تفسير القرطبي

سورة سبأ الآية ٥٠

قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِى ۖ وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِىٓ إِلَىَّ رَبِّىٓ ۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌۭ قَرِيبٌۭ ﴿٥٠﴾
وَذَلِكَ أَنَّ الْكُفَّار قَالُوا تَرَكْت دِين آبَائِك فَضَلَلْت . فَقَالَ لَهُ : قُلْ يَا مُحَمَّد إِنْ ضَلَلْت كَمَا تَزْعُمُونَ فَإِنَّمَا أَضِلّ عَلَى نَفْسِي . وَقِرَاءَة الْعَامَّة " ضَلَلْت " بِفَتْحِ اللَّام . وَقَرَأَ يَحْيَى بْن وَثَّاب وَغَيْره : " قُلْ إِنْ ضَلِلْت " بِكَسْرِ اللَّام وَفَتْح الضَّاد مِنْ " أَضَلُّ " , وَالضَّلَال وَالضَّلَالَة ضِدّ الرَّشَاد . وَقَدْ ضَلَلْت ( بِفَتْحِ اللَّام ) أَضِلّ ( بِكَسْرِ الضَّاد ) , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " قُلْ إِنْ ضَلَلْت فَإِنَّمَا أَضِلّ عَلَى نَفْسِي " فَهَذِهِ لُغَة نَجْد وَهِيَ الْفَصِيحَة . وَأَهْل الْعَالِيَة يَقُولُونَ " ضَلِلْت " بِالْكَسْرِ " أَضَلّ " , أَيْ إِثْم ضَلَالَتِي عَلَى نَفْسِي .

مِنْ الْحِكْمَة وَالْبَيَان

أَيْ سَمِيع مِمَّنْ دَعَاهُ قَرِيب الْإِجَابَة . وَقِيلَ وَجْه النَّظْم : قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِف بِالْحَقِّ وَيُبَيِّن الْحُجَّة , وَضَلَال مَنْ ضَلَّ لَا يُبْطِل الْحُجَّة , وَلَوْ ضَلَلْت لَأَضْرَرْت بِنَفْسِي , لَا أَنَّهُ يُبْطِل حُجَّة اللَّه , وَإِذَا اِهْتَدَيْت فَذَلِكَ فَضْل اللَّه إِذْ ثَبَّتَنِي عَلَى الْحُجَّة إِنَّهُ سَمِيع قَرِيب .
قل: إن ملت عن الحق فإثم ضلالي على نفسي, وإن استقمت عليه فبوحي الله الذي يوحيه إلي, إن ربي سميع لما أقول لكم, قريب ممن دعا وسأله.
قل: إن مِلْت عن الحق فإثم ضلالي على نفسي، وإن استقمت عليه فبوحي الله الذي يوحيه إليَّ، إن ربي سميع لما أقول لكم، قريب ممن دعاه وسأله.
"قُلْ إنْ ضَلَلْت" عَنْ الْحَقّ "فَإِنَّمَا أَضِلّ عَلَى نَفْسِي" أَيْ إثْم ضَلَالِي عَلَيْهَا "وَإِنْ اهْتَدَيْت فَبِمَا يُوحِي إلَيَّ رَبِّي" مِنْ الْقُرْآن وَالْحِكْمَة "إنَّهُ سَمِيع" لِلدُّعَاءِ
فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيع قَرِيب " وَقَوْله تَبَارَكَ وَتَعَالَى " قُلْ إِنْ ضَلَلْت فَإِنَّمَا أَضِلّ عَلَى نَفْسِي وَإِنْ اِهْتَدَيْت فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي " أَيْ الْخَيْر كُلّه مِنْ عِنْد اللَّه وَفِيمَا أَنْزَلَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الْوَحْي وَالْحَقّ الْمُبِين فِيهِ الْهُدَى وَالْبَيَان وَالرَّشَاد وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلّ مِنْ تِلْقَاء نَفْسه كَمَا قَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لَمَّا سُئِلَ عَنْ تِلْكَ الْمَسْأَلَة فِي الْمُفَوِّضَة أَقُول فِيهَا بِرَأْيِي فَإِنْ يَكُنْ صَوَابًا فَمِنْ اللَّه وَإِنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنْ الشَّيْطَان وَاَللَّه وَرَسُوله بَرِيئَانِ مِنْهُ . وَقَوْله تَعَالَى : " إِنَّهُ سَمِيع قَرِيب " أَيْ سَمِيع لِأَقْوَالِ عِبَاده قَرِيب مُجِيب دَعْوَة الدَّاعِي إِذَا دَعَاهُ وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيّ هَهُنَا حَدِيث أَبِي مُوسَى الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ " إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا مُجِيبًا " .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ إِنْ ضَلَلْت فَإِنَّمَا أَضِلّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْت فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيع قَرِيب } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قُلْ يَا مُحَمَّد لِقَوْمِك : إِنْ ضَلَلْت عَنِ الْهُدَى , فَسَلَكْت غَيْر طَرِيق الْحَقّ , فَإِنَّمَا ضَلَالِي عَنْ الصَّوَاب عَلَى نَفْسِي , يَقُول : فَإِنَّ ضَلَالِي عَنْ الْهُدَى عَلَى نَفْسِي ضَرّه { وَإِنْ اهْتَدَيْت } يَقُول : وَإِنْ اسْتَقَمْت عَلَى الْحَقّ { فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي } يَقُول : فَبِوَحْيِ اللَّه الَّذِي يُوحِي إِلَيَّ , وَتَوْفِيقه لِلِاسْتِقَامَةِ عَلَى مَحَجَّة الْحَقّ وَطَرِيق الْهُدَى . وَقَوْله : { إِنَّهُ سَمِيع قَرِيب } يَقُول : إِنَّ رَبِّي سَمِيع لِمَا أَقُول لَكُمْ , حَافِظ لَهُ , وَهُوَ الْمُجَازِي لِي عَلَى صِدْقِي فِي ذَلِكَ , وَذَلِكَ مِنِّي غَيْر بَعِيد , فَيَتَعَذَّر عَلَيْهِ سَمَاع مَا أَقُول لَكُمْ , وَمَا تَقُولُونَ , وَمَا يَقُولهُ غَيْرنَا , وَلَكِنَّهُ قَرِيب مِنْ كُلّ مُتَكَلِّم يَسْمَع كُلّ مَا يَنْطِق بِهِ , أَقْرَب إِلَيْهِ مِنْ حَبْل الْوَرِيد .
مشاركة الموضوع