تفسير القرطبي

سورة السجدة الآية ٦

ذَٰلِكَ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ﴿٦﴾
أَيْ عَلِمَ مَا غَابَ عَنْ الْخَلْق وَمَا حَضَرَهُمْ . و " ذَلِكَ " بِمَعْنَى أَنَا . حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي أَوَّل الْبَقَرَة . وَفِي الْكَلَام مَعْنَى التَّهْدِيد وَالْوَعِيد ; أَيْ أَخْلِصُوا أَفْعَالكُمْ وَأَقْوَالكُمْ فَإِنِّي أُجَازِي عَلَيْهَا .
ذلك الخالق المدبر لشؤون العالمين, عالم بكل ما يغيب عن الأبصار, مما تكنه الصدور وتخفيه النفوس, وعالم بما شاهدته الأبصار, وهو القوي الظاهر الذي لا يغالب, الرحيم بعباده المؤمنين.
ذلك الخالق المدبِّر لشؤون العالمين، عالم بكل ما يغيب عن الأبصار، مما تُكِنُّه الصدور وتخفيه النفوس، وعالم بما شاهدته الأبصار، وهو القويُّ الظاهر الذي لا يغالَب، الرحيم بعباده المؤمنين.
"ذَلِكَ" الْخَالِق الْمُدَبِّر "عَالِم الْغَيْب وَالشَّهَادَة" أَيْ مَا غَابَ عَنْ الْخَلْق وَمَا حَضَرَ "الْعَزِيز" الْمَنِيع فِي مُلْكه "الرَّحِيم" بِأَهْلِ طَاعَته
" ذَلِكَ عَالِم الْغَيْب وَالشَّهَادَة " أَيْ الْمُدَبِّر لِهَذِهِ الْأُمُور الَّذِي هُوَ شَهِيد عَلَى أَعْمَال عِبَاده يَرْفَع إِلَيْهِ جَلِيلهَا وَحَقِيرهَا وَصَغِيرهَا وَكَبِيرهَا هُوَ الْعَزِيز الَّذِي قَدْ عَزَّ كُلّ شَيْء فَقَهَرَهُ وَغَلَبَهُ وَدَانَتْ لَهُ الْعِبَاد وَالرِّقَاب الرَّحِيم بِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ عَزِيز فِي رَحْمَته رَحِيم فِي عِزَّته وَهَذَا هُوَ الْكَمَال الْعِزَّة مَعَ الرَّحْمَة وَالرَّحْمَة مَعَ الْعِزَّة فَهُوَ رَحِيم بِلَا ذُلّ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ عَالِم الْغَيْب وَالشَّهَادَة الْعَزِيز الرَّحِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : هَذَا الَّذِي يَفْعَل مَا وَصَفْت لَكُمْ فِي هَذِهِ الْآيَات , هُوَ عَالِم الْغَيْب , يَعْنِي عَالِم مَا يَغِيب عَنْ أَبْصَاركُمْ أَيّهَا النَّاس , فَلَا تُبْصِرُونَهُ مِمَّا تُكِنّهُ الصُّدُور , وَتُخْفِيه النُّفُوس , وَمَا لَمْ يَكُنْ بَعْد مِمَّا هُوَ كَائِن , { وَالشَّهَادَة } : يَعْنِي مَا شَاهَدَتْهُ الْأَبْصَار فَأَبْصَرَتْهُ وَعَايَنَتْهُ وَمَا هُوَ مَوْجُود { الْعَزِيز } يَقُول : الشَّدِيد فِي انْتِقَامه مِمَّنْ كَفَرَ بِهِ وَأَشْرَكَ مَعَهُ غَيْره , وَكَذَّبَ رُسُلَهُ { الرَّحِيم } بِمَنْ تَابَ مِنْ ضَلَالَته , وَرَجَعَ إِلَى الْإِيمَان بِهِ وَبِرَسُولِهِ , وَالْعَمَل بِطَاعَتِهِ , أَنْ يُعَذِّبَهُ بَعْد التَّوْبَة .
مشاركة الموضوع