تفسير القرطبي

سورة آل عمران الآية ٩٤

فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ﴿٩٤﴾
قَالَ الزَّجَّاج : فِي هَذِهِ الْآيَة أَعْظَم دَلَالَة لِنُبُوَّةِ مُحَمَّد نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي كِتَابهمْ , وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَأَبَوْا ; يَعْنِي عَرَفُوا أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ بِالْوَحْيِ . وَقَالَ عَطِيَّة الْعَوْفِيّ : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا عَلَيْهِمْ بِتَحْرِيمِ يَعْقُوب ذَلِكَ عَلَيْهِمْ . وَذَلِكَ أَنَّ إِسْرَائِيل قَالَ حِين أَصَابَهُ عِرْق النَّسَا : وَاَللَّه لَئِنْ عَافَانِي اللَّه مِنْهُ لَا يَأْكُلهُ لِي وَلَد ; وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : لَمْ يُحَرِّمهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي التَّوْرَاة عَلَيْهِمْ وَإِنَّمَا حَرَّمَهُ بَعْد التَّوْرَاة بِظُلْمِهِمْ وَكُفْرهمْ , وَكَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيل إِذَا أَصَابُوا ذَنْبًا عَظِيمًا حَرَّمَ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِمْ طَعَامًا طَيِّبًا , أَوْ صَبَّ عَلَيْهِمْ رِجْزًا وَهُوَ الْمَوْت ; فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَات أُحِلَّتْ لَهُمْ " [ النِّسَاء : 160 ] الْآيَة . وَقَوْله : " وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلّ ذِي ظُفْر " الْآيَة - إِلَى قَوْله : " ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ " [ الْأَنْعَام : 146 ] .

تَرْجَمَ اِبْن مَاجَهْ فِي سُنَنه " دَوَاء عِرْق النَّسَا " حَدَّثَنَا هِشَام بْن عَمَّار وَرَاشِد بْن سَعِيد الرَّمْلِيّ قَالَا حَدَّثَنَا الْوَلِيد بْن مُسْلِم حَدَّثَنَا هِشَام بْن حَسَّان حَدَّثَنَا أَنَس بْن سِيرِينَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَس بْن مَالِك يَقُول : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( شِفَاء عِرْق النَّسَا أَلْيَة شَاة أَعْرَابِيَّة تُذَاب ثُمَّ تُجَزَّأ ثَلَاثَة أَجْزَاء ثُمَّ يُشْرَب عَلَى الرِّيق فِي كُلّ يَوْم جُزْء ) . وَأَخْرَجَهُ الثَّعْلَبِيّ فِي تَفْسِيره أَيْضًا مِنْ حَدِيث أَنَس بْن مَالِك قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عِرْق النَّسَا : ( تُؤْخَذ أَلْيَة كَبْش عَرَبِيّ لَا صَغِير وَلَا كَبِير فَتُقَطَّع صِغَارًا فَتُخْرَج إِهَالَته فَتَنْقَسِم ثَلَاثَة أَقْسَام فِي كُلّ يَوْم عَلَى رِيق النَّفَس ثُلُثًا ) قَالَ أَنَس : فَوَصَفْته لِأَكْثَر مِنْ مِائَة فَبَرَأَ بِإِذْنِ اللَّه تَعَالَى . شُعْبَة : حَدَّثَنِي شَيْخ فِي زَمَن الْحَجَّاج بْن يُوسُف فِي عِرْق النَّسَا : أُقْسِم لَك بِاَللَّهِ الْأَعْلَى لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَكْوِيَنَّك بِنَارٍ أَوْ لَأَحْلِقَنَّك بِمُوسَى . قَالَ شُعْبَة : قَدْ جَرَّبْته , تَقُولهُ , وَتَمْسَح عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِع .
وإن أبى ولم ينقد بعد هذا البيان, تبين كذبه وافتراؤه, وظلمه وبطلان ما هو عليه, وهو الواقع من اليهود.
فمَن كذب على الله من بعد قراءة التوراة ووضوح الحقيقة، فأولئك هم الظالمون القائلون على الله بالباطل.
"فَمَنْ افْتَرَى عَلَى اللَّه الْكَذِب مِنْ بَعْد ذَلِكَ" أَيْ ظُهُور الْحُجَّة بِأَنَّ التَّحْرِيم إنَّمَا كَانَ مِنْ جِهَة يَعْقُوب لَا عَلَى عَهْد إبْرَاهِيم "فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ" الْمُتَجَاوِزُونَ الْحَقّ إلَى الْبَاطِل
أَيْ فَمَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّه وَادَّعَى أَنَّهُ شَرَّعَ لَهُمْ السَّبْت وَالتَّمَسُّك بِالتَّوْرَاةِ دَائِمًا وَإِنَّهُ لَمْ يَبْعَث نَبِيًّا آخَر يَدْعُو إِلَى اللَّه تَعَالَى بِالْبَرَاهِينِ وَالْحُجَج بَعْد هَذَا الَّذِي بَيَّنَاهُ مِنْ وُقُوع النَّسْخ وَظُهُور مَا ذَكَرْنَا " فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ " .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه الْكَذِب مِنْ بَعْد ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ : فَمَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّه مِنَّا وَمِنْكُمْ مِنْ بَعْد مَجِيئِكُمْ بِالتَّوْرَاةِ , وَتِلَاوَتكُمْ إِيَّاهَا , وَعَدَمكُمْ مَا اِدَّعَيْتُمْ مِنْ تَحْرِيم اللَّه الْعُرُوق وَلُحُوم الْإِبِل وَأَلْبَانهَا فِيهَا , { فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } يَعْنِي : فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ { فَأُولَئِكَ } يَعْنِي فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ , { هُمْ الظَّالِمُونَ } يَعْنِي فَهُمْ الْكَافِرُونَ الْقَائِلُونَ عَلَى اللَّه الْبَاطِل . كَمَا : 5860 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ زَكَرِيَّا , عَنْ الشَّعْبِيّ : { فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } قَالَ : نَزَلَتْ فِي الْيَهُود .
مشاركة الموضوع