تفسير القرطبي

سورة آل عمران الآية ٨٩

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ ﴿٨٩﴾
هُوَ الْحَارِث بْن سُوَيْد كَمَا تَقَدَّمَ . وَيَدْخُل فِي الْآيَة بِالْمَعْنَى كُلّ مَنْ رَاجَعَ الْإِسْلَام وَأَخْلَصَ .
ثم إنه تعالى استثنى من هذا الوعيد, التائبين من كفرهم وذنوبهم, المصلحين لعيوبهم, فإن الله يغفر لهم ما قدموه, ويعفو عنهم ما أسلفوه.
إلا الذين رجعوا إلى ربهم بالتوبة النصوح من بعد كفرهم وظلمهم، وأصلحوا ما أفسدوه بتوبتهم فإن الله يقبلها، فهو غفور لذنوب عباده، رحيم بهم.
"إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْد ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا" عَمَلهمْ "فَإِنَّ اللَّه غَفُور" لَهُمْ "رَحِيم" بِهِمْ
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى " إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْد ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّه غَفُور رَحِيم " وَهَذَا مِنْ لُطْفه وَبِرّه وَرَأْفَته وَرَحْمَته وَعَائِدَته عَلَى خَلْقه أَنَّ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ تَابَ عَلَيْهِ .
ثُمَّ اِسْتَثْنَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْد إِيمَانهمْ , فَقَالَ تَعَالَى ذِكْره : { إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْد ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا } يَعْنِي : إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْد اِرْتِدَادهمْ عَنْ إِيمَانهمْ , فَرَاجَعُوا الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ , وَصَدَّقُوا بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيّهمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْد رَبّهمْ .

{وَأَصْلَحُوا } يَعْنِي : وَعَمِلُوا الصَّالِحَات مِنْ الْأَعْمَال .

{ فَإِنَّ اللَّه غَفُور رَحِيم } يَعْنِي فَإِنَّ اللَّه لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْد كُفْره { غَفُور } يَعْنِي : سَاتِر عَلَيْهِ ذَنْبه الَّذِي كَانَ مِنْهُ مِنْ الرِّدَّة , فَتَارِك عُقُوبَته عَلَيْهِ , وَفَضِيحَته بِهِ يَوْم الْقِيَامَة , غَيْر مُؤَاخَذه بِهِ إِذَا مَاتَ عَلَى التَّوْبَة مِنْهُ , رَحِيم مُتَعَطِّف عَلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ .
مشاركة الموضوع