الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَان يُخَوِّف أَوْلِيَاءَهُ } يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْره : إِنَّمَا الَّذِي قَالَ لَكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ : إِنَّ النَّاس قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ , فَخَوَّفُوكُمْ بِجُمُوع عَدُوّكُمْ , وَمَسِيرهمْ إِلَيْكُمْ , مِنْ فِعْل الشَّيْطَان , أَلْقَاهُ عَلَى أَفْوَاه مَنْ قَالَ ذَلِكَ لَكُمْ , يُخَوِّفكُمْ بِأَوْلِيَائِهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَبِي سُفْيَان وَأَصْحَابه مِنْ قُرَيْش , لِتَرْهَبُوهُمْ , وَتَجَنَّبُوا عَنْهُمْ . كَمَا : 6578 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَان يُخَوِّف أَوْلِيَاءَهُ } يُخَوِّف وَاَللَّه الْمُؤْمِن بِالْكَافِرِ , وَيُرْهِب الْمُؤْمِن بِالْكَافِرِ . 6579 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ مُجَاهِد : { إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَان يُخَوِّف أَوْلِيَاءَهُ } قَالَ : يُخَوِّف الْمُؤْمِنِينَ بِالْكُفَّارِ . 6580 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَان يُخَوِّف أَوْلِيَاءَهُ } يَقُول : الشَّيْطَان يُخَوِّف الْمُؤْمِنِينَ بِأَوْلِيَائِهِ . 6581 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَان يُخَوِّف أَوْلِيَاءَهُ } : أَيْ أُولَئِكَ الرَّهْط , يَعْنِي : النَّفَر مِنْ عَبْد الْقَيْس الَّذِينَ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَالُوا , وَمَا أَلْقَى الشَّيْطَان عَلَى أَفْوَاههمْ , { يُخَوِّف أَوْلِيَاءَهُ } أَيْ يُرْهِبكُمْ بِأَوْلِيَائِهِ . 6582 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن مَعْبَد , عَنْ عَتَّاب بْن بَشِير , مَوْلَى قُرَيْش , عَنْ سَالِم الْأَفْطَس , فِي قَوْله : { إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَان يُخَوِّف أَوْلِيَاءَهُ } قَالَ : يُخَوِّفكُمْ بِأَوْلِيَائِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَان يُعَظِّم أَمْر الْمُشْرِكِينَ أَيّهَا الْمُنَافِقُونَ فِي أَنْفُسكُمْ فَتَخَافُونَهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6583 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : ذِكْر أَمْر الْمُشْرِكِينَ وَعِظَمهمْ فِي أَعْيُن الْمُنَافِقِينَ فَقَالَ : { إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَان يُخَوِّف أَوْلِيَاءَهُ } يُعَظِّم أَوْلِيَاءَهُ فِي صُدُوركُمْ فَتَخَافُونَهُمْ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ قِيلَ : { يُخَوِّف أَوْلِيَاءَهُ } وَهَلْ يُخَوِّف الشَّيْطَان أَوْلِيَاءَهُ ؟ قِيلَ : إِنْ كَانَ مَعْنَاهُ يُخَوِّفكُمْ بِأَوْلِيَائِهِ يُخَوِّف أَوْلِيَاءَهُ . قِيلَ ذَلِكَ نَظِير قَوْله : { لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا } 18 2 بِمَعْنَى : لِيُنْذِرَكُمْ بَأْسه الشَّدِيد , وَذَلِكَ أَنَّ الْبَأْس لَا يُنْذِر , وَإِنَّمَا يُنْذَر بِهِ . وَقَدْ كَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْبَصْرَة يَقُول : مَعْنَى ذَلِكَ : يُخَوِّف النَّاس أَوْلِيَاءَهُ , كَقَوْلِ الْقَائِل : هُوَ يُعْطِي الدَّرَاهِم , وَيَكْسُو الثِّيَاب , بِمَعْنَى : هُوَ يُعْطِي النَّاس الدَّرَاهِم , وَيَكْسُوهُمْ الثِّيَاب , فَحُذِفَ ذَلِكَ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ . وَلَيْسَ الَّذِي شَبَّهَ ذَلِكَ بِمُشَبِّهٍ , لِأَنَّ الدَّرَاهِم فِي قَوْل الْقَائِل : هُوَ يُعْطِي الدَّرَاهِم مَعْلُوم أَنَّ الْمُعْطَى هِيَ الدَّرَاهِم , وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْأَوْلِيَاء فِي قَوْله : { يُخَوِّف أَوْلِيَاءَهُ } مُخَوِّفِينَ , بَلْ التَّخْوِيف مِنْ الْأَوْلِيَاء لِغَيْرِهِمْ , فَلِذَلِكَ اِفْتَرَقَا .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } يَقُول : فَلَا تَخَافُوا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْمُشْرِكِينَ , وَلَا يَعْظُمَنَّ عَلَيْكُمْ أَمْرهمْ , وَلَا تَرْهَبُوا جَمْعهمْ مَعَ طَاعَتكُمْ إِيَّايَ , مَا أَطَعْتُمُونِي , وَاتَّبَعْتُمْ أَمْرِي , وَإِنِّي مُتَكَفِّل لَكُمْ بِالنَّصْرِ وَالظَّفَر , وَلَكِنْ خَافُونِ , وَاتَّقُوا أَنْ تَعْصُونِي وَتُخَالِفُوا أَمْرِي , فَتَهْلِكُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . يَقُول : وَلَكِنْ خَافُونِي دُون الْمُشْرِكِينَ , وَدُون جَمِيع خَلْقِي أَنْ تُخَالِفُوا أَمْرِي إِنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِي رَسُولِي وَمَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِي .