تفسير القرطبي

سورة آل عمران الآية ٥٦

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًۭا شَدِيدًۭا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ﴿٥٦﴾
يَعْنِي بِالْقَتْلِ وَالصَّلْب وَالسَّبْي وَالْجِزْيَة , وَفِي الْآخِرَة بِالنَّارِ .
ثم بين ما يفعله بهم فقال: " فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا " الآيتين.
وهذا الجزاء عام لكل من اتصف بهذه الأوصاف, من جميع أهل الأديان السابقة.
ثم لما بعث سيد المرسلين, وخاتم النبيين, ونسخت رسالته, الرسالات كلها, ونسخ دينه, جميع الأديان, صار المتمسك بغير هذا الدين, من الهالكين.
فأمَّا الذين كفروا بالمسيح من اليهود أو غَلَوا فيه من النصارى، فأعذبهم عذابًا شديدًا في الدنيا: بالقتل وسلْبِ الأموال وإزالة الملك، وفي الآخرة بالنار، وما لهم مِن ناصر ينصرهم ويدفع عنهم عذاب الله.
"فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا" بِالْقَتْلِ وَالسَّبْي وَالْجِزْيَة "وَالْآخِرَة" بِالنَّارِ "وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ" مَانِعِينَ مِنْهُ
وَكَذَلِكَ فَعَلَ بِمَنْ كَفَرَ بِالْمَسِيحِ مِنْ الْيَهُود أَوْ غَلَا فِيهِ أَوْ أَطْرَاهُ مِنْ النَّصَارَى عَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا بِالْقَتْلِ وَالسَّبْي وَأَخْذ الْأَمْوَال وَإِزَالَة الْأَيْدِي عَنْ الْمَمَالِك وَفِي الدَّار الْآخِرَة عَذَابهمْ أَشَدّ وَأَشَقّ " وَمَا لَهُمْ مِنْ اللَّه مِنْ وَاقٍ " .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا } فَأَمَّا الَّذِينَ جَحَدُوا نُبُوَّتك يَا عِيسَى , وَخَالَفُوا مِلَّتك , وَكَذَّبُوا بِمَا جِئْتهمْ بِهِ مِنْ الْحَقّ , وَقَالُوا فِيك الْبَاطِل , وَأَضَافُوك إِلَى غَيْر الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُضِيفُوك إِلَيْهِ مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى , وَسَائِر أَصْنَاف الْأَدْيَان ; فَإِنِّي أُعَذِّبهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ; أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَبِالْقَتْلِ وَالسِّبَاء وَالذِّلَّة وَالْمَسْكَنَة ; وَأَمَّا فِي الْآخِرَة , فَبِنَارِ جَهَنَّم خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا .

{ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ } يَقُول : وَمَا لَهُمْ مِنْ عَذَاب اللَّه مَانِع , وَلَا عَنْ أَلِيم عِقَابه لَهُمْ دَافِع بِقُوَّةٍ وَلَا شَفَاعَة , لِأَنَّهُ الْعَزِيز ذُو الِانْتِقَام .
مشاركة الموضوع