تفسير القرطبي

سورة آل عمران الآية ١٧

ٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلْقَٰنِتِينَ وَٱلْمُنفِقِينَ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلْأَسْحَارِ ﴿١٧﴾
يَعْنِي عَنْ الْمَعَاصِي وَالشَّهَوَات , وَقِيلَ : عَلَى الطَّاعَات .



أَيْ فِي الْأَفْعَال وَالْأَقْوَال



" الطَّائِعِينَ .



يَعْنِي فِي سَبِيل اللَّه . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَة هَذِهِ الْمَعَانِي عَلَى الْكَمَال . فَفَسَّرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَة أَحْوَال الْمُتَّقِينَ الْمَوْعُودِينَ بِالْجَنَّاتِ .


اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : " وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ " فَقَالَ أَنَس بْن مَالِك : هُمْ السَّائِلُونَ الْمَغْفِرَة . قَتَادَة : الْمُصَلُّونَ .

قُلْت : وَلَا تَنَاقُض , فَإِنَّهُمْ يُصَلُّونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ . وَخَصَّ السَّحَر بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ مَظَانّ الْقَبُول وَوَقْت إِجَابَة الدُّعَاء . قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ يَعْقُوب عَلَيْهِ السَّلَام لِبَنِيهِ : " سَوْفَ أَسْتَغْفِر لَكُمْ رَبِّي " [ يُوسُف : 98 ] : ( أَنَّهُ أَخَّرَ ذَلِكَ إِلَى السَّحَر ) خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيّ وَسَيَأْتِي . وَسَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِبْرِيل ( أَيّ اللَّيْل أَسْمَع ) ؟ فَقَالَ : ( لَا أَدْرِي غَيْر أَنَّ الْعَرْش يَهْتَزّ عِنْد السَّحَر ) . يُقَال سَحَر وَسَحْر , بِفَتْحِ الْحَاء وَسُكُونهَا , وَقَالَ الزَّجَّاج : السَّحَر مِنْ حِين يُدْبِر اللَّيْل إِلَى أَنْ يَطْلُع الْفَجْر الثَّانِي , وَقَالَ اِبْن زَيْد : السَّحَر هُوَ سُدُس اللَّيْل الْآخِر .

قُلْت : أَصَحّ مِنْ هَذَا مَا رَوَى الْأَئِمَّة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( يَنْزِل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا كُلّ لَيْلَة حِينَ يَمْضِي ثُلُث اللَّيْل الْأَوَّل فَيَقُول أَنَا الْمَلِك أَنَا الْمَلِك مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيب لَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلنِي فَأُعْطِيه مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرنِي فَأغْفِر لَهُ فَلَا يَزَال كَذَلِكَ حَتَّى يَطْلُع الْفَجْر ) فِي رِوَايَة " حَتَّى يَنْفَجِر الصُّبْح " لَفْظ مُسْلِم . وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَأْوِيله ; وَأَوْلَى مَا قِيلَ فِيهِ مَا جَاءَ فِي كِتَاب النَّسَائِيّ مُفَسَّرًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَأَبِي سَعِيد رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَا : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يُمْهِل حَتَّى يَمْضِيَ شَطْر اللَّيْل الْأَوَّل ثُمَّ يَأْمُر مُنَادِيًا فَيَقُول هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَاب لَهُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِر يُغْفَر لَهُ هَلْ مِنْ سَائِل يُعْطَى ) . صَحَّحَهُ أَبُو مُحَمَّد عَبْد الْحَقّ , وَهُوَ يَرْفَع الْإِشْكَال وَيُوَضِّح كُلّ اِحْتِمَال , وَأَنَّ الْأَوَّل مِنْ بَاب حَذْف الْمُضَاف , أَيْ يَنْزِل مَلَك رَبّنَا فَيَقُول . وَقَدْ رُوِيَ " يُنْزِل " بِضَمِّ الْيَاء , وَهُوَ يُبَيِّن مَا ذَكَرْنَا , وَبِاَللَّهِ تَوْفِيقنَا . وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى ذِكْره فِي " الْكِتَاب الْأَسْنَى فِي شَرْج أَسْمَاء اللَّه الْحُسْنَى وَصِفَاته الْعُلَى " .

مَسْأَلَة : الِاسْتِغْفَار مَنْدُوب إِلَيْهِ , وَقَدْ أَثْنَى اللَّه تَعَالَى عَلَى الْمُسْتَغْفِرِينَ فِي هَذِهِ الْآيَة وَغَيْرهَا فَقَالَ : " وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ " [ الذَّارِيَات : 18 ] . وَقَالَ أَنَس بْن مَالِك : أُمِرْنَا أَنْ نَسْتَغْفِر بِالسَّحَرِ سَبْعِينَ اسْتِغْفَارَة . وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ : بَلَغَنِي أَنَّهُ إِذَا كَانَ أَوَّل اللَّيْل نَادَى مُنَادٍ لِيُقِيمَ الْقَانِتُونَ فَيَقُومُونَ كَذَلِكَ يُصَلُّونَ إِلَى السَّحَر , فَإِذَا كَانَ عِنْد السَّحَر نَادَى مُنَادٍ : أَيْنَ الْمُسْتَغْفِرُونَ فَيَسْتَغْفِر أُولَئِكَ , وَيَقُوم آخَرُونَ فَيُصَلُّونَ فَيَلْحَقُونَ بِهِمْ . فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْر نَادَى مُنَادٍ : أَلَا لِيَقُمْ الْغَافِلُونَ فَيَقُومُونَ مِنْ فُرُشهمْ كَالْمَوْتَى نُشِرُوا مِنْ قُبُورهمْ . وَرُوِيَ عَنْ أَنَس سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( إِنَّ اللَّه يَقُول إِنِّي لَأَهُمّ بِعَذَابِ أَهْل الْأَرْض فَإِذَا نَظَرْت إِلَى عُمَّار بُيُوتِي وَإِلَى الْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَإِلَى الْمُتَهَجِّدِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ صَرَفْت عَنْهُمْ الْعَذَاب بِهِمْ ) . قَالَ مَكْحُول : إِذَا كَانَ فِي أُمَّة خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا يَسْتَغْفِرُونَ اللَّه كُلّ يَوْم خَمْسًا وَعِشْرِينَ مَرَّة لَمْ يُؤَاخِذ اللَّه تِلْكَ الْأُمَّة بِعَذَابِ الْعَامَّة . وَذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْم فِي كِتَاب الْحِلْيَة لَهُ . وَقَالَ نَافِع : كَانَ اِبْن عُمَر يَحْيَى اللَّيْل ثُمَّ يَقُول : يَا نَافِع أَسْحَرْنَا ؟ فَأَقُول لَا . فَيُعَاوِد الصَّلَاة ثُمَّ يَسْأَل , فَإِذَا قُلْت نَعَمْ قَعَدَ يَسْتَغْفِر . وَرَوَى إِبْرَاهِيم بْن حَاطِب عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْت رَجُلًا فِي السَّحَر فِي نَاحِيَة الْمَسْجِد يَقُول : يَا رَبّ , أَمَرْتنِي فَأَطَعْتُك , وَهَذَا سَحَر فَاغْفِرْ لِي . فَنَظَرْت فَإِذَا هُوَ اِبْن مَسْعُود .

قُلْت : فَهَذَا كُلّه يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ اِسْتِغْفَار بِاللِّسَانِ مَعَ حُضُور الْقَلْب . لَا مَا قَالَ اِبْن زَيْد أَنَّ الْمُرَاد بِالْمُسْتَغْفِرِينَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ صَلَاة الصُّبْح فِي جَمَاعَة . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ لُقْمَان لِابْنِهِ : ( يَا بُنَيّ لَا يَكُنْ الدِّيك أَكْيَس مِنْك , يُنَادِي بِالْأَسْحَارِ وَأَنْتَ نَائِم ) . وَالْمُخْتَار مِنْ لَفْظ الِاسْتِغْفَار مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ عَنْ شَدَّاد بْن أَوْس , وَلَيْسَ لَهُ فِي الْجَامِع غَيْره , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( سَيِّد الِاسْتِغْفَار أَنْ تَقُول اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدك وَأَنَا عَلَى عَهْدك وَوَعْدك مَا اِسْتَطَعْت أَعُوذ بِك مِنْ شَرّ مَا صَنَعْت أَبُوء لَك بِنِعْمَتِك عَلَيَّ وَأَبُوء بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِر الذُّنُوب إِلَّا أَنْتَ - قَالَ - وَمَنْ قَالَهَا مِنْ النَّهَار مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمه قَبْل أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْل الْجَنَّة وَمَنْ قَالَهَا مِنْ اللَّيْل وَهُوَ مُوقِن بِهَا فَمَاتَ مِنْ لَيْله قَبْل أَنْ يُصْبِح فَهُوَ مِنْ أَهْل الْجَنَّة ) . وَرَوَى أَبُو مُحَمَّد عَبْد الْغَنِيّ بْن سَعِيد مِنْ حَدِيث اِبْن لَهِيعَة عَنْ أَبِي صَخْر عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ أَبِي الصَّهْبَاء الْبَكْرِيّ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ثُمَّ قَالَ : ( أَلَّا أُعَلِّمك كَلِمَات تَقُولهُنَّ لَوْ كَانَتْ ذُنُوبك كَمَدَبِّ النَّمْل - أَوْ كَمَدَبِّ الذَّرّ لَغَفَرَهَا اللَّه لَك عَلَى أَنَّهُ مَغْفُور لَك : اللَّهُمَّ لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانك عَمِلْت سُوءًا وَظَلَمْت نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِر الذُّنُوب إِلَّا أَنْتَ ) .
ثم وصفهم بأجمل الصفات: بالصبر الذي هو: حبس النفوس على ما يحبه الله, طلبا لمرضاته.
يصبرون على طاعة الله, ويصبرون عن معاصيه, ويصبرون على أقداره المؤلمة.
وبالصدق بالأقوال والأحوال, وهو استواء الظاهر والباطن, وصدق العزيمة على سلوك الصراط المستقيم.
وبالقنوت الذي هو: دوام الطاعة, مع مصاحبة الخشوع والخضوع.
بالنفقات في سبل الخيرات, وعلى الفقراء, وأهل الحاجات.
وبالاستغفار, خصوصا وقت الأسحار, فإنهم مدوا الصلاة إلى وقت السحر, فجلسوا يستغفرون الله تعالى.
هم الذين اتصفوا بالصبر على الطاعات، وعن المعاصي، وعلى ما يصيبهم من أقدار الله المؤلمة، وبالصدق في الأقوال والأفعال وبالطاعة التامة، وبالإنفاق سرا وعلانية، وبالاستغفار في آخر الليل؛ لأنه مَظِنَّة القبول وإجابة الدعاء.
"الصَّابِرِينَ" عَلَى الطَّاعَة وَعَنْ الْمَعْصِيَة نَعْت "وَالصَّادِقِينَ" فِي الْإِيمَان "وَالْقَانِتِينَ" الْمُطِيعِينَ لِلَّهِ "وَالْمُنْفِقِينَ" الْمُتَصَدِّقِينَ " والمستغفرين" اللَّه بِأَنْ يَقُولُوا اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا "بِالْأَسْحَارِ" أَوَاخِر اللَّيْل خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا وَقْت الْغَفْلَة وَلَذَّة النَّوْم .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى " الصَّابِرِينَ " أَيْ فِي قِيَامهمْ بِالطَّاعَاتِ وَتَرْكهمْ الْمُحَرَّمَات " وَالصَّادِقِينَ " فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ مِنْ إِيمَانهمْ بِمَا يَلْتَزِمُونَهُ مِنْ الْأَعْمَال الشَّاقَّة " وَالْقَانِتِينَ " وَالْقُنُوت الطَّاعَة وَالْخُضُوع " وَالْمُنْفِقِينَ " أَيْ مِنْ أَمْوَالهمْ فِي جَمِيع مَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ الطَّاعَات وَصِلَة الْأَرْحَام وَالْقَرَابَات وَسَدّ الْخَلَّات وَمُوَاسَاة ذَوِي الْحَاجَات " وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ " دَلَّ عَلَى فَضِيلَة الِاسْتِغْفَار وَقْت الْأَسْحَار وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ يَعْقُوب عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا قَالَ لِبَنِيهِ " سَوْفَ أَسْتَغْفِر لَكُمْ رَبِّي" أَنَّهُ أَخَّرَهُمْ إِلَى وَقْت السَّحَر . وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرهمَا مِنْ الْمَسَانِيد وَالسُّنَن مِنْ غَيْر وَجْه مِنْ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ " يَنْزِل اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كُلّ لَيْلَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا حِين يَبْقَى ثُلُث اللَّيْل الْأَخِير فَيَقُول : هَلْ مِنْ سَائِل فَأُعْطِيه ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيب لَهُ ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِر فَأَغْفِر لَهُ ؟ " الْحَدِيث . وَقَدْ أَفْرَدَ الْحَافِظ أَبُو الْحَسَن الدَّارَقُطْنِيّ فِي ذَلِكَ جُزْءًا عَلَى حِدَة فَرَوَاهُ مِنْ طُرُق مُتَعَدِّدَة . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : مِنْ كُلّ اللَّيْل قَدْ أَوْتَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَوَّلِهِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَر. وَكَانَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر يُصَلِّي مِنْ اللَّيْل ثُمَّ يَقُول : يَا نَافِع هَلْ جَاءَ السَّحَر ؟ فَإِذَا قَالَ : نَعَمْ أَقْبَلَ عَلَى الدُّعَاء وَالِاسْتِغْفَار حَتَّى يُصْبِح رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم . وَقَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ حُرَيْث بْن أَبِي مَطَر عَنْ إِبْرَاهِيم بْن حَاطِب عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْت رَجُلًا فِي السَّحَر فِي نَاحِيَة الْمَسْجِد وَهُوَ يَقُول : يَا رَبّ أَمَرْتنِي فَأَطَعْتُك وَهَذَا السَّحَر فَاغْفِرْ لِي فَنَظَرْت فَإِذَا هُوَ اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَرَوَى اِبْن مَرْدُوَيه عَنْ أَنَس بْن مَالِك قَالَ : كُنَّا نُؤْمَر إِذَا صَلَّيْنَا مِنْ اللَّيْل أَنْ نَسْتَغْفِر فِي آخِر السَّحَر سَبْعِينَ مَرَّة .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { الصَّابِرِينَ } الَّذِينَ صَبَرُوا فِي الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَحِين الْبَأْس . وَيَعْنِي بِالصَّادِقِينَ : الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّه فِي قَوْلهمْ بِتَحْقِيقِهِمْ الْإِقْرَار بِهِ وَبِرَسُولِهِ , وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْده بِالْعَمَلِ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ وَالِانْتِهَاء عَمَّا نَهَاهُ عَنْهُ . وَيَعْنِي بِالْقَانِتِينَ : الْمُطِيعِينَ لَهُ . وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى الْإِبَانَة عَنْ كُلّ هَذِهِ الْحُرُوف وَمَعَانِيهَا بِالشَّوَاهِدِ عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَا فِيهَا , وَبِالْإِخْبَارِ عَمَّنْ قَالَ فِيهَا قَوْلًا فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع , وَقَدْ كَانَ قَتَادَة يَقُول فِي ذَلِكَ بِمَا : 5306 - حَدَّثَنَا بِهِ بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ } الصَّادِقِينَ : قَوْم صَدَقَتْ أَفْوَاههمْ , وَاسْتَقَامَتْ قُلُوبهمْ وَأَلْسِنَتهمْ , وَصَدَقُوا فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة . وَالصَّابِرِينَ : قَوْم صَبَرُوا عَلَى طَاعَة اللَّه , وَصَبَرُوا عَنْ مَحَارِمه . وَالْقَانِتُونَ : هُمْ الْمُطِيعُونَ لِلَّهِ . وَأَمَّا الْمُنْفِقُونَ : فَهُمْ الْمُؤْتُونَ زَكَوَات أَمْوَالهمْ , وَوَاضِعُوهَا عَلَى مَا أَمَرَهُمْ اللَّه بِإِتْيَانِهَا , وَالْمُنْفِقُونَ أَمْوَالهمْ فِي الْوُجُوه الَّتِي أَذِنَ اللَّه لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِإِنْفَاقِهَا فِيهَا . وَأَمَّا الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَسَائِر هَذِهِ الْحُرُوف فَمَخْفُوض رَدًّا عَلَى قَوْله : { الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبّنَا إِنَّنَا آمَنَّا } وَالْخَفْض فِي هَذِهِ الْحُرُوف يَدُلّ عَلَى أَنَّ قَوْله : { الَّذِينَ يَقُولُونَ } خُفِضَ رَدًّا عَلَى قَوْله : { لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا عِنْد رَبّهمْ } .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْقَوْم الَّذِينَ هَذِهِ الصِّفَة صِفَتهمْ , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُمْ الْمُصَلُّونَ بِالْأَسْحَارِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5307 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ } هُمْ أَهْل الصَّلَاة . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ قَتَادَة : { وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ } قَالَ : يُصَلُّونَ بِالْأَسْحَارِ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُمْ الْمُسْتَغْفِرُونَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5308 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ حُرَيْث بْن أَبِي مَطَر , عَنْ إِبْرَاهِيم بْن حَاطِب , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : سَمِعْت رَجُلًا فِي السَّحَر فِي نَاحِيَة الْمَسْجِد وَهُوَ يَقُول : رَبّ أَمَرْتنِي فَأَطَعْتُك , وَهَذَا سَحَر فَاغْفِرْ لِي ! فَنَظَرْت فَإِذَا اِبْن مَسْعُود . 5309 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا الْوَلِيد بْن مُسْلِم , قَالَ : سَأَلْت عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد بْن جَابِر , عَنْ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ } قَالَ : حَدَّثَنِي سُلَيْمَان بْن مُوسَى , قَالَ : ثنا نَافِع : أَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ يُحْيِي اللَّيْل صَلَاة , ثُمَّ يَقُول : يَا نَافِع أَسْحَرْنَا ؟ فَيَقُول : لَا . فَيُعَاوِد الصَّلَاة , فَإِذَا قُلْت : نَعَمْ , قَعَدَ يَسْتَغْفِر وَيَدْعُو حَتَّى يُصْبِح . 5310 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ بَعْض الْبَصْرِيِّينَ , عَنْ

أَنَس بْن مَالِك قَالَ : أُمِرْنَا أَنْ نَسْتَغْفِر بِالْأَسْحَارِ سَبْعِينَ اسْتِغْفَارَة . 5311 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا زَيْد بْن الْحُبَاب , قَالَ : ثنا أَبُو يَعْقُوب الضَّبِّيّ , قَالَ : سَمِعْت جَعْفَر بْن مُحَمَّد يَقُول : مَنْ صَلَّى مِنْ اللَّيْل ثُمَّ اِسْتَغْفَرَ فِي آخِر اللَّيْل سَبْعِينَ مَرَّة كُتِبَ مِنْ الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُمْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ الصُّبْح فِي جَمَاعَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5312 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْمَاعِيل بْن مَسْلَمَة أَخُو الْقَعْنَبِيّ قَالَ : ثنا يَعْقُوب بْن عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : قُلْت لِزَيْدِ بْن أَسْلَم مَنْ الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ؟ قَالَ : هُمْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ الصُّبْح . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِتَأْوِيلِ قَوْله : { وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ } قَوْل مَنْ قَالَ : هُمْ السَّائِلُونَ رَبّهمْ أَنْ يَسْتُر عَلَيْهِمْ فَضِيحَتهمْ بِهَا بِالْأَسْحَارِ , وَهِيَ جَمْع سَحَر . وَأَظْهَر مَعَانِي ذَلِكَ أَنْ تَكُون مَسْأَلَتهمْ إِيَّاهُ بِالدُّعَاءِ , وَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ : تَعَرُّضهمْ لِمَغْفِرَتِهِ بِالْعَمَلِ وَالصَّلَاة , غَيْر أَنَّ أَظْهَر مَعَانِيه مَا ذَكَرْنَا مِنْ الدُّعَاء .
مشاركة الموضوع