تفسير القرطبي

سورة الصافات الآية ١٦٧

وَإِن كَانُوا۟ لَيَقُولُونَ ﴿١٦٧﴾
عَادَ إِلَى الْإِخْبَار عَنْ قَوْل الْمُشْرِكِينَ , أَيْ كَانُوا قَبْل بَعْثَة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عُيِّرُوا بِالْجَهْلِ قَالُوا : " لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنْ الْأَوَّلِينَ "
وإن كفار (مكة) ليقولون قبل بعثتك -يا محمد-:
وإن كفار "مكة" ليقولون قبل بعثتك -أيها الرسول-: لو جاءنا من الكتب والأنبياء ما جاء الأولين قبلنا، لكنا عباد الله الصادقين في الإيمان، المخلَصين في العبادة.
"وَإِنْ" مُخَفَّفَة مِنْ الثَّقِيلَة "كَانُوا" أَيْ كُفَّار مَكَّة
قَوْله جَلَّ وَعَلَا " وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِنْدنَا ذِكْرًا مِنْ الْأَوَّلِينَ لَكُنَّا عِبَاد اللَّه الْمُخْلَصِينَ " أَيْ قَدْ كَانُوا يَتَمَنَّوْنَ قَبْل أَنْ تَأْتِيهِمْ يَا مُحَمَّد لَوْ كَانَ عِنْدهمْ مَنْ يُذَكِّرهُمْ بِأَمْرِ اللَّه وَمَا كَانَ مِنْ أَمْر الْقُرُون الْأُولَى وَيَأْتِيهِمْ بِكِتَابِ اللَّه كَمَا قَالَ جَلَّ جَلَاله " وَأَقْسَمُوا بِاَللَّهِ جَهْد أَيْمَانهمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِير لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَم فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِير مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا " وَقَالَ تَعَالَى " أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَاب عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتهمْ لِغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَاب لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَة مِنْ رَبّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَة فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّه وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتنَا سُوء الْعَذَاب بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ " وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى هَهُنَا " فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ " وَعِيد أَكِيد وَتَهْدِيد شَدِيد عَلَى كُفْرهمْ بِرَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ وَتَكْذِيبهمْ رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَوْله : { وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِنْدنَا ذِكْرًا مِنْ الْأَوَّلِينَ لَكُنَّا عِبَاد اللَّه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَكَانَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْش يَقُولُونَ قَبْل أَنْ يُبْعَث إِلَيْهِمْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا , { لَوْ أَنَّ عِنْدنَا ذِكْرًا مِنْ الْأَوَّلِينَ } يَعْنِي كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ السَّمَاء كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيل , أَوْ نَبِيّ أَتَانَا مِثْل الَّذِي أَتَى الْيَهُود وَالنَّصَارَى { لَكُنَّا عِبَاد اللَّه } الَّذِينَ أَخْلَصَهُمْ لِعِبَادَتِهِ , وَاصْطَفَاهُمْ لِجَنَّتِهِ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22792 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِنْدنَا ذِكْرًا مِنْ الْأَوَّلِينَ لَكُنَّا عِبَاد اللَّه الْمُخْلَصِينَ } قَالَ : قَدْ قَالَتْ هَذِهِ الْأُمَّة ذَاكَ قَبْل أَنْ يُبْعَث مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ كَانَ عِنْدنَا ذِكْر مِنْ الْأَوَّلِينَ , لَكُنَّا عِبَاد اللَّه الْمُخْلَصِينَ ; فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَفَرُوا بِهِ , فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ . 22793 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي قَوْله : { ذِكْرًا مِنْ الْأَوَّلِينَ } قَالَ : هَؤُلَاءِ نَاس مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَب قَالُوا : لَوْ أَنَّ عِنْدنَا كِتَابًا مِنْ كُتُب الْأَوَّلِينَ , أَوْ جَاءَنَا عِلْم مِنْ عِلْم الْأَوَّلِينَ قَالَ : قَدْ جَاءَكُمْ مُحَمَّد بِذَلِكَ. 22794 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : رَجَعَ الْحَدِيث إِلَى الْأَوَّلِينَ أَهْل الشِّرْك { وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ لَوْ أَنَّ عِنْدنَا ذِكْرًا مِنْ الْأَوَّلِينَ } 22795 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { لَوْ أَنَّ عِنْدنَا ذِكْرًا مِنْ الْأَوَّلِينَ لَكُنَّا عِبَاد اللَّه الْمُخْلَصِينَ } هَذَا قَوْل مُشْرِكِي أَهْل مَكَّة , فَلَمَّا جَاءَهُمْ ذِكْر الْأَوَّلِينَ وَعِلْم الْآخِرِينَ , كَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ .
مشاركة الموضوع