الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { رَبّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتنَا عَلَى رُسُلك وَلَا تُخْزِنَا يَوْم الْقِيَامَة إِنَّك لَا تُخْلِف الْمِيعَاد } إِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَمَا وَجْه مَسْأَلَة هَؤُلَاءِ الْقَوْم رَبّهمْ أَنْ يُؤْتِيهِمْ مَا وَعَدَهُمْ , وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ اللَّه مُنْجِز وَعْده , وَغَيْر جَائِز أَنْ يَكُون مِنْهُ إِخْلَاف مَوْعِد ؟ قِيلَ : اِخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَهْل الْبَحْث , فَقَالَ بَعْضهمْ : ذَلِكَ قَوْل خَرَجَ مَخْرَج الْمَسْأَلَة , وَمَعْنَاهُ الْخَبَر , قَالُوا : وَإِنَّمَا تَأْوِيل الْكَلَام : رَبّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا , رَبّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبنَا , وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتنَا , وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَار , لِتُؤْتِيَنَا مَا وَعَدْتنَا عَلَى رُسُلك , وَلَا تُخْزِنَا يَوْم الْقِيَامَة , قَالُوا : وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوا : إِنْ تَوَفَّيْتنَا مَعَ الْأَبْرَار فَأَنْجِزْ لَنَا مَا وَعَدْتنَا لِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ اللَّه لَا يُخْلِف الْمِيعَاد , وَأَنَّ مَا وَعَدَ عَلَى أَلْسِنَة رُسُله لَيْسَ يُعْطِيه بِالدُّعَاءِ , وَلَكِنَّهُ تَفَضُّل بِإِيتَائِهِ , ثُمَّ يُنْجِزهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ قَوْل مِنْ قَائِله عَلَى مَعْنَى الْمَسْأَلَة وَالدُّعَاء لِلَّهِ , بِأَنْ يَجْعَلهُمْ مِمَّنْ آتَاهُمْ مَا وَعَدَهُمْ مِنْ الْكَرَامَة عَلَى أَلْسُن رُسُله , لَا أَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ اِسْتَحَقُّوا مَنْزِلَة الْكَرَامَة عِنْد اللَّه فِي أَنْفُسهمْ , ثُمَّ سَأَلُوهُ أَنْ يُؤْتِيهِمْ مَا وَعَدَهُمْ بَعْد عِلْمهمْ بِاسْتِحْقَاقِهِمْ عِنْد أَنْفُسهمْ , فَيَكُون ذَلِكَ مِنْهُمْ مَسْأَلَة لِرَبِّهِمْ أَنْ لَا يُخْلِف وَعْده , قَالُوا : وَلَوْ كَانَ الْقَوْم إِنَّمَا سَأَلُوا رَبّهمْ أَنْ يُؤْتِيهِمْ مَا وَعَدَ الْأَبْرَار , لَكَانُوا قَدْ زَكُّوا أَنْفُسهمْ , وَشَهِدُوا لَهَا أَنَّهَا مِمَّنْ قَدْ اِسْتَوْجَبَ كَرَامَة اللَّه وَثَوَابه , قَالُوا : وَلَيْسَ ذَلِكَ صِفَة أَهْل الْفَضْل مِنْ الْمُؤْمِنِينَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ قَالُوا هَذَا الْقَوْل عَلَى وَجْه الْمَسْأَلَة , وَالرَّغْبَة مِنْهُمْ إِلَى اللَّه أَنْ يُؤْتِيهِمْ مَا وَعَدَهُمْ مِنْ النَّصْر عَلَى أَعْدَائِهِمْ مِنْ أَهْل الْكُفْر , وَالظَّفَر بِهِمْ , وَإِعْلَاء كَلِمَة الْحَقّ عَلَى الْبَاطِل , فَيُعَجِّل ذَلِكَ لَهُمْ , قَالُوا : وَمُحَال أَنْ يَكُون الْقَوْم مَعَ وَصْف اللَّه إِيَّاهُمْ بِمَا وَصَفَتْهُمْ بِهِ كَانُوا عَلَى غَيْر يَقِين مِنْ أَنَّ اللَّه لَا يُخْلِف الْمِيعَاد , فَيَرْغَبُوا إِلَى اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي ذَلِكَ , وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا وُعِدُوا النَّصْر , وَلَمْ يُوَقَّت لَهُمْ فِي تَعْجِيل ذَلِكَ لَهُمْ , لِمَا فِي تَعَجُّله مِنْ سُرُور الظَّفَر وَرَاحَة الْجَسَد . وَاَلَّذِي هُوَ أَوْلَى الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي : أَنَّ هَذِهِ الصِّفَة , صِفَة مَنْ هَاجَرَ مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَطَنه وَدَاره , مُفَارِقًا لِأَهْلِ الشِّرْك بِاَللَّهِ إِلَى اللَّه وَرَسُوله , وَغَيْرهمْ مِنْ تُبَّاع رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ رَغِبُوا إِلَى اللَّه فِي تَعْجِيل نُصْرَتهمْ عَلَى أَعْدَاء اللَّه وَأَعْدَائِهِمْ , فَقَالُوا : رَبّنَا آتِنَا مَا وَعَدْتنَا مِنْ نُصْرَتك عَلَيْهِمْ عَاجِلًا , فَإِنَّك لَا تُخْلِف الْمِيعَاد , وَلَكِنْ لَا صَبْر لَنَا عَلَى أَنَاتك وَحِلْمك عَنْهُمْ , فَعَجِّلْ حَرْبهمْ , وَلَنَا الظَّفَر عَلَيْهِمْ . يَدُلّ عَلَى صِحَّة ذَلِكَ آخِر الْآيَة الْأُخْرَى , وَهُوَ قَوْله : { فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبّهمْ أَنِّي لَا أُضِيع عَمَل عَامِل مِنْكُمْ مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى بَعْضكُمْ مِنْ بَعْض فَاَلَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارهمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا } . .. الْآيَات بَعْدهَا . وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا ذَهَبَ إِلَيْهِ الَّذِينَ حَكَيْت قَوْلهمْ فِي شَيْء , وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْر مَوْجُود فِي كَلَام الْعَرَب أَنْ يُقَال : اِفْعَلْ بِنَا يَا رَبّ كَذَا وَكَذَا , بِمَعْنَى : اِفْعَلْ بِنَا لِكَذَا الَّذِي وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ , لَجَازَ أَنْ يَقُول الْقَائِل لِآخَرَ : أَقْبِلْ إِلَيَّ وَكَلِّمْنِي , بِمَعْنَى : أَقْبِلْ إِلَيَّ لِتُكَلِّمَنِي , وَذَلِكَ غَيْر مَوْجُود فِي الْكَلَام , وَلَا مَعْرُوف جَوَازه , وَكَذَلِكَ أَيْضًا غَيْر مَعْرُوف فِي الْكَلَام : آتِنَا مَا وَعَدْتنَا , بِمَعْنَى : اِجْعَلْنَا مِمَّنْ آتَيْته ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كُلّ مَنْ أَعْطَى شَيْئًا سَنِيًّا فَقَدْ صُيِّرَ نَظِيرًا لِمَنْ كَانَ مِثْله فِي الْمَعْنَى الَّذِي أُعْطِيَهُ , وَلَكِنْ لَيْسَ الظَّاهِر مِنْ مَعْنَى الْكَلَام ذَلِكَ , وَإِنْ كَانَ قَدْ يَئُول مَعْنَاهُ إِلَيْهِ . فَتَأْوِيل الْكَلَام إِذًا : رَبّنَا أَعْطِنَا مَا وَعَدْتنَا عَلَى أَلْسُن رُسُلك أَنَّك تُعْلِي كَلِمَتك كَلِمَة الْحَقّ , بِتَأْيِيدِنَا عَلَى مَنْ كَفَرَ بِك وَحَادَّك وَعَبَدَ غَيْرك , وَعَجِّلْ لَنَا ذَلِكَ , فَإِنَّا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّك لَا تُخْلِف مِيعَادك , وَلَا تُخْزِنَا يَوْم الْقِيَامَة , فَتَفْضَحنَا بِذُنُوبِنَا الَّتِي سُلِكَتْ مِنَّا , وَلَكِنْ كَفِّرْهَا عَنَّا وَاغْفِرْهَا لَنَا . وَقَدْ : 6668 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { رَبّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتنَا عَلَى رُسُلك } قَالَ : يُسْتَنْجَز مَوْعُود اللَّه عَلَى رُسُله .