تفسير القرطبي

سورة الصافات الآية ١٠٥

قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّءْيَآ ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿١٠٥﴾
قَالَ مُقَاتِل : رَأَى ذَلِكَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام ثَلَاث لَيَالٍ مُتَتَابِعَاتٍ . وَقَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب : كَانَتْ الرُّسُل يَأْتِيهِمْ الْوَحْي مِنْ اللَّه تَعَالَى أَيْقَاظًا وَرُقُودًا ; فَإِنَّ الْأَنْبِيَاء لَا تَنَام قُلُوبهمْ . وَهَذَا ثَابِت فِي الْخَبَر الْمَرْفُوع , قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّا مُعَاشِر الْأَنْبِيَاء تَنَام أَعْيُننَا وَلَا تَنَام قُلُوبنَا ) . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : رُؤْيَا الْأَنْبِيَاء وَحْي ; وَاسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَة . وَقَالَ السُّدِّيّ : لَمَّا بُشِّرَ إِبْرَاهِيم بِإِسْحَاق قَبْل أَنْ يُولَد لَهُ قَالَ هُوَ إِذًا لِلَّهِ ذَبِيح . فَقِيلَ لَهُ فِي مَنَامه : قَدْ نَذَرْت نَذْرًا فَفِ بِنَذْرِك . وَيُقَال : إِنَّ إِبْرَاهِيم رَأَى فِي لَيْلَة التَّرْوِيَة كَأَنَّ قَائِلًا يَقُول : إِنَّ اللَّه يَأْمُرك بِذَبْحِ اِبْنك ; فَلَمَّا أَصْبَحَ رَوَّى فِي نَفْسه أَيْ فَكَّرَ أَهَذَا الْحُلْم مِنْ اللَّه أَمْ مِنْ الشَّيْطَان ؟ فَسُمِّيَ يَوْم التَّرْوِيَة . فَلَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَة الثَّانِيَة رَأَى ذَلِكَ أَيْضًا وَقِيلَ لَهُ الْوَعْد , فَلَمَّا أَصْبَحَ عَرَفَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ اللَّه فَسُمِّيَ يَوْم عَرَفَة . ثُمَّ رَأَى مِثْله فِي اللَّيْلَة الثَّالِثَة فَهَمَّ بِنَحْرِهِ فَسُمِّيَ يَوْم النَّحْر . وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا ذَبَحَهُ قَالَ جِبْرِيل : اللَّه أَكْبَر اللَّه أَكْبَر . فَقَالَ الذَّبِيح : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَاَللَّه أَكْبَر . فَقَالَ إِبْرَاهِيم : اللَّه أَكْبَر وَالْحَمْد لِلَّهِ ; فَبَقِيَ سُنَّة . وَقَدْ اِخْتَلَفَ النَّاس فِي وُقُوع هَذَا الْأَمْر

أَيْ نَجْزِيهِمْ بِالْخَلَاصِ مِنْ الشَّدَائِد فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة .
قد فعلت ما أمرت به وصدقت رؤياك, إنا كما جزيناك على تصديقك نجزي الذين أحسنوا مثلك, فنخلصهم من الشدائد في الدنيا والآخرة.
ونادينا إبراهيم في تلك الحالة العصيبة: أن يا إبراهيم، قد فعلتَ ما أُمرت به وصَدَّقْتَ رؤياك، إنا كما جزيناك على تصديقك نجزي الذين أحسنوا مثلك، فنخلِّصهم من الشدائد في الدنيا والآخرة.
"قَدْ صَدَّقْت الرُّؤْيَا" بِمَا أَتَيْت بِهِ مِمَّا أَمْكَنَك مِنْ أَمْر الذَّبْح : أَيْ يَكْفِيك ذَلِكَ فَجُمْلَة نَادَيْنَاهُ جَوَاب لِمَا بِزِيَادَةِ الْوَاو "إنَّا كَذَلِكَ" كَمَا جَزَيْنَاك "نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ" لِأَنْفُسِهِمْ بِامْتِثَالِ الْأَمْر بِإِفْرَاجِ الشِّدَّة عَنْهُمْ
وَقَوْله تَعَالَى " إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ " أَيْ هَكَذَا نَصْرِف عَمَّنْ أَطَاعَنَا الْمَكَارِه وَالشَّدَائِد وَنَجْعَل لَهُمْ مِنْ أَمْرِهِمْ فَرَجًا وَمَخْرَجًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَمَنْ يَتَّقِ اللَّه يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِب وَمَنْ يَتَوَكَّل عَلَى اللَّه فَهُوَ حَسْبه إِنَّ اللَّه بَالِغ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّه لِكُلِّ شَيْء قَدْرًا " وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَة وَالْقِصَّة جَمَاعَة مِنْ عُلَمَاء الْأُصُول عَلَى صِحَّة النَّسْخ قَبْل التَّمَكُّن مِنْ الْفِعْل خِلَافًا لِطَائِفَةٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَة وَالدَّلَالَة مِنْ هَذِهِ ظَاهِرَة لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى شَرَعَ لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ذَبْح وَلَده ثُمَّ نَسَخَهُ عَنْهُ وَصَرَفَهُ إِلَى الْفِدَاء وَإِنَّمَا كَانَ الْمَقْصُود مِنْ شَرْعِهِ أَوَّلًا إِثَابَة الْخَلِيل عَلَى الصَّبْر عَلَى ذَبْح وَلَده وَعَزْمه عَلَى ذَلِكَ .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { قَدْ صَدَّقْت الرُّؤْيَا } الَّتِي أَرَيْنَاكهَا فِي مَنَامك بِأَمْرِنَاكَ بِذَبْحِ اِبْنك .

وَقَوْله : { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } يَقُول : إِنَّا كَمَا جَزَيْنَاك بِطَاعَتِنَا يَا إِبْرَاهِيم , كَذَلِكَ نَجْزِي الَّذِينَ أَحْسَنُوا , وَأَطَاعُوا أَمْرنَا , وَعَمِلُوا فِي رِضَانَا .
مشاركة الموضوع