تفسير القرطبي

سورة آل عمران الآية ١٢٦

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦ ۗ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ﴿١٢٦﴾
الْهَاء لِلْمَدَدِ , وَهُوَ الْمَلَائِكَة أَوْ الْوَعْد أَوْ الْإِمْدَاد , وَيَدُلّ عَلَيْهِ " يُمْدِدْكُمْ " أَوْ لِلتَّسْوِيمِ أَوْ لِلْإِنْزَالِ أَوْ الْعَدَد عَلَى الْمَعْنَى ; لِأَنَّ خَمْسَة آلَاف عَدَد .


اللَّام لَام كَيْ , أَيْ وَلِتَطْمَئِنّ قُلُوبكُمْ بِهِ جَعَلَهُ ; كَقَوْلِهِ : " وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيح وَحِفْظًا " [ فُصِّلَتْ : 12 ] أَيْ وَحِفْظًا لَهَا جَعَلَ ذَلِكَ .



يَعْنِي نَصْر الْمُؤْمِنِينَ , وَلَا يَدْخُل فِي ذَلِكَ نَصْر الْكَافِرِينَ ; لِأَنَّ مَا وَقَعَ لَهُمْ مِنْ غَلَبَة إِنَّمَا هُوَ إِمْلَاء مَحْفُوف بِخِذْلَانٍ وَسُوء عَاقِبَة وَخُسْرَان .
ويدل عليه قوله " وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ " , وفي هذا أن الأسباب لا يعتمد عليها العبد, بل يعتمد على الله.
وإنما الأسباب وتوفرها, فيها طمأنينة للقلوب, وثبات كل على الخير.
وما جعل الله هذا الإمداد بالملائكة إلا بشرى لكم يبشركم بها ولتطمئن قلوبكم، وتطيب بوعد الله لكم. وما النصر إلا من عند الله العزيز الذي لا يغالَب، الحكيم في تدبيره وفعله.
"وَمَا جَعَلَهُ اللَّه" أَيْ الْإِمْدَاد "إلَّا بُشْرَى لَكُمْ" بِالنَّصْرِ "وَلِتَطْمَئِنّ" تَسْكُن "قُلُوبكُمْ بِهِ" فَلَا تَجْزَع مِنْ كَثْرَة الْعَدُوّ وَقِلَّتكُمْ "وَمَا النَّصْر إلَّا مِنْ عِنْد اللَّه الْعَزِيز الْحَكِيم" يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء وَلَيْسَ بِكَثْرَةِ الْجُنْد
قَوْله تَعَالَى " وَمَا جَعَلَهُ اللَّه إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنّ قُلُوبكُمْ بِهِ " أَيْ وَمَا أَنْزَلَ اللَّه الْمَلَائِكَة وَأَعْلَمكُمْ بِإِنْزَالِهِمْ إِلَّا بِشَارَة لَكُمْ وَتَطْيِيبًا لِقُلُوبِكُمْ وَتَطْمِينًا وَإِلَّا فَإِنَّمَا النَّصْر مِنْ عِنْد اللَّه الَّذِي لَوْ شَاءَ لَانْتَصَرَ مِنْ أَعْدَائِهِ بِدُونِكُمْ وَمِنْ غَيْر اِحْتِيَاج إِلَى قِتَالكُمْ لَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى بَعْد أَمْرِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْقِتَالِ " ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّه لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضكُمْ بِبَعْضٍ وَاَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيل اللَّه فَلَنْ يُضِلّ أَعْمَالهمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِح بَالهمْ وَيُدْخِلهُمْ الْجَنَّة عَرَّفَهَا لَهُمْ " وَلِهَذَا قَالَ هَهُنَا " وَمَا جَعَلَهُ اللَّه إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْر إِلَّا مِنْ عِنْد اللَّه الْعَزِيز الْحَكِيم " أَيْ هُوَ ذُو الْعِزَّة الَّتِي لَا تُرَام وَالْحِكْمَة فِي قَدْره وَالْإِحْكَام.
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا جَعَلَهُ اللَّه إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنّ قُلُوبكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْر إِلَّا مِنْ عِنْد اللَّه } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره : وَمَا جَعَلَ اللَّه وَعْده إِيَّاكُمْ مَا وَعَدَكُمْ مِنْ إِمْدَاده إِيَّاكُمْ بِالْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ ذَكَرَ عَدَدهمْ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ , يَعْنِي بُشْرَى يُبَشِّركُمْ بِهَا , { وَلِتَطْمَئِنّ قُلُوبكُمْ بِهِ } يَقُول : وَكَيْ تَطْمَئِنّ بِوَعْدِهِ الَّذِي وَعَدَكُمْ مِنْ ذَلِكَ قُلُوبكُمْ , فَتَسْكُن إِلَيْهِ , وَلَا تَجْزَع مِنْ كَثْرَة عَدَد عَدُوّكُمْ , وَقِلَّة عَدَدكُمْ . { وَمَا النَّصْر إِلَّا مِنْ عِنْد اللَّه } يَعْنِي وَمَا ظَفَركُمْ إِنْ ظَفِرْتُمْ بِعَدُوِّكُمْ إِلَّا بِعَوْنِ اللَّه , لَا مِنْ قِبَل الْمَدَد الَّذِي يَأْتِيكُمْ مِنْ الْمَلَائِكَة , يَقُول : فَعَلَى اللَّه فَتَوَكَّلُوا , وَبِهِ فَاسْتَعِينُوا , لَا بِالْجُمُوع وَكَثْرَة الْعَدَد , فَإِنْ نَصَرَكُمْ إِنْ كَانَ إِنَّمَا يَكُون بِاَللَّهِ وَبِعَوْنِهِ وَمَعَكُمْ مِنْ مَلَائِكَته خَمْسَة آلَاف , فَإِنَّهُ إِلَى أَنْ يَكُون ذَلِكَ بِعَوْنِ اللَّه وَبِتَقْوِيَتِهِ إِيَّاكُمْ عَلَى عَدُوّكُمْ , وَإِنْ كَانَ مَعَكُمْ مِنْ الْبَشَر جُمُوع كَثِيرَة أُخْرَى , فَاتَّقُوا اللَّه وَاصْبِرُوا عَلَى جِهَاده عَدُوّكُمْ , فَإِنَّ اللَّه نَاصِركُمْ عَلَيْهِمْ . كَمَا : 6180 - حَدَّثَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَمَا جَعَلَهُ اللَّه إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ } يَقُول : إِنَّمَا جَعَلَهُمْ لِيَسْتَبْشِرُوا بِهِمْ , وَلِيَطْمَئِنُّوا إِلَيْهِمْ , وَلَمْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ يَوْمئِذٍ , يَعْنِي يَوْم أُحُد . قَالَ مُجَاهِد : وَلَمْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ يَوْمئِذٍ وَلَا قَبْله وَلَا بَعْده إِلَّا يَوْم بَدْر . 6181 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { وَمَا جَعَلَهُ اللَّه إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنّ قُلُوبكُمْ بِهِ } لِمَا أَعْرِف مِنْ ضَعْفكُمْ , وَمَا النَّصْر إِلَّا مِنْ عِنْدِي بِسُلْطَانِي وَقُدْرَتِي , وَذَلِكَ أَنِّي أَعْرِف الْحِكْمَة الَّتِي لَا إِلَى أَحَد مِنْ خَلْقِي . 6182 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : { وَمَا النَّصْر إِلَّا مِنْ عِنْد اللَّه } لَوْ شَاءَ أَنْ يَنْصُركُمْ بِغَيْرِ الْمَلَائِكَة فَعَلَ الْعَزِيز الْحَكِيم .

وَأَمَّا مَعْنَى قَوْله : { الْعَزِيز الْحَكِيم } فَإِنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يَعْنِي : الْعَزِيز فِي اِنْتِقَامه مِنْ أَهْل الْكُفْر بِأَيْدِي أَوْلِيَائِهِ مِنْ أَهْل طَاعَته , الْحَكِيم فِي تَدْبِيره لَكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ عَلَى أَعْدَائِكُمْ مِنْ أَهْل الْكُفْر , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أُمُوره . يَقُول : فَأَبْشِرُوا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِتَدْبِيرِي لَكُمْ عَلَى أَعْدَائِكُمْ , وَنَصْرِي إِيَّاكُمْ عَلَيْهِمْ إِنْ أَنْتُمْ أَطَعْتُمُونِي فِيمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ وَصَبَرْتُمْ لِجِهَادِ عَدُوِّي وَعَدُوّكُمْ .
مشاركة الموضوع