تفسير القرطبي

سورة آل عمران الآية ١١٩

هَٰٓأَنتُمْ أُو۟لَآءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ عَضُّوا۟ عَلَيْكُمُ ٱلْأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا۟ بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴿١١٩﴾
يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ ; دَلِيله قَوْله " وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا " ; قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَة وَمُقَاتِل . وَالْمَحَبَّة هُنَا بِمَعْنَى الْمُصَافَاة , أَيْ أَنْتُمْ أَيّهَا الْمُسْلِمُونَ تُصَافُونَهُمْ وَلَا يُصَافُونَكُمْ لِنِفَاقِهِمْ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى تُرِيدُونَ لَهُمْ الْإِسْلَام وَهُمْ يُرِيدُونَ لَكُمْ الْكُفْر . وَقِيلَ : الْمُرَاد الْيَهُود ; قَالَهُ الْأَكْثَر . وَالْكِتَاب اِسْم جِنْس ; قَالَ اِبْن عَبَّاس : يَعْنِي بِالْكُتُبِ . وَالْيَهُود يُؤْمِنُونَ بِالْبَعْضِ ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّه قَالُوا نُؤْمِن بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ " [ الْبَقَرَة : 91 ] .



أَيْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَنَّهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .



فِيمَا بَيْنهمْ



يَعْنِي أَطْرَاف الْأَصَابِع

وَالْحَنَق عَلَيْكُمْ ; فَيَقُول بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : أَلَا تَرَوْنَ إِلَى هَؤُلَاءِ ظَهَرُوا وَكَثُرُوا . وَالْعَضّ عِبَارَة عَنْ شِدَّة الْغَيْظ مَعَ عَدَم الْقُدْرَة عَلَى إِنْفَاذه ; وَمِنْهُ قَوْل أَبِي طَالِب : يَعَضُّونَ غَيْظًا خَلْفنَا بِالْأَنَامِلِ وَقَالَ آخَر : إِذَا رَأَوْنِي أَطَالَ اللَّه غَيْظَهُمُ عَضُّوا مِنْ الْغَيْظ أَطْرَاف الْأَبَاهِيم يُقَال : عَضَّ يَعَضّ عَضًّا وَعَضِيضًا . وَالْعُضّ ( بِضَمِّ الْعَيْن ) : عَلَف دَوَابّ أَهْل الْأَمْصَار مِثْل الْكُسْب وَالنَّوَى الْمَرْضُوخ ; يُقَال مِنْهُ : أَعَضَّ الْقَوْم , إِذَا أَكَلَتْ إِبِلهمْ الْعُضّ . وَبَعِير عُضَاضِيّ , أَيْ سَمِين كَأَنَّهُ مَنْسُوب إِلَيْهِ . وَالْعِضّ ( بِالْكَسْرِ ) : الدَّاهِي مِنْ الرِّجَال وَالْبَلِيغ الْمَكْر . وَعَضّ الْأَنَامِل مِنْ فِعْل الْمُغْضَب الَّذِي فَاتَهُ مَا لَا يَقْدِر عَلَيْهِ , أَوْ نَزَلَ بِهِ مَا لَا يَقْدِر عَلَى تَغْيِيره . وَهَذَا الْعَضّ هُوَ بِالْأَسْنَانِ كَعَضِّ الْيَد عَلَى فَائِت قَرِيب الْفَوَات . وَكَقَرْعِ السِّنّ النَّادِمَة , إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ عَدّ الْحَصَى وَالْخَطّ فِي الْأَرْض لِلْمَهْمُومِ . وَيَكْتُب هَذَا الْعَضّ بِالضَّادِ السَّاقِطَة , وَعَظّ الزَّمَان بِالظَّاءِ الْمُشَالَة ; كَمَا قَالَ : وَعَظُّ زَمَان يَا اِبْن مَرْوَان لَمْ يَدَع مِنْ الْمَال إِلَّا مُسْحَتًا أَوْ مُجَلَّفَا وَوَاحِد الْأَنَامِل أُنْمُلَة ( بِضَمِّ الْمِيم ) وَيُقَال بِفَتْحِهَا , وَالضَّمّ أَشْهَر . وَكَانَ أَبُو الْجَوْزَاء إِذَا تَلَا هَذِهِ الْآيَة قَالَ : هُمْ الْإِبَاضِيَّة . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذِهِ الصِّفَة قَدْ تَتَرَتَّب فِي كَثِير مِنْ أَهْل الْبِدَع إِلَى يَوْم الْقِيَامَة .



إِنْ قِيلَ : كَيْفَ لَمْ يَمُوتُوا وَاَللَّه تَعَالَى إِذَا قَالَ لِشَيْءٍ : كُنْ فَيَكُون . قِيلَ عَنْهُ جَوَابَانِ : أَحَدهمَا : قَالَ فِيهِ الطَّبَرِيّ وَكَثِير مِنْ الْمُفَسِّرِينَ : هُوَ دُعَاء عَلَيْهِمْ . أَيْ قُلْ يَا مُحَمَّد أَدَامَ اللَّه غَيْظكُمْ إِلَى أَنْ تَمُوتُوا . فَعَلَى هَذَا يَتَّجِه أَنْ يَدْعُو عَلَيْهِمْ بِهَذَا مُوَاجَهَة وَغَيْر مُوَاجَهَة بِخِلَافِ اللَّعْنَة . الثَّانِي : إِنَّ الْمَعْنَى أَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يُدْرِكُونَ مَا يُؤَمِّلُونَ , فَإِنَّ الْمَوْت دُونَ ذَلِكَ . فَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى زَالَ مَعْنَى الدُّعَاء وَبَقِيَ مَعْنَى التَّقْرِيع وَالْإِغَاظَة . وَيَجْرِي هَذَا الْمَعْنَى مَعَ قَوْل مُسَافِر بْن أَبِي عَمْرو : وَيَتَمَنَّى فِي أَرُومَتنَا وَنَفْقَأ عَيْن مَنْ حَسَدَا وَيَنْظُر إِلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْله تَعَالَى : " مَنْ كَانَ يَظُنّ أَنْ لَنْ يَنْصُرهُ اللَّه فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَع " [ الْحَجّ : 15 ] .
وأيضا فما الموجب لمحبتهم واتخاذهم أولياء وبطانة, وقد تعلمون منهم الانحراف العظيم في الدين وفي مقابلة إحسانكم؟.
فأنتم مستقيمون على أديان الرسل, تؤمنون بكل رسول أرسله الله, وبكل كتاب أنزله الله.
وهم يكفرون بأجل الكتب, وأشرف الرسل, وأنتم تبذلون لهم من الشفقة والمحبة, ما لا يكافئونكم على أقل القليل منه.
فكيف تحبونهم, وهم لا يحبونكم, وهم يداهنونكم وينافقونكم.
فإذا لقوكم, قالوا: آمنا, وإذا خلوا مع بني جنسهم, عضوا عليكم الأنامل من شدة الغيظ والبغض لكم ولدينكم.
قال تعالى " قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ " أي: سترون من عز الإسلام, وذل الكفر, ما يسوءكم, وتموتون بغيظكم, فلن تدركوا شفاء ذلك بما تقصدون.
" إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ " فلذلك بين لعباده المؤمنين, ما تنطوي عليه صدور أعداء الدين من الكفار والمنافقين.
ها هوذا الدليل على خطئكم في محبتهم، فأنتم تحبونهم وتحسنون إليهم، وهم لا يحبونكم ويحملون لكم العداوة والبغضاء، وأنتم تؤمنون بالكتب المنزلة كلها ومنها كتابهم، وهم لا يؤمنون بكتابكم، فكيف تحبونهم؟ وإذا لقوكم قالوا -نفاقًا-: آمنَّا وصدَّقْنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض بدا عليهم الغم والحزن، فعَضُّوا أطراف أصابعهم من شدة الغضب، لما يرون من ألفة المسلمين واجتماع كلمتهم، وإعزاز الإسلام، وإذلالهم به. قل لهم -أيها الرسول-: موتوا بشدة غضبكم. إن الله مطَّلِع على ما تخفي الصدور، وسيجازي كلا على ما قدَّم مِن خير أو شر.
"هَا" لِلتَّنْبِيهِ "أَنْتُمْ" يَا "أُولَاءِ" الْمُؤْمِنِينَ "تُحِبُّونَهُمْ" لِقَرَابَتِهِمْ مِنْكُمْ وَصَدَاقَتهمْ "وَلَا يُحِبُّونَكُمْ" لِمُخَالَفَتِهِمْ لَكُمْ فِي الدِّين "وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلّه" أَيْ بِالْكُتُبِ كُلّهَا وَلَا يُؤْمِنُونَ بِكِتَابِكُمْ "وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الْأَنَامِل" أَطْرَاف الْأَصَابِع "مِنْ الْغَيْظ" شِدَّة الْغَضَب لِمَا يَرَوْنَ مِنْ ائْتِلَافكُمْ وَيُعَبَّر عَنْ شِدَّة الْغَضَب بِعَضِّ الْأَنَامِل مَجَازًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ عَضّ "قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ" أَيْ ابْقَوْا عَلَيْهِ إلَى الْمَوْت فَلَنْ تَرَوْا مَا يَسُرّكُمْ "إنَّ اللَّه عَلِيم بِذَاتِ الصُّدُور" بِمَا فِي الْقُلُوب وَمِنْهُ مَا يُضْمِرهُ هَؤُلَاءِ
قَوْله تَعَالَى " هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ " أَيْ أَنْتُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ تُحِبُّونَ الْمُنَافِقِينَ بِمَا يُظْهِرُونَ لَكُمْ مِنْ الْإِيمَان فَتُحِبُّونَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَهُمْ لَا يُحِبُّونَكُمْ لَا بَاطِنًا وَلَا ظَاهِرًا " وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلّه " أَيْ لَيْسَ عِنْدكُمْ فِي شَيْء مِنْهُ شَكّ وَلَا رَيْب وَهُمْ عِنْدهمْ الشَّكّ وَالرَّيْب وَالْحِيرَة وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَق حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد عَنْ عِكْرِمَة أَوْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس " وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلّه " أَيْ بِكِتَابِكُمْ وَكِتَابهمْ وَبِمَا مَضَى مِنْ الْكُتُب قَبْل ذَلِكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِكِتَابِكُمْ فَأَنْتُمْ أَحَقّ بِالْبَغْضَاءِ لَهُمْ مِنْهُمْ لَكُمْ رَوَاهُ اِبْن جَرِير " وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الْأَنَامِل مِنْ الْغَيْظ " وَالْأَنَامِل أَطْرَاف الْأَصَابِع قَالَهُ قَتَادَةُ . وَقَالَ الشَّاعِر : وَمَا حَمَلَتْ كَفَّايَ أَنَامِلِي الْعَشْرَا وَقَالَ اِبْن مَسْعُود وَالسُّدِّيّ وَالرَّبِيع بْن أَنَس : الْأَنَامِل الْأَصَابِع وَهَذَا شَأْن الْمُنَافِقِينَ يُظْهِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ الْإِيمَان وَالْمَوَدَّة وَهُمْ فِي الْبَاطِن بِخِلَافِ ذَلِكَ مِنْ كُلّ وَجْه كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الْأَنَامِل مِنْ الْغَيْظ وَذَلِكَ أَشَدّ الْغَيْظ وَالْحَنَق " قَالَ اللَّه تَعَالَى " قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّه عَلِيم بِذَاتِ الصُّدُور " أَيْ مَهْمَا كُنْتُمْ تَحْسُدُونَ عَلَيْهِ الْمُؤْمِنِينَ وَيَغِيظكُمْ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه مُتِمّ نِعْمَته عَلَى عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ وَمُكَمِّل دِينه وَمُعْلٍ كَلِمَته وَمُظْهِر دِينه فَمُوتُوا أَنْتُمْ بِغَيْظِكُمْ " إِنَّ اللَّه عَلِيم بِذَاتِ الصُّدُور " أَيْ هُوَ عَلِيم بِمَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ ضَمَائِركُمْ وَتُكِنّهُ سَرَائِركُمْ مِنْ الْبَغْضَاء وَالْحَسَد وَالْغِلّ لِلْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ مُجَازِيكُمْ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا بِأَنْ يُرِيكُمْ خِلَاف مَا تَأْمُلُونَ وَفِي الْآخِرَة بِالْعَذَابِ الشَّدِيد فِي النَّار الَّتِي أَنْتُمْ خَالِدُونَ فِيهَا لَا مَحِيد لَكُمْ عَنْهَا وَلَا خُرُوج لَكُمْ مِنْهَا .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلّه } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : هَا أَنْتُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ , يَقُول : تُحِبُّونَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّار الَّذِينَ نَهَيْتُكُمْ عَنْ اِتِّخَاذهمْ بِطَانَة مِنْ دُون الْمُؤْمِنِينَ , فَتَوَدُّونَهُمْ وَتُوَاصِلُونَهُمْ , وَهُمْ لَا يُحِبُّونَكُمْ , بَلْ يَنْتَظِرُونَ لَكُمْ الْعَدَاوَة وَالْغِشّ , وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلّه . وَمَعْنَى الْكِتَاب فِي هَذَا الْمَوْضِع , مَعْنَى الْجَمْع , كَمَا يُقَال : أَكْثَر الدِّرْهَم فِي أَيْدِي النَّاس , بِمَعْنَى الدَّرَاهِم , فَكَذَلِكَ قَوْله : { وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلّه } , إِنَّمَا مَعْنَاهُ : بِالْكُتُبِ كُلّهَا كِتَابكُمْ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّه إِلَيْكُمْ , وَكِتَابهمْ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَيْهِمْ , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْكُتُب الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّه عَلَى عِبَاده . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ تُؤْمِنُونَ بِالْكُتُبِ كُلّهَا , وَتَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ نَهَيْتُكُمْ عَنْ أَنْ تَتَّخِذُوهُمْ بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ , كُفَّار بِذَلِكَ كُلّه , بِجُحُودِهِمْ ذَلِكَ كُلّه مِنْ عُهُود اللَّه إِلَيْهِمْ , وَتَبْدِيلهمْ مَا فِيهِ مِنْ أَمْر اللَّه وَنَهْيه , أَوْلَى بِعَدَاوَتِكُمْ إِيَّاهُمْ , وَبَغْضَائِهِمْ وَغِشّهمْ مِنْهُمْ بِعَدَاوَتِكُمْ وَبَغْضَائِكُمْ مَعَ جُحُودهمْ بَعْض الْكُتُب وَتَكْذِيبهمْ بِبَعْضِهَا . كَمَا : 6090 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلّه } : أَيْ بِكِتَابِكُمْ وَكِتَابهمْ , وَبِمَا مَضَى مِنْ الْكُتُب قَبْل ذَلِكَ , وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِكِتَابِكُمْ , فَأَنْتُمْ أَحَقّ بِالْبَغْضَاءِ لَهُمْ مِنْهُمْ لَكُمْ . وَقَالَ : { هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ } وَلَمْ يَقُلْ : " هَؤُلَاءِ أَنْتُمْ " , فَفَرْق بَيْن " هَا وَ " أُولَاءِ " بِكِنَايَةِ اِسْم الْمُخَاطَبِينَ , لِأَنَّ الْعَرَب كَذَلِكَ تَفْعَل فِي هَذَا إِذَا أَرَادَتْ بِهِ التَّقْرِيب وَمَذْهَب النُّقْصَان لِلَّذِي يَحْتَاج إِلَى تَمَام الْخَبَر , وَذَلِكَ مِثْل أَنْ يُقَال لِبَعْضِهِمْ : أَيْنَ أَنْتَ ؟ فَيُجِيب الْمَقُول ذَلِكَ لَهُ . هَا أَنَا ذَا , فَيُفَرِّق بَيْن التَّنْبِيه وَ " ذَا " بِمَكْنِيِّ اِسْم نَفْسه , وَلَا يَكَادُونَ يَقُولُونَ : هَذَا أَنَا , ثُمَّ يُثَنِّي وَيَجْمَع عَلَى ذَلِكَ , وَرُبَّمَا أَعَادُوا حَرْف التَّنْبِيه مَعَ ذَا , فَقَالُوا : هَا أَنَا هَذَا وَلَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إِلَّا فِيمَا كَانَ تَقْرِيبًا , فَأَمَّا إِذَا كَانَ عَلَى غَيْر التَّقْرِيب وَالنُّقْصَان , قَالُوا : هَذَا هُوَ , وَهَذَا أَنْتَ , وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ مَعَ الْأَسْمَاء الظَّاهِرَة , يَقُولُونَ : هَذَا عَمْرو قَائِمًا , إِنْ كَانَ هَذَا تَقْرِيبًا . وَإِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ فِي الْمَكْنِيّ مَعَ التَّقْرِيب تَفْرِقَة بَيْن هَذَا إِذَا كَانَ بِمَعْنَى النَّاقِص الَّذِي يَحْتَاج إِلَى تَمَام , وَبَيْنه وَبَيْن مَا إِذَا كَانَ بِمَعْنَى الِاسْم الصَّحِيح . وَقَوْله : { تُحِبُّونَهُمْ } خَبَر لِلتَّقْرِيبِ . وَفِي هَذِهِ الْآيَة إِبَانَة مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْ حَال الْفَرِيقَيْنِ , أَعْنِي لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ , وَرَحْمَة أَهْل الْإِيمَان وَرَأْفَتهمْ بِأَهْلِ الْخِلَاف لَهُمْ , وَقَسَاوَة قُلُوب أَهْل الْكُفْر وَغِلْظَتهمْ عَلَى أَهْل الْإِيمَان . كَمَا : 6091 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلّه } فَوَاَللَّهِ إِنَّ الْمُؤْمِن لَيُحِبّ الْمُنَافِق وَيَأْوِي لَهُ وَيَرْحَمهُ , وَلَوْ أَنَّ الْمُنَافِق يَقْدِر عَلَى مَا يَقْدِر عَلَيْهِ الْمُؤْمِن مِنْهُ لَأَبَادَ خَضْرَاءَهُ . 6092 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : الْمُؤْمِن خَيْر لِلْمُنَافِقِ مِنْ الْمُنَافِق لِلْمُؤْمِنِ يَرْحَمهُ , وَلَوْ يَقْدِر الْمُنَافِق مِنْ الْمُؤْمِن عَلَى مِثْل مَا يَقْدِر الْمُؤْمِن عَلَيْهِ مِنْهُ لَأَبَادَ خَضْرَاءَهُ . وَكَانَ مُجَاهِد يَقُول : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي الْمُنَافِقِينَ . 6093 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الْأَنَامِل مِنْ الْغَيْظ } يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَهَى اللَّه الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَّخِذُوهُمْ بِطَانَة مِنْ دُونهمْ , وَوَصَفَهُمْ بِصِفَتِهِمْ إِذَا لَقُوا الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَعْطَوْهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ تَقِيَّة , حَذَرًا عَلَى أَنْفُسهمْ مِنْهُمْ , فَقَالُوا لَهُمْ : قَدْ آمَنَّا وَصَدَّقْنَا بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِذَا هُمْ خَلَوْا فَصَارُوا فِي خَلَاء حَيْثُ لَا يَرَاهُمْ الْمُؤْمِنُونَ , عَضُّوا عَلَى مَا يَرَوْنَ مِنْ اِئْتِلَاف الْمُؤْمِنِينَ , وَاجْتِمَاع كَلِمَتهمْ , وَصَلَاح ذَات بَيْنهمْ , { أَنَامِلهمْ } وَهِيَ أَطْرَاف أَصَابِعهمْ , تَغَيُّظًا مِمَّا بِهِمْ مِنْ الْمَوْجِدَة عَلَيْهِمْ , وَأَسَى عَلَى ظَهْر يُسْنِدُونَ إِلَيْهِ لِمُكَاشَفَتِهِمْ الْعَدَاوَة وَمُنَاجَزَتهمْ الْمُحَارَبَة . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6094 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الْأَنَامِل مِنْ الْغَيْظ } : إِذَا لَقُوا الْمُؤْمِنِينَ قَالُوا آمَنَّا لَيْسَ بِهِمْ إِلَّا مَخَافَة عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالهمْ , فَصَانَعُوهُمْ بِذَلِكَ . { وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الْأَنَامِل مِنْ الْغَيْظ } يَقُول : مِمَّا يَجِدُونَ فِي قُلُوبهمْ مِنْ الْغَيْظ وَالْكَرَاهَة لِمَا هُمْ عَلَيْهِ لَوْ يَجِدُونَ رِيحًا لَكَانُوا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ , فَهُمْ كَمَا نَعَتَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . 6095 - حُدِّثْنَا عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بِمِثْلِهِ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : مِنْ الْغَيْظ لِكَرَاهَتِهِمْ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ , وَلَمْ يَقُلْ : لَوْ يَجِدُونَ رِيحًا وَمَا بَعْده . 6096 - حَدَّثَنَا عَبَّاس بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا مُسْلِم , قَالَ : ثني يَحْيَى بْن عَمْرو بْن مَالِك الْبَكْرِيّ , قَالَ : ثنا أَبِي , قَالَ : كَانَ أَبُو الْجَوْزَاء إِذَا تَلَا هَذِهِ الْآيَة : { وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الْأَنَامِل مِنْ الْغَيْظ } قَالَ : هُمْ الْإِبَاضِيَّة . وَالْأَنَامِل : جَمْع أَنْمُلَة , وَيُقَال أُنْمُلَة , وَرُبَّمَا جُمِعَتْ أَنْمُلًا , قَالَ الشَّاعِر : أَوَدُّكُمَا مَا بَلَّ حَلْقِي رِيقَتِي وَمَا حَمَلَتْ كَفَّايَ أَنْمُلِي الْعَشْرَا وَهِيَ أَطْرَاف الْأَصَابِع ; كَمَا : 6097 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَاده , الْأَنَامِل : أَطْرَاف الْأَصَابِع . 6098 - حُدِّثْنَا عَنْ عَمَّار , عَنْ اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , بِمِثْلِهِ . 6099 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الْأَنَامِل } : الْأَصَابِع . 6100 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي الْأَحْوَص , عَنْ عَبْد اللَّه , قَوْله : { عَضُّوا عَلَيْكُمْ الْأَنَامِل مِنْ الْغَيْظ } قَالَ : عَضُّوا عَلَى أَصَابِعهمْ .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّه عَلِيم بِذَاتِ الصُّدُور } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْيَهُود الَّذِينَ وَصَفْت لَك صِفَتهمْ , وَأَخْبَرْتُك أَنَّهُمْ إِذَا لَقُوا أَصْحَابك , قَالُوا آمَنَّا , وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الْأَنَامِل مِنْ الْغَيْظ . مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ الَّذِي بِكُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ , لِاجْتِمَاع كَلِمَتهمْ , وَائْتِلَاف جَمَاعَتهمْ . وَخَرَجَ هَذَا الْكَلَام مَخْرَج الْأَمْر , وَهُوَ دُعَاء مِنْ اللَّه نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يَدْعُو عَلَيْهِمْ بِأَنْ يُهْلِكهُمْ اللَّه كَمَدًا مِمَّا بِهِمْ مِنْ الْغَيْظ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ , قَبْل أَنْ يَرَوْا فِيهِمْ مَا يَتَمَنَّوْنَ لَهُمْ مِنْ الْعَنَت فِي دِينهمْ , وَالضَّلَالَة بَعْد هُدَاهُمْ , فَقَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد , أَهْلِكُوا بِغَيْظِكُمْ , إِنَّ اللَّه عَلِيم بِذَاتِ الصُّدُور , يَعْنِي بِذَلِكَ : إِنَّ اللَّه ذُو عِلْم بِاَلَّذِي فِي صُدُور هَؤُلَاءِ الَّذِينَ إِذَا لَقُوا الْمُؤْمِنِينَ , قَالُوا : آمَنَّا , وَمَا يَنْطَوُونَ لَهُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْغِلّ وَالْغَمّ , وَيَعْتَقِدُونَ لَهُمْ مِنْ الْعَدَاوَة وَالْبَغْضَاء , وَبِمَا فِي صُدُور جَمِيع خَلْقه , حَافِظ عَلَى جَمِيعهمْ مَا هُوَ عَلَيْهِ مُنْطَوٍ مِنْ خَيْر وَشَرّ , حَتَّى يُجَازِي جَمِيعهمْ عَلَى مَا قَدَّمَ مِنْ خَيْر وَشَرّ , وَاعْتَقَدَ مِنْ إِيمَان وَكُفْر , وَانْطَوَى عَلَيْهِ لِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ نَصِيحَة أَوْ غِلّ وَغِمْر .
مشاركة الموضوع