تفسير القرطبي

سورة آل عمران الآية ١٩٦

لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى ٱلْبِلَٰدِ ﴿١٩٦﴾
قِيلَ : الْخِطَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَاد الْأُمَّة . وَقِيلَ : لِلْجَمِيعِ . وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا : هَؤُلَاءِ الْكُفَّار لَهُمْ تَجَائِر وَأَمْوَال وَاضْطِرَاب فِي الْبِلَاد , وَقَدْ هَلَكْنَا نَحْنُ مِنْ الْجُوع ; فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة . أَيْ لَا يَغُرَّنَّكُمْ سَلَامَتُهُمْ بِتَقَلُّبِهِمْ فِي أَسْفَارهمْ .
وهذه الآية, المقصود منها, التسلية عما يحصل للذين كفروا, من متاع الدنيا, وتنعمهم فيها, وتقلبهم في البلاد, بأنواع التجارات, والمكاسب واللذات, وأنواع العز, والغلبة في بعض الأوقات,
لا تغتر -أيها الرسول- بما عليه أهل الكفر بالله من بسطة في العيش، وسَعَة في الرزق، وانتقالهم من مكان إلى مكان للتجارات وطلب الأرباح والأموال، فعمَّا قليل يزول هذا كلُّه عنهم، ويصبحون مرتهنين بأعمالهم السيئة.
وَنَزَلَ لَمَّا قَالَ الْمُسْلِمُونَ : أَعْدَاء اللَّه فِيمَا نَرَى مِنْ الْخَيْر وَنَحْنُ فِي الْجَهْد : "لَا يَغُرَّنك تَقَلُّب الَّذِينَ كَفَرُوا" تَصَرُّفهمْ . "فِي الْبِلَاد" بِالتِّجَارَةِ وَالْكَسْب
يَقُول تَعَالَى لَا تَنْظُر إِلَى مَا هَؤُلَاءِ الْكُفَّار مُتْرَفُونَ فِيهِ مِنْ النِّعْمَة وَالْغِبْطَة وَالسُّرُور فَعَمَّا قَلِيل يَزُول هَذَا كُلّه عَنْهُمْ وَيُصْبِحُونَ مُرْتَهَنِينَ بِأَعْمَالِهِمْ السَّيِّئَة .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّب الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَاد } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَا يَغُرَّنَّكَ يَا مُحَمَّد تَقَلُّب الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَاد , يَعْنِي : تَصَرُّفهمْ فِي الْأَرْض وَضَرْبهمْ فِيهَا . كَمَا : 6673 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّب الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَاد } يَقُول : ضَرْبهمْ فِي الْبِلَاد . فَنَهَى اللَّه تَعَالَى ذِكْره نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الِاغْتِرَار بِضَرْبِهِمْ فِي الْبِلَاد , وَإِمْهَال اللَّه إِيَّاهُمْ مَعَ شِرْكهمْ وَجُحُودهمْ نِعَمه , وَعِبَادَتهمْ غَيْره . وَخَرَجَ الْخِطَاب بِذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْمَعْنِيّ بِهِ غَيْره مِنْ أَتْبَاعه وَأَصْحَابه , كَمَا قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْل مِنْ أَمْر اللَّه , وَلَكِنْ كَانَ بِأَمْرِ اللَّه صَادِعًا , وَإِلَى الْحَقّ دَاعِيًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ قَتَادَة . 6674 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّب الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَاد } وَاَللَّه مَا غَرُّوا نَبِيّ اللَّه , وَلَا وَكَّلَ إِلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْ أَمْر اللَّه , حَتَّى قَبَضَهُ اللَّه عَلَى ذَلِكَ .
مشاركة الموضوع