تفسير القرطبي

سورة آل عمران الآية ٤٩

وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنِّى قَدْ جِئْتُكُم بِـَٔايَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّىٓ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿٤٩﴾
أَيْ وَنَجْعَلهُ رَسُولًا . أَوْ يُكَلِّمهُمْ رَسُولًا . وَقِيلَ : هُوَ مَعْطُوف عَلَى قَوْله " وَجِيهًا " . وَقَالَ الْأَخْفَش : وَإِنْ شِئْت جَعَلْت الْوَاو فِي قَوْله " وَرَسُولًا " مُقْحَمَة وَالرَّسُول حَالًا لِلْهَاءِ , تَقْدِيره وَيُعَلِّمهُ الْكِتَاب رَسُولًا . وَفِي حَدِيث أَبِي ذَرّ الطَّوِيل ( وَأَوَّل أَنْبِيَاء بَنِي إِسْرَائِيل مُوسَى وَآخِرهمْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام ) .



أَيْ أُصَوِّر وَأُقَدِّر لَكُمْ .



قَرَأَ الْأَعْرَج وَأَبُو جَعْفَر " كَهَيَّة " بِالتَّشْدِيدِ . الْبَاقُونَ بِالْهَمْزِ . وَالطَّيْر يُذَكَّر وَيُؤَنَّث .



أَيْ فِي الْوَاحِد مِنْهُ أَوْ مِنْهَا أَوْ فِي الطِّين فَيَكُون طَائِرًا . وَطَائِر وَطَيْر مِثْل تَاجِر وَتَجْر . قَالَ وَهْب : كَانَ يَطِير مَا دَامَ النَّاس يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَإِذَا غَابَ عَنْ أَعْيُنهمْ سَقَطَ مَيِّتًا لِيَتَمَيَّز فِعْل الْخَلْق مِنْ فِعْل اللَّه تَعَالَى . وَقِيلَ : لَمْ يَخْلُق غَيْر الْخُفَّاش لِأَنَّهُ أَكْمَل الطَّيْر خَلْقًا لِيَكُونَ أَبْلَغ فِي الْقُدْرَة لِأَنَّ لَهَا ثَدْيًا وَأَسْنَانًا وَأُذُنًا , وَهِيَ تَحِيض وَتَطْهُر وَتَلِد . وَيُقَال : إِنَّمَا طَلَبُوا خَلْق خُفَّاش لِأَنَّهُ أَعْجَب مِنْ سَائِر الْخَلْق ; وَمِنْ عَجَائِبه أَنَّهُ لَحْم وَدَم يَطِير بِغَيْرِ رِيش وَيَلِد كَمَا يَلِد الْحَيَوَان وَلَا يَبِيض كَمَا يَبِيض سَائِر الطُّيُور , فَيَكُون لَهُ الضَّرْع يَخْرُج مِنْهُ اللَّبَن , وَلَا يُبْصِر فِي ضَوْء النَّهَار وَلَا فِي ظُلْمَة اللَّيْل , وَإِنَّمَا يَرَى فِي سَاعَتَيْنِ : بَعْد غُرُوب الشَّمْس سَاعَة وَبَعْد طُلُوع الْفَجْر سَاعَة قَبْل أَنْ يُسْفِر جِدًّا , وَيَضْحَك كَمَا يَضْحَك الْإِنْسَان , وَيَحِيض كَمَا تَحِيض الْمَرْأَة . وَيُقَال : إِنَّ سُؤَالهمْ كَانَ لَهُ عَلَى وَجْه التَّعَنُّت فَقَالُوا : اِخْلُقْ لَنَا خُفَّاشًا وَاجْعَلْ فِيهِ رُوحًا إِنْ كُنْت صَادِقًا فِي مَقَالَتك ; فَأَخَذَ طِينًا وَجَعَلَ مِنْهُ خُفَّاشًا ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ فَإِذَا هُوَ يَطِير بَيْنَ السَّمَاء وَالْأَرْض ; وَكَانَ تَسْوِيَة الطِّين وَالنَّفْخ مِنْ عِيسَى وَالْخَلْق مِنْ اللَّه , كَمَا أَنَّ النَّفْخ مِنْ جِبْرِيل وَالْخَلْق مِنْ اللَّه .



الْأَكَمَة : الَّذِي يُولَد أَعْمَى ; عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَة قَالَ : هُوَ الَّذِي يُولَد أَعْمَى ; وَأَنْشَدَ لِرُؤْبَة : فَارْتَدَّ اِرْتِدَاد الْأَكْمَه وَقَالَ اِبْن فَارِس : الْكَمَه الْعَمَى يُولَد بِهِ الْإِنْسَان وَقَدْ يَعْرِض . قَالَ سُوَيْد : كَمَهَتْ عَيْنَاهُ حَتَّى اِبْيَضَّتَا مُجَاهِد : هُوَ الَّذِي يُبْصِر بِالنَّهَارِ وَلَا يُبْصِر بِاللَّيْلِ . عِكْرِمَة : هُوَ الْأَعْمَش , وَلَكِنَّهُ فِي اللُّغَة الْعَمَى ; يُقَال كَمِهَ يَكْمَه كَمَهًا وَكَمَّهْتهَا أَنَا إِذَا أَعْمَيْتهَا . وَالْبَرَص مَعْرُوف وَهُوَ بَيَاض يَعْتَرِي الْجِلْد , وَالْأَبْرَص الْقَمَر , وَسَامّ أَبْرَص مَعْرُوف , وَيُجْمَع عَلَى الْأَبَارِص . وَخُصَّ هَذَانِ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمَا عَيَاءَانِ . وَكَانَ الْغَالِب عَلَى زَمَن عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام الطِّبّ فَأَرَاهُمْ اللَّه الْمُعْجِزَة مِنْ جِنْس ذَلِكَ . " وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّه " قِيلَ : أَحْيَا أَرْبَعَة أَنْفُس : الْعَاذِر : وَكَانَ صَدِيقًا لَهُ , وَابْن الْعَجُوز وَابْنَة الْعَاشِر وَسَام بْن نُوح ; فَاَللَّه أَعْلَم . فَأَمَّا الْعَاذِر فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ تُوُفِّيَ قَبْل ذَلِكَ بِأَيَّامٍ فَدَعَا اللَّه فَقَامَ بِإِذْنِ اللَّه وَوَدَكه يَقْطُر فَعَاشَ وَوُلِدَ لَهُ , وَأَمَّا اِبْن الْعَجُوز فَإِنَّهُ مَرَّ بِهِ يُحْمَل عَلَى سَرِيره فَدَعَا اللَّه فَقَامَ وَلَبِسَ ثِيَابه وَحَمَلَ السَّرِير عَلَى عُنُقه وَرَجَعَ إِلَى أَهْله . وَأَمَّا بِنْت الْعَاشِر فَكَانَ أَتَى عَلَيْهَا لَيْلَة فَدَعَا اللَّه فَعَاشَتْ بَعْد ذَلِكَ وَوُلِدَ لَهَا ; فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَالُوا : إِنَّك تُحْيِي مَنْ كَانَ مَوْته قَرِيبًا فَلَعَلَّهُمْ لَمْ يَمُوتُوا فَأَصَابَتْهُمْ سَكْتَة فَأَحْيِي لَنَا سَام بْن نُوح . فَقَالَ لَهُمْ : دُلُّونِي عَلَى قَبْره , فَخَرَجَ وَخَرَجَ الْقَوْم مَعَهُ , حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى قَبْره فَدَعَا اللَّه فَخَرَجَ مِنْ قَبْره وَقَدْ شَابَ رَأْسه . فَقَالَ لَهُ عِيسَى : كَيْفَ شَابَ رَأْسك وَلَمْ يَكُنْ فِي زَمَانكُمْ شَيْب ؟ فَقَالَ : يَا رُوح اللَّه , إِنَّك دَعَوْتنِي فَسَمِعْت صَوْتًا يَقُول : أَجِبْ رُوح اللَّه , فَظَنَنْت أَنَّ الْقِيَامَة قَدْ قَامَتْ , فَمِنْ هَوْل ذَلِكَ شَابَ رَأْسِي . فَسَأَلَهُ عَنْ النَّزْع فَقَالَ : يَا رُوح اللَّه إِنَّ مَرَارَة النَّزْع لَمْ تَذْهَب عَنْ حَنْجَرَتِي ; وَقَدْ كَانَ مِنْ وَقْت مَوْته أَكْثَر مِنْ أَرْبَعَة آلَاف سَنَة , فَقَالَ لِلْقَوْمِ : صَدِّقُوهُ فَإِنَّهُ نَبِيّ ; فَآمَنَ بِهِ بَعْضهمْ وَكَذَّبَهُ بَعْضهمْ وَقَالُوا : هَذَا سِحْر . وَرُوِيَ مِنْ حَدِيث إِسْمَاعِيل بْن عَيَّاش قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن طَلْحَة عَنْ رَجُل أَنَّ عِيسَى ابْن مَرْيَم كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأ فِي الْأُولَى : " تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْك " [ الْمُلْك : 1 ] . وَفِي الثَّانِيَة " تَنْزِيل " [ السَّجْدَة : 2 ] فَإِذَا فَرَغَ حَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ دَعَا بِسَبْعَةِ أَسْمَاء : يَا قَدِيم يَا خَفِيّ يَا دَائِم يَا فَرْد يَا وِتْر يَا أَحَد يَا صَمَد ; ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيّ وَقَالَ : لَيْسَ إِسْنَاده بِالْقَوِيِّ .



أَيْ بِاَلَّذِي تَأْكُلُونَهُ وَمَا تَدَّخِرُونَ . وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا أَحْيَا لَهُمْ الْمَوْتَى طَلَبُوا مِنْهُ آيَة أُخْرَى وَقَالُوا : أَخْبِرْنَا بِمَا نَأْكُل فِي بُيُوتنَا وَمَا نَدَّخِر لِلْغَدِ ; فَأَخْبَرَهُمْ فَقَالَ : يَا فُلَان أَنْتَ أَكَلْت كَذَا وَكَذَا , وَأَنْتَ أَكَلْت كَذَا وَكَذَا وَادَّخَرْت كَذَا وَكَذَا ; فَذَلِكَ قَوْله " وَأُنَبِّئكُمْ " الْآيَة . وَقَرَأَ مُجَاهِد وَالزُّهْرِيّ وَالسِّخْتِيَانِيّ " وَمَا تَذْخَرُونَ " بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة مُخَفَّفًا . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر وَغَيْره : كَانَ يُخْبِر الصِّبْيَان فِي الْكُتَّاب بِمَا يَدَّخِرُونَ حَتَّى مَنَعَهُمْ آبَاؤُهُمْ مِنْ الْجُلُوس مَعَهُ . قَتَادَة : أَخْبَرَهُمْ بِمَا أَكَلُوهُ مِنْ الْمَائِدَة وَمَا اِدَّخَرُوهُ مِنْهَا خُفْيَة .
ويجعله رسولا " إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ " ويؤيده بالآيات البينات, والأدلة القاهرة حيث قال: " أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ " تدلكم أني رسول الله حقا.
وذلك " أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ " وهو ممسوح العينين, الذي فقد بصره وعيناه " وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ " المذكور " لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ "
ويجعله رسولا إلى بني إسرائيل، ويقول لهم: إني قد جئتكم بعلامة من ربكم تدلُّ على أني مرسل من الله، وهي أني أصنع لكم من الطين مثل شكل الطير، فأنفخ فيه فيكون طيرًا حقيقيا بإذن الله، وأَشفي مَن وُلِد أعمى، ومَن به برص، وأُحيي من كان ميتًا بإذن الله، وأخبركم بما تأكلون وتدَّخرون في بيوتكم من طعامكم. إن في هذه الأمور العظيمة التي ليست في قدرة البشر لدليلا على أني نبي الله ورسوله، إن كنتم مصدِّقين حجج الله وآياته، مقرِّين بتوحيده.
"و" يَجْعَلهُ "رَسُولًا إلَى بَنِي إسْرَائِيل" فِي الصِّبَا أَوْ بَعْد الْبُلُوغ فَنَفَخَ جِبْرِيل فِي جَيْب دِرْعهَا فَحَمَلَتْ وَكَانَ مِنْ أَمْرهَا مَا ذُكِرَ فِي سُورَة مَرْيَم فَلَمَّا بَعَثَهُ اللَّه إلَى بَنِي إسْرَائِيل قَالَ لَهُمْ : إنِّي رَسُول اللَّه إلَيْكُمْ "أَنِّي" أَيْ بِأَنِّي "قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ" عَلَامَة عَلَى صِدْقِي "مِنْ رَبّكُمْ" هِيَ "أَنِّي" وَفِي قِرَاءَة بِالْكَسْرِ اسْتِئْنَافًا "أَخْلُق" أُصَوِّر "لَكُمْ مِنْ الطِّين كَهَيْئَةِ الطَّيْر" مِثْل صُورَته فَالْكَاف اسْم مَفْعُول "فَأَنْفُخ فِيهِ" الضَّمِير لِلْكَافِ "فَيَكُون طَيْرًا" وَفِي قِرَاءَة طَائِرًا "بِإِذْنِ اللَّه" بِإِرَادَتِهِ فَخَلَقَ لَهُمْ الْخُفَّاش لِأَنَّهُ أَكْمَل الطَّيْر خَلْقًا فَكَانَ يَطِير وَهُمْ يَنْظُرُونَهُ فَإِذَا غَابَ عَنْ أَعْيُنهمْ سَقَطَ مَيِّتًا "وَأُبْرِئ" أُشْفِي "الْأَكْمَه" الَّذِي وُلِدَ أَعْمَى "وَالْأَبْرَص" وَخُصَّا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمَا دَاءَا إعْيَاء وَكَانَ بَعْثه فِي زَمَن الطِّبّ فَأَبْرَأ فِي يَوْم خَمْسِينَ أَلْفًا بِالدُّعَاءِ بِشَرْطِ الْإِيمَان " وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّه" كَرَّرَهُ لِنَفْيِ تَوَهُّم الْأُلُوهِيَّة فِيهِ فَأَحْيَا عَازِر صَدِيقًا لَهُ وَابْن الْعَجُوز وَابْنَة الْعَاشِر فَعَاشُوا وَوُلِدَ لَهُمْ وَسَام بْن نُوح وَمَاتَ فِي الْحَال "وَأُنَبِّئكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ" تُخَبِّئُونَ "فِي بُيُوتكُمْ" مِمَّا لَمْ أُعَايِنهُ فَكَانَ يُخْبِر الشَّخْص بِمَا أَكَلَ وَبِمَا يَأْكُل بَعْد "إنَّ فِي ذَلِكَ" الْمَذْكُور "لآية لكم إن كنتم مؤمنين"
قَوْله " وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيل " قَائِلًا لَهُمْ " أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبّكُمْ أَنِّي أَخْلُق لَكُمْ مِنْ الطِّين كَهَيْئَةِ الطَّيْر فَأَنْفُخ فِيهِ فَيَكُون طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّه " وَكَذَلِكَ كَانَ يَفْعَل يُصَوِّر مِنْ الطِّين شَكْل طَيْر ثُمَّ يَنْفُخ فِيهِ فَيَطِير عِيَانًا بِإِذْنِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي جَعَلَ هَذَا مُعْجِزَة لَهُ تَدُلّ عَلَى أَنَّهُ أَرْسَلَهُ " وَأُبْرِئُ الْأَكْمَه " قِيلَ : إِنَّهُ الَّذِي يُبْصِر نَهَارًا وَلَا يُبْصِر لَيْلًا وَقِيلَ بِالْعَكْسِ وَقِيلَ : الْأَعْشَى وَقِيلَ : الْأَعْمَش وَقِيلَ : هُوَ الَّذِي يُولَد أَعْمَى وَهُوَ أَشْبَه لِأَنَّهُ أَبْلَغ فِي الْمُعْجِزَة وَأَقْوَى فِي التَّحَدِّي " وَالْأَبْرَص" مَعْرُوف " وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّه " قَالَ كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء : بَعَثَ اللَّه كُلّ نَبِيّ مِنْ الْأَنْبِيَاء بِمَا يُنَاسِب أَهْل زَمَانه فَكَانَ الْغَالِب عَلَى زَمَان مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام السِّحْر وَتَعْظِيم السَّحَرَة فَبَعَثَهُ اللَّه بِمُعْجِزَةٍ بَهَرَتْ الْأَبْصَار وَحَيَّرَتْ كُلّ سَحَّار فَلَمَّا اِسْتَيْقَنُوا أَنَّهَا مِنْ عِنْد الْعَظِيم الْجَبَّار اِنْقَادُوا لِلْإِسْلَامِ وَصَارُوا مِنْ عِبَاد اللَّه الْأَبْرَار وَأَمَّا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام فَبُعِثَ فِي زَمَن الْأَطِبَّاء وَأَصْحَاب عِلْم الطَّبِيعَة فَجَاءَهُمْ مِنْ الْآيَات بِمَا لَا سَبِيل لِأَحَدٍ إِلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَكُون مُؤَيَّدًا مِنْ الَّذِي شَرَّعَ الشَّرِيعَة فَمِنْ أَيْنَ لِلطَّبِيبِ قُدْرَة عَلَى إِحْيَاء الْجَمَاد أَوْ عَلَى مُدَاوَاة الْأَكْمَه وَالْأَبْرَص وَبَعْث مَنْ هُوَ فِي قَبْره رَهِين إِلَى يَوْم التَّنَاد . وَكَذَلِكَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُعِثَ فِي زَمَان الْفُصَحَاء وَالْبُلَغَاء وَتَجَارِيد الشُّعَرَاء فَأَتَاهُمْ بِكِتَابٍ مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فَلَوْ اِجْتَمَعَتْ الْإِنْس وَالْجِنَّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ أَوْ بِعَشْرِ سُوَر مِنْ مِثْله أَوْ بِسُورَةٍ مِنْ مِثْله لَمْ يَسْتَطِيعُوا أَبَدًا وَلَوْ كَانَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا وَمَا ذَلِكَ إِلَّا أَنَّ كَلَام الرَّبّ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُشْبِه كَلَام الْخَلْق أَبَدًا وَقَوْله " وَأُنَبِّئكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتكُمْ " أَيْ أُخْبِركُمْ بِمَا أَكَلَ أَحَدكُمْ الْآن وَمَا هُوَ مُدَّخَر لَهُ فِي بَيْته لِغَدٍ " إِنَّ فِي ذَلِكَ " أَيْ فِي ذَلِكَ كُلّه " لَآيَة لَكُمْ " أَيْ عَلَى صِدْقِي فِيمَا جِئْتُكُمْ بِهِ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَرَسُولًا إِلَى بَنَى إِسْرَائِيل أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبّكُمْ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَرَسُولًا } وَنَجْعَلهُ رَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيل , فَتَرَكَ

ذِكْر " وَنَجْعَلهُ " , لِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَيْهِ , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : وَرَأَيْت زَوْجك فِي الْوَغَى مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا وَقَوْله : { أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبّكُمْ } بِمَعْنَى : وَنَجْعَلهُ رَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيل بِأَنَّهُ نَبِيّ وَبَشِير وَنَذِير ; وَحُجَّتِي عَنْ صِدْقِي عَلَى ذَلِكَ , أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبّكُمْ , يَعْنِي بِعَلَامَةٍ مِنْ رَبّكُمْ تُحَقِّق قَوْلِي وَتُصَدِّق خَبَرِي , أَنِّي رَسُول مِنْ رَبّكُمْ إِلَيْكُمْ . كَمَا : 5577 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر : { وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيل أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبّكُمْ } أَيْ تَحَقَّقَ بِهَا نُبُوَّتِي , وَأَنِّي رَسُول مِنْهُ إِلَيْكُمْ .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَنِّي أَخْلُق لَكُمْ مِنْ الطَّيْر كَهَيْئَةِ الطَّيْر فَأَنْفُخ فِيهِ فَيَكُون طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّه } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيل أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبّكُمْ . ثُمَّ بَيَّنَ عَنْ الْآيَة مَا هِيَ , فَقَالَ : { أَنِّي أَخْلُق لَكُمْ } فَتَأْوِيل الْكَلَام : وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيل بِأَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبّكُمْ بِأَنْ أَخْلُق لَكُمْ مِنْ الطِّين كَهَيْئَةِ الطَّيْر . وَالطَّيْر جَمْع طَائِر . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَهُ بَعْض أَهْل الْحِجَاز : " كَهَيْئَةِ الطَّائِر فَأَنْفُخ فِيهِ فَيَكُون طَائِرًا " , عَلَى التَّوْحِيد . وَقَرَأَهُ آخَرُونَ : { كَهَيْئَةِ الطَّيْر فَأَنْفُخ فِيهِ فَيَكُون طَيْرًا } عَلَى الْجِمَاع كِلَيْهِمَا . وَأَعْجَب الْقِرَاءَات إِلَيَّ فِي ذَلِكَ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : { كَهَيْئَةِ الطَّيْر فَأَنْفُخ فِيهِ فَيَكُون طَيْرًا } عَلَى الْجِمَاع فِيهِمَا جَمِيعًا , لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ صِفَة عِيسَى أَنَّهُ يَفْعَل ذَلِكَ بِإِذْنِ اللَّه , وَأَنَّهُ مُوَفَّق لِخَطِّ الْمُصْحَف , وَاتِّبَاع خَطّ الْمُصْحَف مَعَ صِحَّة الْمَعْنَى , وَاسْتِفَاضَة الْقِرَاءَة بِهِ أَعْجَب إِلَيَّ مِنْ خِلَاف الْمُصْحَف . وَكَانَ خَلْق عِيسَى : مَا كَانَ يَخْلُق مِنْ الطَّيْر . كَمَا : 5578 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثنا اِبْن إِسْحَاق : أَنَّ عِيسَى صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ , جَلَسَ يَوْمًا مَعَ غِلْمَان مِنْ الْكُتَّاب , فَأَخَذَ طِينًا , ثُمَّ قَالَ : أَجْعَل لَكُمْ مِنْ هَذَا الطِّين طَائِرًا ؟ قَالُوا : وَتَسْتَطِيع ذَلِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ بِإِذْنِ رَبِّي ! ثُمَّ هَيَّأَهُ حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ فِي هَيْئَة الطَّائِر نَفَخَ فِيهِ , ثُمَّ قَالَ : كُنْ طَائِرًا بِإِذْنِ اللَّه ! فَخَرَجَ يَطِير بَيْن كَفَّيْهِ , فَخَرَجَ الْغِلْمَان بِذَلِكَ مِنْ أَمْره فَذَكَرُوهُ لِمُعَلِّمِهِمْ , فَأَفْشَوْهُ فِي النَّاس .

وَتَرَعْرَعَ . فَهَمَّتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيل , فَلَمَّا خَافَتْ أُمّه عَلَيْهِ حَمَلَتْهُ عَلَى حَمِير لَهَا ثُمَّ خَرَجَتْ بِهِ هَارِبَة . وَذُكِرَ أَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُق الطَّيْر مِنْ الطِّين سَأَلَهُمْ : أَيّ الطَّيْر أَشَدّ خَلْقًا ؟ فَقِيلَ لَهُ الْخُفَّاش . كَمَا : 5579 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَوْله : { أَنِّي أَخْلُق لَكُمْ مِنْ الطِّين كَهَيْئَةِ الطَّيْر } قَالَ : أَيّ الطَّيْر أَشَدّ خَلْقًا ؟ قَالُوا : الْخُفَّاش إِنَّمَا هُوَ لَحْم , قَالَ فَفَعَلَ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ قِيلَ : { فَأَنْفُخ فِيهِ } وَقَدْ قِيلَ : { أَنِّي أَخْلُق لَكُمْ مِنْ الطِّين كَهَيْئَةِ الطَّيْر } ؟ قِيلَ : لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : فَأَنْفُخ فِي الطَّيْر . وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ : فَأَنْفُخ فِيهَا , كَانَ صَحِيحًا جَائِزًا , كَمَا قَالَ فِي الْمَائِدَة : " فَأَنْفُخ فِيهَا " 5 110 يُرِيد : فَأَنْفُخ فِي الْهَيْئَة , وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ : " فَأَنْفُخهَا " , بِغَيْرِ " فِي " , وَقَدْ تَفْعَل الْعَرَب مِثْل ذَلِكَ فَتَقُول : رُبَّ لَيْلَة قَدْ بِتّهَا وَبِتّ فِيهَا , قَالَ الشَّاعِر : مَا شُقَّ جَيْب وَلَا قَامَتْك نَائِحَة وَلَا بَكَتْك جِيَاد عِنْد أَسْلَاب بِمَعْنَى : وَلَا قَامَتْ عَلَيْك . وَكَمَا قَالَ الْآخَر : إِحْدَى بَنِي عَيِّذ اللَّه اِسْتَمَرَّ بِهَا حُلْو الْعُصَارَة حَتَّى يُنْفَخ الصُّور

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأُبْرِئ الْأَكَمَة وَالْأَبْرَص } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَأُبْرِئ } وَأَشْفِي , يُقَال مِنْهُ : أَبْرَأ اللَّه الْمَرِيض : إِذَا شَفَاهُ مِنْهُ , فَهُوَ يُبْرِئهُ إِبْرَاء , وَبَرَأَ الْمَرِيض فَهُوَ يَبْرَأ بُرْءًا , وَقَدْ يُقَال أَيْضًا : بَرِئَ الْمَرِيض فَهُوَ يَبْرَأ , لُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الْأَكْمَه , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ الَّذِي لَا يُبْصِر بِاللَّيْلِ , وَيُبْصِر بِالنَّهَارِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5580 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَأُبْرِئ الْأَكْمَه } قَالَ : الْأَكْمَه : الَّذِي يُبْصِر بِالنَّهَارِ , وَلَا يُبْصِر بِاللَّيْلِ , فَهُوَ يَتَكَمَّه . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الْأَعْمَى الَّذِي وَلَدَتْهُ أُمّه كَذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5581 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : كُنَّا نُحَدِّث أَنَّ الْأَكْمَه الَّذِي وُلِدَ وَهُوَ أَعْمَى مَضْمُوم الْعَيْنَيْنِ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { وَأُبْرِئ الْأَكْمَه وَالْأَبْرَص } قَالَ : كُنَّا نُحَدِّث أَنَّ الْأَكْمَه الَّذِي وُلِدَ وَهُوَ أَعْمَى مَضْمُوم الْعَيْنَيْنِ . 5582 - حُدِّثْت عَنْ الْمِنْجَاب , قَالَ : ثنا بِشْر , عَنْ عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : الْأَكْمَه : الَّذِي يُولَد وَهُوَ أَعْمَى . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ الْأَعْمَى . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5583 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَأُبْرِئ الْأَكْمَه } هُوَ الْأَعْمَى . 5584 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : الْأَعْمَى . 5585 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا

مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَأُبْرِئ الْأَكْمَه } قَالَ : الْأَكْمَه : الْأَعْمَى . 5586 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سِنَان , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر الْحَنَفِيّ , عَنْ عَبَّاد بْن مَنْصُور , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { وَأُبْرِئ الْأَكْمَه } قَالَ : الْأَعْمَى . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الْأَعْمَش . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5587 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا حَفْص بْن عُمَر , عَنْ الْحَكَم بْن أَبَان , عَنْ عِكْرِمَة فِي قَوْله : { وَأُبْرِئ الْأَكْمَه } قَالَ : الْأَعْمَش . وَالْمَعْرُوف عِنْد الْعَرَب مِنْ مَعْنَى الْكَمَه : الْعَمَى , يُقَال مِنْهُ : كَمِهَتْ عَيْنه , فَهِيَ تَكْمَه كَمَهًا , وَأَكْمَهْتُهَا أَنَا : إِذَا أَعْمَيْتهَا , كَمَا قَالَ سُوَيْد بْن أَبِي كَاهِل : كَمِهَتْ عَيْنَاهُ حَتَّى اِبْيَضَّتَا فَهُوَ يَلْحَى نَفْسه لَمَّا نَزَعْ وَمِنْهُ قَوْل رُؤْبَة : هَرَّجْت فَارْتَدَّ اِرْتِدَاد الْأَكْمَه فِي غَائِلَات الْحَائِر الْمُتَهْتِه وَإِنَّمَا أَخْبَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْ عِيسَى صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ , أَنَّهُ يَقُول ذَلِكَ لِبَنِي إِسْرَائِيل , اِحْتِجَاجًا مِنْهُ بِهَذِهِ الْعِبَر وَالْآيَات عَلَيْهِمْ فِي نُبُوَّته , وَذَلِكَ أَنَّ الْكَمَه وَالْبَرَص لَا عِلَاج لَهُمَا , فَيَقْدِر عَلَى إِبْرَائِهِ ذُو طِبّ بِعِلَاجٍ , فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَدِلَّته عَلَى صِدْق قِيله , أَنَّهُ لِلَّهِ رَسُول , لِأَنَّهُ مِنْ الْمُعْجِزَات مَعَ سَائِر الْآيَات الَّتِي أَعْطَاهُ اللَّه إِيَّاهَا دَلَالَة عَلَى نُبُوَّته . فَأَمَّا مَا قَالَ عِكْرِمَة , مِنْ أَنَّ الْكَمَه : الْعَمَش , وَمَا قَالَهُ مُجَاهِد : مِنْ أَنَّهُ سُوء الْبَصَر بِاللَّيْلِ , فَلَا مَعْنَى لَهُمَا , لِأَنَّ اللَّه لَا يَحْتَجّ عَلَى خَلْقه بِحُجَّةٍ تَكُون لَهُمْ السَّبِيل إِلَى مُعَارَضَته فِيهَا , وَلَوْ كَانَ مِمَّا اِحْتَجَّ بِهِ عِيسَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل فِي نُبُوَّته أَنَّهُ يُبْرِئ الْأَعْمَش , أَوْ الَّذِي يُبْصِر بِالنَّهَارِ وَلَا يُبْصِر بِاللَّيْلِ لَقَدَرُوا عَلَى مُعَارَضَته بِأَنْ يَقُولُوا : وَمَا فِي هَذَا لَك مِنْ الْحُجَّة , وَفِينَا خَلْق مِمَّا يُعَالِج ذَلِكَ وَلَيْسُوا لِلَّهِ أَنْبِيَاء وَلَا رُسُلًا , فَفِي ذَلِكَ دَلَالَة بَيِّنَة عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ الْأَكْمَه : هُوَ الْأَعْمَى الَّذِي لَا يُبْصِر شَيْئًا لَا لَيْلًا وَلَا نَهَارًا , وَهُوَ بِمَا قَالَ قَتَادَة : مِنْ أَنَّهُ الْمَوْلُود كَذَلِكَ أَشْبَه , لِأَنَّ عِلَاج مِثْل ذَلِكَ لَا يَدَّعِيه أَحَد مِنْ الْبَشَر , إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّه مِثْل الَّذِي أَعْطَى عِيسَى , وَكَذَلِكَ عِلَاج الْأَبْرَص .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّه } وَكَانَ إِحْيَاء عِيسَى الْمَوْتَى بِدُعَاءِ اللَّه , يَدْعُو لَهُمْ , فَيَسْتَجِيب لَهُ . كَمَا : 5588 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَهْل بْن عَسْكَر , قَالَ : ثنا إِسْمَاعِيل بْن عَبْد

الْكَرِيم , قَالَ : ثني عَبْد الصَّمَد بْن مَعْقِل أَنَّهُ سَمِعَ وَهْب بْن مُنَبِّه يَقُول : لَمَّا صَارَ عِيسَى اِبْن اِثْنَتَيْ عَشْرَة سَنَة , أَوْحَى اللَّه إِلَى أُمّه وَهِيَ بِأَرْضِ مِصْر , وَكَانَتْ هَرَبَتْ مِنْ قَوْمهَا حِين وَلَدَتْهُ إِلَى أَرْض مِصْر أَنْ اِطَّلِعِي بِهِ إِلَى الشَّام , فَفَعَلَتْ الَّذِي أُمِرَتْ بِهِ فَلَمْ تَزَلْ بِالشَّامِ حَتَّى كَانَ اِبْن ثَلَاثِينَ سَنَة , وَكَانَتْ نُبُوَّته ثَلَاث سِنِينَ , ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّه إِلَيْهِ . قَالَ : وَزَعَمَ وَهْب أَنَّهُ رُبَّمَا اِجْتَمَعَ عَلَى عِيسَى مِنْ الْمَرْضَى فِي الْجَمَاعَة الْوَاحِدَة خَمْسُونَ أَلْفًا , مَنْ أَطَاقَ مِنْهُمْ أَنْ يَبْلُغهُ بَلَغَهُ , وَمَنْ لَمْ يُطِقْ مِنْهُمْ ذَلِكَ أَتَاهُ عِيسَى يَمْشِي إِلَيْهِ , وَإِنَّمَا كَانَ يُدَاوِيهِمْ بِالدُّعَاءِ إِلَى اللَّه .

وَأَمَّا قَوْله : { وَأُنَبِّئكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَأُخْبِركُمْ بِمَا تَأْكُلُونَهُ مِمَّا لَمْ أُعَايِنهُ وَأُشَاهِدهُ مَعَكُمْ فِي وَقْت أَكْلِكُمُوهُ . { وَمَا تَدَّخِرُونَ } يَعْنِي بِذَلِكَ : وَمَا تَرْفَعُونَهُ فَتُخَبِّئُونَهُ وَلَا تَأْكُلُونَهُ , يُعْلِمهُمْ أَنَّ مِنْ حُجَّته أَيْضًا عَلَى نُبُوَّته - مَعَ الْمُعْجِزَات الَّتِي أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا حُجَّة عَلَى نُبُوَّته وَصِدْقه فِي خَبَره , أَنَّ اللَّه أَرْسَلَهُ إِلَيْهِمْ : مِنْ خَلْق الطَّيْر مِنْ الطِّين , وَإِبْرَاء الْأَكْمَه وَالْأَبْرَص , وَإِحْيَاء الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّه , الَّتِي لَا يُطِيقهَا أَحَد مِنْ الْبَشَر , إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّه ذَلِكَ , عَلَمًا لَهُ عَلَى صِدْقه , وَآيَة لَهُ عَلَى حَقِيقَة قَوْله مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُله , وَمَنْ أَحَبَّ مِنْ خَلْقه - إِنْبَاءَهُ عَنْ الْغَيْب الَّذِي لَا سَبِيل لِأَحَدٍ مِنْ الْبَشَر الَّذِينَ سَبِيلهمْ سَبِيله عَلَيْهِ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَمَا كَانَ فِي قَوْله لَهُمْ : { وَأُنَبِّئكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتكُمْ } مِنْ الْحُجَّة لَهُ عَلَى صِدْقه , وَقَدْ رَأَيْنَا الْمُتَنَجِّمَة وَالْمُتَكَهِّنَة تُخْبِر بِذَلِكَ كَثِيرًا فَتُصِيب ؟ قِيلَ : إِنَّ الْمُتَنَجِّم وَالْمُتَكَهِّن مَعْلُوم مِنْهُمَا عِنْد مَنْ يُخْبِرهُ بِذَلِكَ أَنَّهُمَا يُنَبِّئَانِ بِهِ عَنْ اِسْتِخْرَاج لَهُ بِبَعْضِ الْأَسْبَاب الْمُؤَدِّيَة إِلَى عِلْمه , وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ مِنْ عِيسَى صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ , وَمِنْ سَائِر أَنْبِيَاء اللَّه وَرُسُله , وَإِنَّمَا كَانَ عِيسَى يُخْبِر بِهِ عَنْ غَيْر اِسْتِخْرَاج وَلَا طَلَب لِمَعْرِفَتِهِ بِاحْتِيَالٍ , وَلَكِنْ اِبْتِدَاء بِإِعْلَامِ اللَّه إِيَّاهُ مِنْ غَيْر أَصْلٍ تَقَدَّمَ ذَلِكَ ; اِحْتَذَاهُ , أَوْ بَنَى عَلَيْهِ أَوْ فَزِعَ إِلَيْهِ , كَمَا يَفْزَع الْمُتَنَجِّم إِلَى حِسَابه , وَالْمُتَكَهِّن إِلَى رِئْيه , فَذَلِكَ هُوَ الْفَصْل بَيْن عِلْم الْأَنْبِيَاء بِالْغُيُوبِ وَإِخْبَارهمْ عَنْهَا , وَبَيْن عِلْم سَائِر الْمُتَكَذِّبَة عَلَى اللَّه , أَوْ الْمُدَّعِيَة عِلْم ذَلِكَ . كَمَا : 5589 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : لَمَّا بَلَغَ عِيسَى تِسْع سِنِينَ أَوْ عَشْرًا أَوْ نَحْو ذَلِكَ , أَدْخَلَتْهُ أُمّه الْكُتَّاب فِيمَا يَزْعُمُونَ , فَكَانَ عِنْد رَجُل مِنْ الْمُكْتِبِينَ يُعَلِّمهُ كَمَا يُعَلِّم الْغِلْمَان , فَلَا يَذْهَب يُعَلِّمهُ شَيْئًا مِمَّا يُعَلِّمهُ الْغِلْمَان إِلَّا بَدَرَهُ إِلَى عِلْمه قَبْل أَنْ يُعَلِّمهُ إِيَّاهُ , فَيَقُول : أَلَا تَعْجَبُونَ لِابْنِ هَذِهِ الْأَرْمَلَة , مَا أَذْهَب أُعَلِّمهُ شَيْئًا إِلَّا وَجَدْته أَعْلَم بِهِ مِنِّي . 5590 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : لَمَّا كَبِرَ عِيسَى أَسْلَمَتْهُ أُمّه يَتَعَلَّم التَّوْرَاة , فَكَانَ يَلْعَب مَعَ الْغِلْمَان , غِلْمَان الْقَرْيَة الَّتِي كَانَ فِيهَا , فَيُحَدِّث الْغِلْمَان بِمَا يَصْنَع آبَاؤُهُمْ . 5591 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل بْن سَالِم , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر فِي قَوْله : { وَأُنَبِّئكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتكُمْ } قَالَ : كَانَ عِيسَى اِبْن مَرْيَم إِذْ كَانَ فِي الْكُتَّاب يُخْبِرهُمْ بِمَا يَأْكُلُونَ فِي بُيُوتهمْ وَمَا يَدَّخِرُونَ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل بْن سَالِم , قَالَ : سَمِعْت سَعِيد بْن جُبَيْر يَقُول : { وَأُنَبِّئكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتكُمْ

} قَالَ : إِنَّ عِيسَى اِبْن مَرْيَم كَانَ يَقُول لِلْغُلَامِ فِي الْكُتَّاب : يَا فُلَان إِنَّ أَهْلك قَدْ خَبَّئُوا لَك كَذَا وَكَذَا مِنْ الطَّعَام فَتُطْعِمنِي مِنْهُ ؟ فَهَكَذَا فِعْل الْأَنْبِيَاء وَحُجَجهَا إِنَّمَا تَأْتِي بِمَا أَتَتْ بِهِ مِنْ الْحُجَج بِمَا قَدْ يُوصَل إِلَيْهِ بِبَعْضِ الْحِيَل , عَلَى غَيْر الْوَجْه الَّذِي يَأْتِي بِهِ غَيْرهَا , بَلْ مِنْ الْوَجْه الَّذِي يَعْلَم الْخَلْق أَنَّهُ لَا يُوصَل إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْه بِحِيلَةٍ إِلَّا مِنْ قِبَل اللَّه . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَأُنَبِّئكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتكُمْ } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5592 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَأُنَبِّئكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتكُمْ } قَالَ : بِمَا أَكَلْتُمْ الْبَارِحَة , وَمَا خَبَّأْتُمْ مِنْهُ ; عِيسَى اِبْن مَرْيَم يَقُولهُ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 5593 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح يَعْنِي قَوْله : { وَأُنَبِّئكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتكُمْ } قَالَ : الطَّعَام وَالشَّيْء يَدَّخِرُونَهُ فِي بُيُوتهمْ غَيْبًا عَلَّمَهُ اللَّه إِيَّاهُ . 5594 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { وَأُنَبِّئكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتكُمْ } قَالَ : مَا تَأْكُلُونَ : مَا أَكَلْتُمْ الْبَارِحَة مِنْ طَعَام , وَمَا خَبَّأْتُمْ مِنْهُ . 5595 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : كَانَ - يَعْنِي عِيسَى اِبْن مَرْيَم - يُحَدِّث الْغِلْمَان وَهُوَ مَعَهُمْ فِي الْكُتَّاب بِمَا يَصْنَع آبَاؤُهُمْ , وَبِمَا يَرْفَعُونَ لَهُمْ , وَبِمَا يَأْكُلُونَ وَيَقُول لِلْغُلَامِ : اِنْطَلِقْ فَقَدْ رَفَعَ لَك أَهْلك كَذَا وَكَذَا , وَهُمْ يَأْكُلُونَ كَذَا وَكَذَا , فَيَنْطَلِق الصَّبِيّ فَيَبْكِي عَلَى أَهْله حَتَّى يُعْطُوهُ ذَلِكَ الشَّيْء , فَيَقُولُونَ لَهُ : مَنْ أَخْبَرَك بِهَذَا ؟ فَيَقُول : عِيسَى , فَذَلِكَ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَأُنَبِّئكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتكُمْ } فَحَبَسُوا صِبْيَانهمْ عَنْهُ , وَقَالُوا : لَا تَلْعَبُوا مَعَ هَذَا السَّاحِر , فَجَمَعُوهُمْ فِي بَيْت , فَجَاءَ عِيسَى يَطْلُبهُمْ , فَقَالُوا : لَيْسَ هُمْ هَهُنَا , فَقَالَ : مَا فِي هَذَا الْبَيْت ؟ فَقَالُوا : خَنَازِير , قَالَ عِيسَى : كَذَلِكَ يَكُونُونَ ! فَفَتَحُوا عَنْهُمْ فَإِذَا هُمْ خَنَازِير , فَذَلِكَ قَوْله : { عَلَى لِسَان دَاوُد وَعِيسَى اِبْن مَرْيَم } 5 78 5596 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سِنَان , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر الْحَنَفِيّ , عَنْ عَبَّاد , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتكُمْ } قَالَ : مَا تُخَبِّئُونَ مَخَافَة الَّذِي يُمْسِك أَنْ لَا يَخْلُفهُ شَيْء . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ : { وَأُنَبِّئكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتكُمْ } مَا تَأْكُلُونَ مِنْ الْمَائِدَة الَّتِي تَنْزِل عَلَيْكُمْ , وَمَا تَدَّخِرُونَ مِنْهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5597 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَأُنَبِّئكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتكُمْ } فَكَانَ الْقَوْم لَمَّا سَأَلُوا الْمَائِدَة , فَكَانَتْ جِرَابًا يَنْزِل عَلَيْهِ أَيْنَمَا كَانُوا ثَمَرًا مِنْ ثِمَار الْجَنَّة , فَأَمَرَ الْقَوْم أَنْ لَا يَخُونُوا فِيهِ , وَلَا يُخَبِّئُوا , وَلَا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ , بَلَاء اِبْتَلَاهُمْ اللَّه بِهِ , فَكَانُوا إِذَا فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا أَنْبَأَهُمْ بِهِ عِيسَى اِبْن مَرْيَم , فَقَالَ : { وَأُنَبِّئكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتكُمْ } 5598 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { وَأُنَبِّئكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ } قَالَ : أُنَبِّئكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ مِنْ الْمَائِدَة , وَمَا تَدَّخِرُونَ مِنْهَا . قَالَ : فَكَانَ أَخَذَ عَلَيْهِمْ فِي الْمَائِدَة حِين نَزَلَتْ أَنْ يَأْكُلُوا وَلَا يَدَّخِرُوا , فَادَّخَرُوا وَخَانُوا , فَجُعِلُوا خَنَازِير حِين اِدَّخَرُوا وَخَانُوا , فَذَلِكَ قَوْله : { فَمَنْ يَكْفُر بَعْد مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ } 5 115 قَالَ اِبْن يَحْيَى : قَالَ عَبْد الرَّزَّاق : قَالَ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , عَنْ خِلَاس بْن عَمْرو , عَنْ عَمَّار بْن يَاسِر ذَلِكَ . وَأَصْل يَدَّخِرُونَ مِنْ الْفِعْل يَفْتَعِلُونَ , مِنْ قَوْل الْقَائِل : ذَخَرْت الشَّيْء بِالذَّالِ , فَأَنَا أَذْخَرهُ , ثُمَّ قِيلَ : يَدَّخِر كَمَا قِيلَ : يَدَّكِر , مِنْ ذَكَرْت الشَّيْء , يُرَاد بِهِ يَذْتَخِر , فَلَمَّا اِجْتَمَعَتْ الذَّال وَالتَّاء وَهُمَا مُتَقَارِبَتَا الْمَخْرَج , ثَقُلَ إِظْهَارهمَا عَلَى اللِّسَان , فَأُدْغِمَتْ إِحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى وَصُيِّرَتَا دَالًا مُشَدَّدَة صَيَّرُوهَا عَدْلًا بَيْن الذَّال وَالتَّاء , وَمِنْ الْعَرَب مَنْ يُغَلِّب الذَّال عَلَى التَّاء فَيُدْغِم التَّاء فِي الذَّال , فَيَقُول : وَمَا تَدَّخِرُونَ وَهُوَ مُدَّخَر لَك , وَهُوَ مُذَّكَر , وَاللُّغَة الَّتِي بِهَا الْقِرَاءَة الْأُولَى , وَذَلِكَ إِدْغَام الذَّال فِي التَّاء , وَإِبْدَالهمَا دَالًا مُشَدَّدَة لَا يَجُوز الْقِرَاءَة بِغَيْرِهَا لِتَظَاهُرِ النَّقْل مِنْ الْقُرَّاء بِهَا , وَهُوَ اللُّغَة الْجُودَى , كَمَا قَالَ زُهَيْر : إِنَّ الْكَرِيم الَّذِي يُعْطِيك نَائِله عَفْوًا وَيَظْلِم أَحْيَانًا فَيَظَّلِم يُرْوَى بِالظَّاءِ , يُرِيد : فَيَفْتَعِل مِنْ الظُّلْم , وَيُرْوَى بِالطَّاءِ أَيْضًا .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَة لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِنَّ فِي خَلْقِي مِنْ الطِّين الطَّيْر بِإِذْنِ اللَّه , وَفِي إِبْرَائِي الْأَكْمَه وَالْأَبْرَص , وَإِحْيَائِي الْمَوْتَى , وَإِنْبَائِي إِيَّاكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ , وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتكُمْ , اِبْتِدَاء مِنْ غَيْر حِسَاب وَتَنْجِيم , وَلَا كِهَانَة وَعَرَافَة , لَعِبْرَة لَكُمْ , وَمُتَفَكَّرًا تَتَفَكَّرُونَ

فِي ذَلِكَ , فَتَعْتَبِرُونَ بِهِ أَنِّي مُحِقّ فِي قَوْلِي لَكُمْ : إِنِّي رَسُول مِنْ رَبّكُمْ إِلَيْكُمْ , وَتَعْلَمُونَ بِهِ أَنِّي فِيمَا أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ مِنْ أَمْر اللَّه وَنَهْيه صَادِق , إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ , يَعْنِي : إِنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ حُجَج اللَّه وَآيَاته , مُقِرِّينَ بِتَوْحِيدِهِ وَنَبِيّه مُوسَى , وَالتَّوْرَاة الَّتِي جَاءَكُمْ بِهَا .
مشاركة الموضوع