تفسير القرطبي

سورة السجدة الآية ٢٤

وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةًۭ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا۟ ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ ﴿٢٤﴾
أَيْ قَادَة وَقُدْوَة يُقْتَدَى بِهِمْ فِي دِينهمْ . وَالْكُوفِيُّونَ يَقْرَءُونَ " أَئِمَّة " النَّحَّاس : وَهُوَ لَحْن عِنْد جَمِيع النَّحْوِيِّينَ ; لِأَنَّهُ جَمْع بَيْن هَمْزَتَيْنِ فِي كَلِمَة وَاحِدَة , وَهُوَ مِنْ دَقِيق النَّحْو . وَشَرْحه : أَنَّ الْأَصْل " أَأْمِمَة " ثُمَّ أُلْقِيَتْ حَرَكَة الْمِيم عَلَى الْهَمْزَة وَأُدْغِمَتْ الْمِيم , وَخُفِّفَتْ الْهَمْزَة الثَّانِيَة لِئَلَّا يَجْتَمِع هَمْزَتَانِ , وَالْجَمْع بَيْن هَمْزَتَيْنِ فِي حَرْفَيْنِ بَعِيدٌ ; فَأَمَّا فِي حَرْف وَاحِد فَلَا يَجُوز إِلَّا تَخْفِيف الثَّانِيَة نَحْو قَوْلك : آدَم وَآخَر . وَيُقَال : هَذَا أَوَمُّ مِنْ هَذَا وَأَيَمُّ ; بِالْوَاوِ وَالْيَاء . وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي " التَّوْبَة " وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَمُ . " يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا " أَيْ يَدْعُونَ الْخَلْق إِلَى طَاعَتنَا . " بِأَمْرِنَا " أَيْ أَمَرْنَاهُمْ بِذَلِكَ . وَقِيلَ : " بِأَمْرِنَا " أَيْ لِأَمْرِنَا ; أَيْ يَهْدُونَ النَّاس لِدِينِنَا . ثُمَّ قِيلَ : الْمُرَاد الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ السَّلَام ; قَالَهُ قَتَادَة . وَقِيلَ : الْمُرَاد الْفُقَهَاء وَالْعُلَمَاء . " لَمَّا صَبَرُوا " قِرَاءَة الْعَامَّة " لَمَّا " بِفَتْحِ اللَّام وَتَشْدِيد الْمِيم وَفَتْحهَا ; أَيْ حِين صَبَرُوا . وَقَرَأَ يَحْيَى وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ وَخَلَف وَرُوَيْس عَنْ يَعْقُوب : " لِمَا صَبَرُوا " أَيْ لِصَبْرِهِمْ جَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّة . وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد اِعْتِبَارًا بِقِرَاءَةِ اِبْن مَسْعُود " بِمَا صَبَرُوا " بِالْبَاءِ . وَهَذَا الصَّبْر صَبْر عَلَى الدِّين وَعَلَى الْبَلَاء . وَقِيلَ : صَبَرُوا عَنْ الدُّنْيَا .
وجعلنا من بني إسرائيل هداة ودعاة إلى الخير, يأتم بهم الناس, ويدعونهم إلى التوحيد وعبادة الله وحده وطاعته, وإنما نالوا هذه الدرجة العالية حين صبروا على أوامر الله, وترك زواجره, والدعوة إليه, وتحمل الأذى في سبيله, وكانوا بآيات الله وحججه يوقنون.
وجعلنا من بني إسرائيل هداة ودعاة إلى الخير، يأتمُّ بهم الناس، ويدعونهم إلى التوحيد وعبادة الله وحده وطاعته، وإنما نالوا هذه الدرجة العالية حين صبروا على أوامر الله، وترك زواجره، والدعوة إليه، وتحمُّل الأذى في سبيله، وكانوا بآيات الله وحججه يوقنون.
"وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّة" بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ وَإِبْدَال الثَّانِيَة يَاء : قَادَة "يَهْدُونَ" النَّاس "بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا" عَلَى دِينهمْ وَعَلَى الْبَلَاء مِنْ عَدُوّهُمْ وَفِي قِرَاءَة بِكَسْرِ اللَّام وَتَخْفِيف الْمِيم "وَكَانُوا بِآيَاتِنَا" الدَّالَّة عَلَى قُدْرَتنَا وَوَحْدَانِيّتنَا
قَوْله تَعَالَى " وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّة يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ " أَيْ لَمَّا كَانُوا صَابِرِينَ عَلَى أَوَامِر اللَّه وَتَرْك زَوَاجِره وَتَصْدِيق رُسُله وَاتِّبَاعهمْ فِيمَا جَاءُوهُمْ بِهِ كَانَ مِنْهُمْ أَئِمَّة يَهْدُونَ إِلَى الْحَقّ بِأَمْرِ اللَّه وَيَدْعُونَ إِلَى الْخَيْر وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَر ثُمَّ لَمَّا بَدَّلُوا وَحَرَّفُوا وَأَوَّلُوا سُلِبُوا ذَلِكَ الْمَقَام وَصَارَتْ قُلُوبهمْ قَاسِيَة يُحَرِّفُونَ الْكَلِم عَنْ مَوَاضِعه فَلَا عَمَلًا صَالِحًا وَلَا اِعْتِقَادًا صَحِيحًا وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيل الْكِتَاب" قَالَ قَتَادَة وَسُفْيَان لَمَّا صَبَرُوا عَنْ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَسَن بْن صَالِح قَالَ سُفْيَان : هَكَذَا كَانَ هَؤُلَاءِ وَلَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَكُون إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ حَتَّى يَتَحَامَى عَنْ الدُّنْيَا قَالَ وَكِيع قَالَ سُفْيَان لَا بُدّ لِلدِّينِ مِنْ الْعِلْم كَمَا لَا بُدّ لِلْجَسَدِ مِنْ الْخُبْز وَقَالَ اِبْن بِنْت الشَّافِعِيّ قَرَأَ أَبِي عَلَى عَمِّي أَوْ عَمِّي عَلَى أَبِي سُئِلَ سُفْيَان عَنْ قَوْل عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ الصَّبْر مِنْ الْإِيمَان بِمَنْزِلَةِ الرَّأْس مِنْ الْجَسَد أَلَمْ تَسْمَع قَوْله" وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّة يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا" قَالَ لَمَّا أَخَذُوا بِرَأْسِ الْأَمْر صَارُوا رُءُوسًا قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء بِالصَّبْرِ وَالْيَقِين تُنَال الْإِمَامَة فِي الدِّين وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيل الْكِتَاب وَالْحُكْم وَالنُّبُوَّة وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَات وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَات مِنْ الْأَمْر " الْآيَة.
وَقَوْله : { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَجَعَلْنَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل أَئِمَّة , وَهِيَ جَمْع إِمَام , وَالْإِمَام الَّذِي يُؤْتَمّ بِهِ فِي خَيْر أَوْ شَرّ , وَأُرِيد بِذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِع أَنَّهُ جَعَلَ مِنْهُمْ قَادَة فِي الْخَيْر , يُؤْتَمّ بِهِمْ , وَيُهْتَدَى بِهَدْيِهِمْ . كَمَا : 21561 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّة يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا } قَالَ : رُؤَسَاء فِي الْخَيْر , وَقَوْله { يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : يَهْدُونَ أَتْبَاعهمْ وَأَهْل الْقَبُول مِنْهُمْ بِإِذْنِنَا لَهُمْ بِذَلِكَ , وَتَقْوِيَتنَا إِيَّاهُمْ عَلَيْهِ . وَقَوْله : { لَمَّا صَبَرُوا } اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة , وَبَعْض أَهْل الْكُوفَة : { لَمَّا صَبَرُوا } بِفَتْحِ اللَّام وَتَشْدِيد الْمِيم , بِمَعْنَى : إِذْ صَبَرُوا , وَحِين صَبَرُوا , وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة : " لِمَا " بِكَسْرِ اللَّام وَتَخْفِيف الْمِيم , بِمَعْنَى : لِصَبْرِهِمْ عَنْ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتهَا , وَاجْتِهَادهمْ فِي طَاعَتنَا , وَالْعَمَل بِأَمْرِنَا , وَذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود : " بِمَا صَبَرُوا " . وَمَا إِذَا كُسِرَتْ اللَّام مِنْ " لِمَا " فِي مَوْضِع خَفْض , وَإِذَا فُتِحَتْ اللَّام وَشُدِّدَتْ الْمِيم , فَلَا مَوْضِعَ لَهَا , لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ أَدَاة . وَالْقَوْل عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى , قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا عَامَّة مِنْ الْقُرَّاء فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيبٌ , وَتَأْوِيل الْكَلَام إِذَا قُرِئَ ذَلِكَ بِفَتْحِ اللَّام وَتَشْدِيد الْمِيم : وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّة يَهْدُونَ أَتْبَاعهمْ بِإِذْنِنَا إِيَّاهُمْ , وَتَقْوِيَتنَا إِيَّاهُمْ عَلَى الْهِدَايَة , إِذْ صَبَرُوا عَلَى طَاعَتنَا , وَعَزَفُوا أَنْفُسهمْ عَنْ لَذَّات الدُّنْيَا وَشَهَوَاتهَا , وَإِذَا قُرِئَ بِكَسْرِ اللَّام عَلَى مَا قَدْ وَصَفْنَا , وَقَدْ : 21562 -حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : قَالَ أَبِي , سَمِعْنَا فِي { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّة يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا } قَالَ : عَنْ الدُّنْيَا .


وَقَوْله : { وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ } يَقُول : وَكَانُوا أَهْل يَقِين بِمَا دَلَّهُمْ عَلَيْهِ حُجَجنَا , وَأَهْل تَصْدِيق بِمَا تَبَيَّنَ لَهُمْ مِنْ الْحَقّ ; وَإِيمَان بِرُسُلِنَا , وَآيَات كِتَابنَا وَتَنْزِيلنَا .
مشاركة الموضوع