تفسير القرطبي

سورة السجدة الآية ٢٩

قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِيمَٰنُهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ﴿٢٩﴾
" قُلْ يَوْم الْفَتْح " عَلَى الظَّرْف . وَأَجَازَ الْفَرَّاء الرَّفْع . " لَا يَنْفَع الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانهمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ " أَيْ يُؤَخَّرُونَ وَيُمْهَلُونَ لِلتَّوْبَةِ ; إِنْ كَانَ يَوْم الْفَتْح يَوْم بَدْر أَوْ فَتْح مَكَّة . فَفِي بَدْر قُتِلُوا , وَيَوْم الْفَتْح هَرَبُوا فَلَحِقَهُمْ خَالِد بْن الْوَلِيد فَقَتَلَهُمْ .
قل لهم -يا محمد-: يوم القضاء الذي يقع فيه عقابكم, وتعاينون فيه الموت لا ينفع الكفار إيمانهم, ولا هم يؤخرون للتوبة والمراجعة.
قل لهم -أيها الرسول-: يوم القضاء الذي يقع فيه عقابكم، وتعاينون فيه الموت لا ينفع الكفار إيمانهم، ولا هم يؤخرون للتوبة والمراجعة.
"قُلْ يَوْم الْفَتْح" بِإِنْزَالِ الْعَذَاب بِهِمْ "لَا يَنْفَع الَّذِينَ كَفَرُوا إيمَانهمْ وَلَا هُمْ يَنْظُرُونَ" يُمْهِلُونَ لِتَوْبَةٍ أَوْ مَعْذِرَة
قَالَ اللَّه تَعَالَى " قُلْ يَوْم الْفَتْح " أَيْ إِذَا حَلَّ بِكُمْ بَأْس اللَّه وَسَخَطه وَغَضَبه فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة " لَا يَنْفَع الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانهمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ" كَمَا قَالَ تَعَالَى " فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلهمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدهمْ مِنْ الْعِلْم " الْآيَتَيْنِ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَاد مِنْ هَذَا الْفَتْح فَتْح مَكَّة فَقَدْ أَبْعَد النُّجْعَة وَأَخْطَأَ فَأَفْحَشَ فَإِنَّ يَوْم الْفَتْح قَدْ قَبِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِسْلَام الطُّلَقَاء وَقَدْ كَانُوا قَرِيبًا مِنْ أَلْفَيْنِ وَلَوْ كَانَ الْمُرَاد فَتْح مَكَّة لَمَا قَبِلَ إِسْلَامهمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى " قُلْ يَوْم الْفَتْح لَا يَنْفَع الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانهمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ " وَإِنَّمَا الْمُرَاد الْفَتْح الَّذِي هُوَ الْقَضَاء وَالْفَصْل كَقَوْلِهِ " فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنهمْ فَتْحًا " الْآيَة وَكَقَوْلِهِ " قُلْ يَجْمَع بَيْننَا رَبّنَا ثُمَّ يَفْتَح بَيْننَا بِالْحَقِّ " الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى " وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلّ جَبَّار عَنِيد " وَقَالَ تَعَالَى " وَكَانُوا مِنْ قَبْل يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا" وَقَالَ تَعَالَى " إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ الْفَتْح" .
وَقَوْله : { قُلْ يَوْم الْفَتْح } يَقُول لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لَهُمْ يَوْم الْحُكْم , وَمَجِيء الْعَذَاب : لَا يَنْفَع مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَبِآيَاتِهِ إِيمَانهمْ الَّذِي يُحْدِثُونَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْت . كَمَا : 21572 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله { قُلْ يَوْم الْفَتْح لَا يَنْفَع الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانهمْ } قَالَ : يَوْم الْفَتْح إِذَا جَاءَ الْعَذَاب 21573 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { يَوْم الْفَتْح } يَوْم الْقِيَامَة , وَنَصَّ الْيَوْمَ فِي قَوْله { قُلْ يَوْم الْفَتْح } رَدًّا عَلَى مَتَى , وَذَلِكَ أَنَّ " مَتَى " فِي مَوْضِع نَصْب , وَمَعْنَى الْكَلَام : أَنَّى حِينُ هَذَا الْفَتْح إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ , ثُمَّ قِيلَ يَوْم كَذَا , وَبِهِ قَرَأَ الْقُرَّاء .

وَقَوْله : { وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ } يَقُول : وَلَا هُمْ يُؤَخَّرُونَ لِلتَّوْبَةِ وَالْمُرَاجَعَة .
مشاركة الموضوع