تفسير القرطبي

سورة سبأ الآية ٧

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍۢ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍۢ جَدِيدٍ ﴿٧﴾
" وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلّكُمْ عَلَى رَجُل " وَإِنْ شِئْت أَدْغَمْت اللَّام فِي النُّون لِقُرْبِهَا مِنْهَا ! " يُنَبِّئكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلّ مُمَزَّق " هَذَا إِخْبَار عَمَّنْ قَالَ : " لَا تَأْتِينَا السَّاعَة " [ سَبَأ : 3 ] أَيْ هَلْ نُرْشِدكُمْ إِلَى رَجُل يُنَبِّئكُمْ , أَيْ يَقُول لَكُمْ : إِنَّكُمْ تُبْعَثُونَ بَعْد الْبِلَى فِي الْقُبُور . وَهَذَا صَادِر عَنْ فَرْط إِنْكَارهمْ . الزَّمَخْشَرِيّ : " فَإِنْ قُلْت : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَشْهُورًا عَلَمًا فِي قُرَيْش , وَكَانَ إِنْبَاؤُهُ بِالْبَعْثِ شَائِعًا عِنْدهمْ , فَمَا مَعْنَى قَوْلهمْ : " هَلْ نَدُلّكُمْ عَلَى رَجُل يُنَبِّئكُمْ " فَنَكَّرُوهُ لَهُمْ وَعَرَضُوا عَلَيْهِمْ الدَّلَالَة عَلَيْهِ , كَمَا يُدَلّ عَلَى مَجْهُول فِي أَمْر مَجْهُول . قُلْت : كَانُوا يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ الطَّنْزَ وَالْهُزُؤ وَالسُّخْرِيَة , فَأَخْرَجُوهُ مَخْرَج التَّحَكِّي بِبَعْضِ الْأَحَاجِي الَّتِي يُتَحَاجَى بِهَا لِلضَّحِكِ وَالتَّلَهِّي , مُتَجَاهِلِينَ بِهِ وَبِأَمْرِهِ . و " إِذَا " فِي مَوْضِع نَصْب وَالْعَامِل فِيهَا " مُزِّقْتُمْ " قَالَهُ النَّحَّاس . وَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون الْعَامِل فِيهَا " يُنَبِّئكُمْ " , لِأَنَّهُ لَيْسَ يُخْبِرهُمْ ذَلِكَ الْوَقْت . وَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون الْعَامِل فِيهَا مَا بَعْد " إِنَّ " , لِأَنَّهُ لَا يَعْمَل فِيمَا قَبْله , وَأَلَّا يَتَقَدَّم عَلَيْهَا مَا بَعْدهَا وَمَعْمُولهَا . وَأَجَازَ الزَّجَّاج أَنْ يَكُون الْعَامِل فِيهَا مَحْذُوفًا ; التَّقْدِير : إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلّ مُمَزَّق بُعِثْتُمْ , أَوْ يُنَبِّئكُمْ بِأَنَّكُمْ تُبْعَثُونَ إِذَا مُزِّقْتُمْ . الْمَهْدَوِيّ : وَلَا يَعْمَل فِيهِ " مُزِّقْتُمْ " ; لِأَنَّهُ مُضَاف إِلَيْهِ , وَالْمُضَاف إِلَيْهِ لَا يَعْمَل فِي الْمُضَاف . وَأَجَازَهُ بَعْضهمْ عَلَى أَنْ يَجْعَل " إِذَا " لِلْمُجَازَاةِ , فَيَعْمَل فِيهَا حِينَئِذٍ مَا بَعْدهَا لِأَنَّهَا غَيْر مُضَافَة إِلَيْهِ . وَأَكْثَرُ مَا تَقَع " إِذَا " لِلْمُجَازَاةِ فِي الشِّعْر . وَمَعْنَى " مُزِّقْتُمْ كُلّ مُمَزَّق " فُرِّقْتُمْ كُلّ تَفْرِيق . وَالْمَزْق خَرْق الْأَشْيَاء ; يُقَال : ثَوْب مَزِيق وَمَمْزُوق وَمُتَمَزِّق وَمُمَزَّق .
وقال الذين كفروا بعضهم لبعض استهزاء: هل ندلكم على رجل (يريدون محمدا صلى الله عليه وسلم) يخبركم أنكم إذا متم وتفرقت أجسامكم كل تفرق, إنكم ستحيون وتبعثون من قبوركم؟ قالوا ذلك من فرط إنكارهم.
وقال الذين كفروا بعضهم لبعض استهزاء: هل ندلكم على رجل (يريدون محمدًا صلى الله عليه وسلم) يخبركم أنكم إذا متم وتفرقت أجسامكم كل تفرُّق، إنكم ستُحيون وتُبعثون من قبوركم؟ قالوا ذلك مِن فرط إنكارهم.
"وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا" أَيْ قَالَ بَعْضهمْ عَلَى جِهَة التَّعْجِيب لِبَعْضٍ "هَلْ نَدُلّكُمْ عَلَى رَجُل" هُوَ مُحَمَّد "يُنَبِّئكُمْ" يُخْبِركُمْ أَنَّكُمْ "إذَا مُزِّقْتُمْ" قُطِّعْتُمْ "كُلّ مُمَزَّق" بِمَعْنَى تَمْزِيق
هَذَا إِخْبَار مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْ اِسْتِبْعَاد الْكَفَرَة الْمُلْحِدِينَ قِيَام السَّاعَة وَاسْتِهْزَائِهِمْ بِالرَّسُولِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِخْبَاره بِذَلِكَ " وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلّكُمْ عَلَى رَجُل يُنَبِّئكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلّ مُمَزَّق" أَيْ تَفَرَّقَتْ أَجْسَادكُمْ فِي الْأَرْض وَذَهَبَتْ فِيهَا كُلّ مَذْهَب وَتَمَزَّقَتْ كُلّ مُمَزَّق " إِنَّكُمْ " أَيْ بَعْد هَذَا الْحَال " لَفِي خَلْق جَدِيد " أَيْ تَعُودُونَ أَحْيَاء تُرْزَقُونَ بَعْد ذَلِكَ وَهُوَ فِي هَذَا الْإِخْبَار لَا يَخْلُو أَمْره مِنْ قِسْمَيْنِ إِمَّا أَنْ يَكُون قَدْ تَعَمَّدَ الِافْتِرَاء عَلَى اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ قَدْ أَوْحَى إِلَيْهِ ذَلِكَ أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّد لَكِنْ لَبَسَ عَلَيْهِ كَمَا يَلْبِس عَلَى الْمَعْتُوه وَالْمَجْنُون وَلِهَذَا .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلّكُمْ عَلَى رَجُل يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّق إِنَّكُمْ لَفِي خَلْق جَدِيد } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ مُحَمَّد , مُتَعَجِّبِينَ مِنْ وَعْده إِيَّاهُمُ الْبَعْث بَعْد الْمَمَات بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : { هَلْ نَدُلّكُمْ } أَيّهَا النَّاس { عَلَى رَجُل يُنَبِّئكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّق إِنَّكُمْ لَفِي خَلْق جَدِيد } يَقُول : يُخْبِركُمْ أَنَّكُمْ بَعْد تَقَطُّعكِمْ فِي الْأَرْض بَلَاء وَبَعْد مَصِيركُمْ فِي التُّرَاب رُفَاتًا , عَائِدُونَ كَهَيْئَتِكُمْ قَبْل الْمَمَات خَلْقًا جَدِيدًا , كَمَا : 21920 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّق } قَالَ : ذَلِكَ مُشْرِكُو قُرَيْش وَالْمُشْرِكُونَ مِنَ النَّاس , { يُنَبِّئكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّق } : إِذَا أَكَلَتْكُمْ الْأَرْض , وَصِرْتُمْ رُفَاتًا وَعِظَامًا , وَقَطَّعَتْكُمْ السِّبَاع وَالطَّيْر { إِنَّكُمْ لَفِي خَلْق جَدِيد } سَتَحْيَوْنَ وَتُبْعَثُونَ . 21921 -حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { هَلْ نَدُلّكُمْ عَلَى رَجُل } إِلَى { خَلْق جَدِيد } قَالَ : يَقُول : { إِذَا مُزِّقْتُمْ } : وَإِذَا بُلِيتُمْ وَكُنْتُمْ عِظَامًا وَتُرَابًا وَرُفَاتًا , ذَلِكَ { كُلّ مُمَزَّق إِنَّكُمْ لَفِي خَلْق جَدِيد } قَالَ : يُنَبِّئكُمْ إِنَّكُمْ , فَكَسَرَ إِنْ وَلَمْ يُعْمِل يُنَبِّئكُمْ فِيهَا , وَلَكِنْ ابْتَدَأَ بِهَا ابْتِدَاء ; لِأَنَّ النَّبَأ خَبَر وَقَوْل , فَالْكَسْر فِي إِنَّ لِمَعْنَى الْحِكَايَة فِي قَوْله : { يُنَبِّئكُمْ } دُون لَفْظه , كَأَنَّهُ قِيلَ : يَقُول لَكُمْ : { إِنَّكُمْ لَفِي خَلْق جَدِيد } .
مشاركة الموضوع