تفسير القرطبي

سورة ص الآية ٢

بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى عِزَّةٍۢ وَشِقَاقٍۢ ﴿٢﴾
أَيْ تَكَبُّر وَامْتِنَاع مِنْ قَبُول الْحَقّ ; كَمَا قَالَ جَلَّ وَعَزَّ : " وَإِذَا قِيلَ لَهُ اِتَّقِ اللَّه أَخَذَتْهُ الْعِزَّة بِالْإِثْمِ " [ الْبَقَرَة : 206 ] وَالْعِزَّة عِنْد الْعَرَب : الْغَلَبَة وَالْقَهْر . يُقَال : مَنْ عَزَّ بَزَّ ; يَعْنِي مَنْ غَلَبَ سَلَبَ . وَمِنْهُ : " وَعَزَّنِي فِي الْخِطَاب " [ ص : 23 ] أَرَادَ غَلَبَنِي . وَقَالَ جَرِير : يَعُزُّ عَلَى الطَّرِيقِ بِمَنْكِبَيْهِ كَمَا اِبْتَرَكَ الْخَلِيعُ عَلَى الْقِدَاحِ أَرَادَ يَغْلِب .

أَيْ فِي إِظْهَار خِلَاف وَمُبَايَنَة . وَهُوَ مِنْ الشِّقّ كَأَنَّ هَذَا فِي شِقّ وَذَلِكَ فِي شِقّ . وَقَدْ مَضَى فِي [ الْبَقَرَة ] مُسْتَوْفًى .
يقسم الله سبحانه بالقرآن المثمل على تذكير الناس بما هم عنه غافلون.
ولكن الكافرين متكبرون على الحق مخالفون له.
(ص) سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.
"بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا" مِنْ أَهْل مَكَّة "فِي عِزَّة" حَمِيَّة وَتَكَبُّر عَنْ الْإِيمَان "وَشِقَاق" خِلَاف وَعَدَاوَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَقَوْله تَبَارَكَ وَتَعَالَى " بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّة وَشِقَاق " أَيْ إِنَّ فِي هَذَا الْقُرْآن لِذِكْرَى لِمَنْ يَتَذَكَّر وَعِبْرَة لِمَنْ يَعْتَبِر وَإِنَّمَا لَمْ يَنْتَفِع بِهِ الْكَافِرُونَ لِأَنَّهُمْ " فِي عِزَّة " أَيْ اِسْتِكْبَار عَنْهُ وَحَمِيَّة " وَشِقَاق " أَيْ وَمُخَالَفَة لَهُ وَمُعَانَدَة وَمُفَارَقَة ثُمَّ خَوَّفَهُمْ مَا أَهْلَكَ بِهِ الْأُمَم الْمُكَذِّبَة قَبْلهمْ بِسَبَبِ مُخَالَفَتِهِمْ لِلرُّسُلِ وَتَكْذِيبهمْ الْكُتُب الْمُنَزَّلَة مِنْ السَّمَاء .
وَقَوْله : { بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّة وَشِقَاق } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاَللَّهِ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْش فِي حَمِيَّة وَمُشَاقَّة , وَفِرَاق لِمُحَمَّدٍ وَعَدَاوَة , وَمَا بِهِمْ أَنْ لَا يَكُونُوا أَهْل عِلْم , بِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَاحِرٍ وَلَا كَذَّاب . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22821- حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { فِي عِزَّة وَشِقَاق } قَالَ : مُعَازِّينَ . 22822- حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فِي عِزَّة وَشِقَاق } : أَيْ فِي حَمِيَّة وَفِرَاق . 22823 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّة وَشِقَاق } قَالَ : يُعَادُونَ أَمْر اللَّه وَرُسُله وَكِتَابه , وَيُشَاقُّونَ , ذَلِكَ عِزَّة وَشِقَاق , فَقُلْت لَهُ : الشِّقَاق : الْخِلَاف , فَقَالَ : نَعَمْ
مشاركة الموضوع