَأَيُّوب عَلَيْهِ السَّلَام دَخَلَ فِي الْبَلَاء عَلَى صِفَة , فَخَرَجَ مِنْهُ كَمَا دَخَلَ فِيهِ , وَمَا تَغَيَّرَ مِنْهُ حَال وَلَا مَقَال , فَقَدْ اِجْتَمَعَ مَعَ أَيُّوب فِي الْمَعْنَى الْمَقْصُود , وَهُوَ عَدَم التَّغَيُّر الَّذِي يَفْضُل فِيهِ بَعْض النَّاس بَعْضًا . وَبِهَذَا الِاعْتِبَار يَكُون الْغَنِيّ الشَّاكِر وَالْفَقِير الصَّابِر سَوَاء . وَهُوَ كَمَا قَالَ سُفْيَان . وَاَللَّه أَعْلَم . وَفِي حَدِيث اِبْن شِهَاب عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ أَيُّوب خَرَجَ لِمَا كَانَ يَخْرُج إِلَيْهِ مِنْ حَاجَته فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ : " اُرْكُضْ بِرِجْلِك هَذَا مُغْتَسَل بَارِد وَشَرَاب " فَاغْتَسَلَ فَأَعَادَ اللَّه لَحْمه وَشَعْره وَبَشَرَهُ عَلَى أَحْسَن مَا كَانَ ثُمَّ شَرِبَ فَأَذْهَبَ اللَّه كُلّ مَا كَانَ فِي جَوْفه مِنْ أَلَم أَوْ ضَعْف وَأَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ مِنْ السَّمَاء أَبْيَضَيْنِ فَائْتَزَرَ بِأَحَدِهِمَا وَارْتَدَى بِالْآخَرِ ثُمَّ أَقْبَلَ يَمْشِي إِلَى مَنْزِله وَرَاثَ عَلَى اِمْرَأَته فَأَقْبَلَتْ حَتَّى لَقِيَتْهُ وَهِيَ لَا تَعْرِفهُ فَسَلَّمَتْ عَلَيْهِ وَقَالَتْ أَيْ يَرْحَمك اللَّه هَلْ رَأَيْت هَذَا الرَّجُل الْمُبْتَلَى ؟ قَالَ مَنْ هُوَ ؟ قَالَتْ نَبِيّ اللَّه أَيُّوب , أَمَا وَاَللَّه مَا رَأَيْت أَحَدًا قَطُّ أَشْبَهَ بِهِ مِنْك إِذْ كَانَ صَحِيحًا . قَالَ فَإِنِّي أَيُّوب وَأَخَذَ ضِغْثًا فَضَرَبَهَا بِهِ ) فَزَعَمَ اِبْن شِهَاب أَنَّ ذَلِكَ الضِّغْث كَانَ ثُمَامًا . وَرَدَّ اللَّه إِلَيْهِ أَهْله وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ , فَأَقْبَلَتْ سَحَابَة حَتَّى سَجَلَتْ فِي أَنْدَر قَمْحه ذَهَبًا حَتَّى امْتَلَأَ , وَأَقْبَلَتْ سَحَابَة أُخْرَى إِلَى أَنْدَر شَعِيرِهِ وَقَطَّانِيهِ فَسَجَلَتْ فِيهِ وَرِقًا حَتَّى اِمْتَلَأَ .
وقلنا له: خذ بيدك خزمة شماريخ , فاضرب بها زوجك إبرارا بيمينك , فلا تحنث؟ إذ أقسم ليضربنها مائة جلدة على خطأ ارتكبته.
إنا وجدنا أيوب صابرا على البلاء , نعم العبد هو , إنه رجاع إلى طاعة الله.
وقلنا له: خذ بيدك حُزمة شماريخ، فاضرب بها زوجك إبرارًا بيمينك، فلا تحنث؛ إذ أقسم ليضربنَّها مائة جلدة إذا شفاه الله، لـمَّا غضب عليها من أمر يسير أثناء مرضه، وكانت امرأة صالحة، فرحمها الله ورحمه بهذه الفتوى. إنا وجدنا أيوب صابرًا على البلاء، نِعم العبد هو، إنه رجَّاع إلى طاعة الله.
"وَخُذْ بِيَدِك ضِغْثًا" هُوَ حُزْمَة مِنْ حَشِيش أَوْ قُضْبَان "فَاضْرِبْ بِهِ" زَوْجَتك وَكَانَ قَدْ حَلَفَ لِيَضْرِبهَا مِائَة ضَرْبَة لِإِبْطَائِهَا عَلَيْهِ يَوْمًا "وَلَا تَحْنَث" بِتَرْكِ ضَرْبهَا فَأَخَذَ مِائَة عُود مِنْ الْإِذْخِر أَوْ غَيْره فَضَرَبَهَا بِهِ ضَرْبَة وَاحِدَة "إنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْد" أَيُّوب "إنَّهُ أَوَّاب" رَجَّاعٌ إلَى اللَّه تَعَالَى
قَوْله جَلَّتْ عَظَمَته" وَخُذْ بِيَدِك ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَث " وَذَلِكَ أَنَّ أَيُّوب عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كَانَ قَدْ غَضِبَ عَلَى زَوْجَته وَوَجَدَ عَلَيْهَا فِي أَمْر فَعَلَتْهُ قِيلَ بَاعَتْ ضَفِيرَتهَا بِخُبْزٍ فَأَطْعَمَتْهُ إِيَّاهُ فَلَامَهَا عَلَى ذَلِكَ وَحَلَفَ إِنْ شَفَاهُ اللَّه تَعَالَى لَيَضْرِبَنهَا مِائَة جَلْدَة وَقِيلَ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَاب فَلَمَّا شَفَاهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَعَافَاهُ مَا كَانَ جَزَاؤُهَا مَعَ هَذِهِ الْخِدْمَة التَّامَّة وَالرَّحْمَة وَالشَّفَقَة وَالْإِحْسَان أَنْ تُقَابَلَ بِالضَّرْبِ فَأَفْتَاهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَأْخُذَ ضِغْثًا وَهُوَ الشِّمْرَاخ فِيهِ مِائَة قَضِيب فَيَضْرِبهَا بِهِ ضَرْبَة وَاحِدَة وَقَدْ بَرَّتْ يَمِينه وَخَرَجَ مِنْ حِنْثه وَوَفَّى بِنَذْرِهِ وَهَذَا مِنْ الْفَرَج وَالْمَخْرَج لِمَنْ اِتَّقَى اللَّه تَعَالَى وَأَنَابَ إِلَيْهِ وَلِهَذَا قَالَ جَلَّ وَعَلَا " إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْد إِنَّهُ أَوَّاب " أَثْنَى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَمَدَحَهُ بِأَنَّهُ " نِعْمَ الْعَبْد إِنَّهُ أَوَّاب " أَيْ رَجَّاع مُنِيب وَلِهَذَا قَالَ جَلَّ جَلَاله " وَمَنْ يَتَّقِ اللَّه يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِب وَمَنْ يَتَوَكَّل عَلَى اللَّه فَهُوَ حَسْبه إِنَّ اللَّه بَالِغ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّه لِكُلِّ شَيْء قَدْرًا " وَاسْتَدَلَّ كَثِير مِنْ الْفُقَهَاء بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة عَلَى مَسَائِل فِي الْأَيْمَان وَغَيْرهَا وَقَدْ أَخَذُوهَا بِمُقْتَضَاهَا وَاَللَّه أَعْلَم بِالصَّوَابِ .
وَقَوْله : { وَخُذْ بِيَدِك ضِغْثًا } يَقُول : وَقُلْنَا لِأَيُّوب : خُذْ بِيَدِك ضِغْثًا , وَهُوَ مَا يُجْمَع مِنْ شَيْء مِثْل حُزْمَة الرُّطَبَة , وَكَمِلْءِ الْكَفّ مِنْ الشَّجَر أَوْ الْحَشِيش وَالشَّمَارِيخ وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا قَامَ عَلَى سَاق ; وَمِنْهُ قَوْل عَوْف بْن الْخَرِع : وَأَسْفَل مِنِّي نَهْدَة قَدْ رَبَطْتهَا وَأَلْقَيْت ضِغْثًا مِنْ خَلًّا مُتَطَيِّب وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23029- حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثني عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة عَنْ عَلِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَخُذْ بِيَدِك ضِغْثًا } يَقُول : حُزْمَة . 23030 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَخُذْ بِيَدِك ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَث } قَالَ : أُمِرَ أَنْ يَأْخُذ ضِغْثًا مِنْ رُطَبَة بِقَدْرِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَيَضْرِب بِهِ . 23031 -حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن يَمَان , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء , فِي قَوْله : { وَخُذْ بِيَدِك ضِغْثًا } قَالَ : عِيدَانًا رُطَبَة . 23032 -حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام الرِّفَاعِيّ , قَالَ : ثنا يَحْيَى , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم بْن الْمُهَاجِر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ اِبْن عَبَّاس { وَخُذْ بِيَدِك ضِغْثًا } قَالَ : هُوَ الْأَثْل . 23033- حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَخُذْ بِيَدِك ضِغْثًا } . . الْآيَة , قَالَ : كَانَتْ اِمْرَأَته قَدْ عَرَضَتْ لَهُ بِأَمْرٍ , وَأَرَادَهَا إِبْلِيس عَلَى شَيْء , فَقَالَ : لَوْ تَكَلَّمَتْ بِكَذَا وَكَذَا , وَإِنَّمَا حَمَلَهَا عَلَيْهَا الْجَزَع , فَحَلَفَ نَبِيّ اللَّه : لَئِنْ اللَّه شَفَاهُ لَيَجْلِدَنهَا مِئَة جَلْدَة ; قَالَ : فَأُمِرَ بِغُصْنٍ فِيهِ تِسْعَة وَتِسْعُونَ قَضِيبًا , وَالْأَصْل تَكْمِلَة الْمِئَة , فَضَرَبَهَا ضَرْبَة وَاحِدَة , فَأَبَرَّ نَبِيّ اللَّه , وَخَفَّفَ اللَّه عَنْ أُمَّته , وَاَللَّه رَحِيم . 23034 -حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَخُذْ بِيَدِك ضِغْثًا } يَعْنِي : ضِغْثًا مِنْ الشَّجَر الرُّطَب , كَانَ حَلَفَ عَلَى يَمِين , فَأَخَذَ مِنْ الشَّجَر عَدَد مَا حَلَفَ عَلَيْهِ , فَضَرَبَ بِهِ ضَرْبَة وَاحِدَة , فَبَرَّتْ يَمِينه , وَهُوَ الْيَوْم فِي النَّاس يَمِين أَيُّوب , مَنْ أَخَذَ بِهَا فَهُوَ حَسَن . 23035 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَخُذْ بِيَدِك ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَث } قَالَ : ضِغْثًا وَاحِدًا مِنْ الْكَلَأ فِيهِ أَكْثَر مِنْ مِئَة عُود , فَضَرَبَ بِهِ ضَرْبَة وَاحِدَة , فَذَلِكَ مِئَة ضَرْبَة . 23036 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَوْف , قَالَ : ثنا أَبُو الْمُغِيرَة , قَالَ : ثنا صَفْوَان , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن جُبَيْر { وَخُذْ بِيَدِك ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ } يَقُول : فَاضْرِبْ زَوْجَتك بِالضِّغْثِ , لِتَبَرّ فِي يَمِينك الَّتِي حَلَفْت بِهَا عَلَيْهَا أَنْ تَضْرِبهَا { وَلَا تَحْنَث } يَقُول : وَلَا تَحْنَث فِي يَمِينك .

وَقَوْله : { إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْد } يَقُول : إِنَّا وَجَدْنَا أَيُّوب صَابِرًا عَلَى الْبَلَاء , لَا يَحْمِلهُ الْبَلَاء عَلَى الْخُرُوج عَنْ طَاعَة اللَّه , وَالدُّخُول فِي مَعْصِيَته { نِعْمَ الْعَبْد إِنَّهُ أَوَّاب } يَقُول : إِنَّهُ عَلَى طَاعَة اللَّه مُقْبِل , وَإِلَى رِضَاهُ رَجَّاع .
مشاركة الموضوع