تفسير القرطبي

سورة آل عمران الآية ٢٥

فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَٰهُمْ لِيَوْمٍۢ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿٢٥﴾
خِطَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّته عَلَى جِهَة التَّوْقِيف وَالتَّعَجُّب , أَيْ فَكَيْفَ يَكُون حَالهمْ أَوْ كَيْفَ يَصْنَعُونَ إِذَا حُشِرُوا يَوْم الْقِيَامَة وَاضْمَحَلَّتْ عَنْهُمْ تِلْكَ الزَّخَارِف الَّتِي اِدَّعَوْهَا فِي الدُّنْيَا , وَجُوزُوا بِمَا اِكْتَسَبُوهُ مِنْ كُفْرهمْ وَاجْتِرَائِهِمْ وَقَبِيح أَعْمَالهمْ . وَاللَّام فِي قَوْله " لِيَوْمٍ " بِمَعْنَى " فِي " ; قَالَ الْكِسَائِيّ , وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ : الْمَعْنَى لِحِسَابِ يَوْم , الطَّبَرِيّ : لِمَا يَحْدُث فِي يَوْم .
فكيف يكون حالهم إذا جمعهم الله ليحاسَبوا في يوم لا شك في وقوعه -وهو يوم القيامة-، وأخذ كل واحد جزاءَ ما اكتسب، وهم لا يظلمون شيئا؟
"فَكَيْفَ" حَالهمْ "إذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ" أَيْ فِي يَوْم "لَا رَيْب" لَا شَكَّ "فِيهِ" هُوَ يَوْم الْقِيَامَة "وَوُفِّيَتْ كُلّ نَفْس" مِنْ أَهْل الْكِتَاب وَغَيْرهمْ جَزَاء "مَا كَسَبَتْ" عَمِلَتْ مِنْ خَيْر وَشَرّ "وَهُمْ" أَيْ النَّاس "لَا يُظْلَمُونَ" بِنَقْصِ حَسَنَة أَوْ زِيَادَة سَيِّئَة .
قَالَ اللَّه تَعَالَى مُتَهَدِّدًا لَهُمْ وَمُتَوَعِّدًا " فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْب فِيهِ " أَيْ كَيْفَ يَكُون حَالهمْ وَقَدْ اِفْتَرَوْا عَلَى اللَّه وَكَذَّبُوا رُسُله وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَهُ وَالْعُلَمَاء مِنْ قَوْمهمْ الْآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِينَ عَنْ الْمُنْكَر وَاَللَّه تَعَالَى سَائِلهمْ عَنْ ذَلِكَ كُلّه وَحَاكِم عَلَيْهِمْ وَمُجَازِيهمْ بِهِ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْب فِيهِ " أَيْ لَا شَكّ فِي وُقُوعه وَكَوْنه " وَوُفِّيَت كُلّ نَفْس مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ " .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَكَيْف إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْب فِيهِ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَكَيْف إِذَا جَمَعْنَاهُمْ } فَأَيّ حَال يَكُون حَال هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذِينَ قَالُوا هَذَا الْقَوْل , وَفَعَلُوا مَا فَعَلُوا مِنْ إِعْرَاضهمْ عَنْ كِتَاب اللَّه وَاغْتِرَارهمْ بِرَبِّهِمْ , وَافْتِرَائِهِمْ الْكَذِب . وَذَلِكَ مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَعِيد لَهُمْ شَدِيد , وَتَهْدِيد غَلِيظ . وَإِنَّمَا يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { فَكَيْف إِذَا جَمَعْنَاهُمْ } . .. الْآيَة : فَمَا أَعْظَم مَا يَلْقَوْنَ مِنْ عُقُوبَة اللَّه وَتَنْكِيله بِهِمْ إِذَا جَمَعَهُمْ لِيَوْمٍ يُوَفَّى كُلّ عَامِل جَزَاء عَمَله عَلَى قَدْر اِسْتِحْقَاقه غَيْر مَظْلُوم فِيهِ , لِأَنَّهُ لَا يُعَاقَب فِيهِ إِلَّا عَلَى مَا اِجْتَرَمَ , وَلَا يُؤَاخَذ إِلَّا بِمَا عَمِلَ , يُجْزَى الْمُحْسِن بِإِحْسَانِهِ , وَالْمُسِيء بِإِسَاءَتِهِ , لَا يَخَافُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقه يَوْمئِذٍ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْف قِيلَ : { فَكَيْف إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ } وَلَمْ يَقُلْ : فِي يَوْم لَا رَيْب فِيهِ ؟ قِيلَ : لِمُخَالَفَةِ مَعْنَى اللَّام فِي هَذَا الْمَوْضِع مَعْنَى فِي , وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَكَان اللَّام " فِي " لَكَانَ مَعْنَى الْكَلَام : فَكَيْف إِذَا جَمَعْنَاهُمْ فِي يَوْم الْقِيَامَة مَاذَا يَكُون لَهُمْ مِنْ الْعَذَاب وَالْعِقَاب , وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي دُخُول اللَّام , وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ مَعَ اللَّام , فَكَيْف إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِمَا يَحْدُث فِي يَوْم لَا رَيْب فِيهِ , وَلِمَا يَكُون فِي ذَلِكَ الْيَوْم مِنْ فَضْل اللَّه الْمُضَاء بَيْن خَلْقه , مَاذَا لَهُمْ حِينَئِذٍ مِنْ الْعِقَاب وَأَلِيم الْعَذَاب ؟ فَمَعَ اللَّام فِي : { لِيَوْمٍ لَا رَيْب فِيهِ } نِيَّة فِعْل وَخَبَر مَطْلُوب قَدْ تُرِكَ ذِكْره , أَجْزَأَتْ دَلَالَة دُخُول اللَّام فِي الْيَوْم عَلَيْهِ مِنْهُ , وَلَيْسَ ذَلِكَ مَعَ " فِي " فَلِذَلِكَ اُخْتِيرَتْ اللَّام فَأُدْخِلَتْ فِي " لِيَوْمٍ " دُون " فِي " . وَأَمَّا تَأْوِيل قَوْله : { لَا رَيْب فِيهِ } فَإِنَّهُ لَا شَكَّ فِي مَجِيئِهِ , وَقَدْ دَلَلْنَا عَلَى أَنَّهُ كَذَلِكَ بِالْأَدِلَّةِ الْكَافِيَة , مَعَ ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ فِي تَأْوِيله فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته .

وَعَنَى بِقَوْلِهِ : { وَوُفِّيَتْ } وَوَفَّى اللَّه { كُلّ نَفْس مَا كَسَبَتْ } يَعْنِي مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْر وَشَرّ , { وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَبْخَس الْمُحْسِنَ جَزَاءَ إِحْسَانِهِ , وَلَا يُعَاقِبُ مُسِيئًا بِغَيْرِ جُرْمِهِ .
مشاركة الموضوع