تفسير القرطبي

سورة الروم الآية ٦

وَعْدَ ٱللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٦﴾
لِأَنَّ كَلَامه صِدْق . وَانْتَصَبَ " وَعْد اللَّه " عَلَى الْمَصْدَر ; أَيْ وَعَدَ ذَلِكَ وَعْدًا .


وَهُمْ الْكُفَّار وَهُمْ أَكْثَر . وَقِيلَ : الْمُرَاد مُشْرِكُو مَكَّة .
وعد الله المؤمنين وعدا جازما لا يتخلف, بنصر الروم النصارى على الفرس الوثنيين, ولكن أكثر كفار (مكة) لا يعلمون أن ما وعد الله به حق,
وعد الله المؤمنين وعدًا جازمًا لا يتخلف، بنصر الروم النصارى على الفرس الوثنيين، ولكن أكثر كفار "مكة" لا يعلمون أن ما وعد الله به حق، وإنما يعلمون ظواهر الدنيا وزخرفها، وهم عن أمور الآخرة وما ينفعهم فيها غافلون، لا يفكرون فيها.
"وَعْد اللَّه" مَصْدَر بَدَل مِنْ اللَّفْظ بِفِعْلِهِ وَالْأَصْل وَعَدَهُمْ اللَّه النَّصْر "لَا يُخْلِف اللَّه وَعْده" بِهِ "وَلَكِنَّ أَكْثَر النَّاس" أَيْ كُفَّار مَكَّة "لَا يَعْلَمُونَ" وَعْده تَعَالَى بِنَصْرِهِمْ
قَوْله تَعَالَى : " وَعْد اللَّه لَا يُخْلِف اللَّه وَعْده " أَيْ هَذَا الَّذِي أَخْبَرْنَاك بِهِ يَا مُحَمَّد مِنْ أَنَّا سَنَنْصُرُ الرُّوم عَلَى فَارِس وَعْد مِنْ اللَّه حَقّ وَخَبَر صِدْق لَا يُخْلَف وَلَا بُدّ مِنْ كَوْنه وَوُقُوعه لِأَنَّ اللَّه قَدْ جَرَتْ سُنَّته أَنْ يَنْصُر أَقْرَب الطَّائِفَتَيْنِ الْمُقْتَتِلَتَيْنِ إِلَى الْحَقّ وَيَجْعَل لَهَا الْعَاقِبَة " وَلَكِنَّ أَكْثَر النَّاس لَا يَعْلَمُونَ " أَيْ بِحُكْمِ اللَّه فِي كَوْنه وَأَفْعَاله الْمُحْكَمَة الْجَارِيَة عَلَى وَفْق الْعَدْل .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَعْد اللَّه لَا يُخْلِف اللَّه وَعْده } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَعْد اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ , وَعَدَ أَنَّ الرُّوم سَتَغْلِبُ فَارِس مِنْ بَعْد غَلَبَة فَارِس لَهُمْ . وَنُصِبَ { وَعْد اللَّه } عَلَى الْمَصْدَر مِنْ قَوْله { وَهُمْ مِنْ بَعْد غَلَبهمْ سَيَغْلِبُونَ } لِأَنَّ ذَلِكَ وَعْد مِنْ اللَّه لَهُمْ أَنَّهُمْ سَيَغْلِبُونَ , فَكَأَنَّهُ قَالَ : وَعَدَ اللَّه ذَلِكَ الْمُؤْمِنِينَ وَعْدًا . { لَا يُخْلِف اللَّه وَعْده } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ اللَّه يَفِي بِوَعْدِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنَّ الرُّوم سَيَغْلِبُونَ فَارِس , لَا يُخْلِفهُمْ وَعْده ذَلِكَ , لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَوَاعِيده خُلْف .

{ وَلَكِنَّ أَكْثَر النَّاس لَا يَعْلَمُونَ } يَقُول : وَلَكِنَّ أَكْثَر قُرَيْش الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِأَنَّ اللَّه مُنْجِز وَعْده الْمُؤْمِنِينَ , مِنْ أَنَّ الرُّوم تَغْلِب فَارِس , لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَأَنَّهُ لَا يَجُوز أَنْ يَكُون فِي وَعْد اللَّه إِخْلَاف.
مشاركة الموضوع