الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْره : يَا أَيّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّه وَرَسُوله , وَأَقَرُّوا بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيّهمْ مِنْ عِنْد رَبّهمْ , { لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ } يَقُول : لَا تَتَّخِذُوا أَوْلِيَاء وَأَصْدِقَاء لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ دُونكُمْ , يَقُول : مِنْ دُون أَهْل دِينكُمْ وَمِلَّتكُمْ , يَعْنِي مِنْ غَيْر الْمُؤْمِنِينَ . وَإِنَّمَا جَعَلَ الْبِطَانَة مَثَلًا لِخَلِيلِ الرَّجُل فَشَبَّهَهُ بِمَا وَلِيَ بَطْنه مِنْ ثِيَابه لِحُلُولِهِ مِنْهُ فِي اِطِّلَاعه عَلَى أَسْرَاره , وَمَا يَطْوِيه عَنْ أَبَاعِده وَكَثِير مِنْ أَقَارِبه , مَحَلّ مَا وَلِيَ جَسَده مِنْ ثِيَابه , فَنَهَى اللَّه الْمُؤْمِنِينَ بِهِ أَنْ يَتَّخِذُوا مِنْ الْكُفَّار بِهِ أَخِلَّاء وَأَصْفِيَاء ثُمَّ عَرَّفَهُمْ مَا هُمْ عَلَيْهِ لَهُمْ مُنْطَوُونَ مِنْ الْغِشّ وَالْخِيَانَة , وَبَغْيهمْ إِيَّاهُمْ الْغَوَائِل , فَحَذَّرَهُمْ بِذَلِكَ مِنْهُمْ عَنْ مُخَالَّتهمْ , فَقَالَ تَعَالَى ذِكْره : { لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا } يَعْنِي لَا يَسْتَطِيعُونَ شَرًّا , مِنْ أَلَوْت أَلْوًا , يُقَال : مَا أَلَا فُلَان كَذَا , أَيْ مَا اِسْتَطَاعَ , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : جَهْرَاء لَا تَأْلُو إِذَا هِيَ أَظْهَرَتْ بَصَرًا وَلَا مِنْ عَيْلَة تُغْنِينِي يَعْنِي لَا تَسْتَطِيع عِنْد الظُّهْر إِبْصَارًا . وَإِنَّمَا يَعْنِي جَلَّ ذِكْره بِقَوْلِهِ : { لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا } الْبِطَانَة الَّتِي نَهَى الْمُؤْمِنِينَ عَنْ اِتِّخَاذهَا مِنْ دُونهمْ , فَقَالَ : إِنَّ هَذِهِ الْبِطَانَة لَا تَتْرُككُمْ طَاقَتهَا خَبَالًا : أَيْ لَا تَدَع جَهْدهَا فِيمَا أَوْرَثَكُمْ الْخَبَال . وَأَصْل الْخَبَال وَالْخَبَال : الْفَسَاد , ثُمَّ يُسْتَعْمَل فِي مَعَادِن كَثِيرَة يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ الْخَبَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ أُصِيبَ بِخَبَلٍ - أَوْ جِرَاح " . وَأَمَّا قَوْله : { وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَدُّوا عَنَتكُمْ , يَقُول : يَتَمَنَّوْنَ لَكُمْ الْعَنَت وَالشَّرّ فِي دِينكُمْ وَمَا يَسُوءكُمْ وَلَا يَسُرّكُمْ . ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي قَوْم مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا حُلَفَاءَهُمْ مِنْ الْيَهُود وَأَهْل النِّفَاق مِنْهُمْ , وَيُصَادِفُونَهُمْ الْمَوَدَّة بِالْأَسْبَابِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنهمْ فِي جَاهِلِيَّتهمْ قَبْل الْإِسْلَام , فَنَهَاهُمْ اللَّه عَنْ ذَلِكَ وَأَنْ يَسْتَنْصِحُوهُمْ فِي شَيْء مِنْ أُمُورهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6075 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : قَالَ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : كَانَ رِجَال مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُوَاصِلُونَ رِجَالًا مِنْ الْيَهُود لِمَا كَانَ بَيْنهمْ مِنْ الْجِوَار وَالْحِلْف فِي الْجَاهِلِيَّة , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ , فَنَهَاهُمْ عَنْ مُبَاطَنَتِهِمْ تَخَوُّفَ الْفِتْنَة عَلَيْهِمْ مِنْهُمْ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ } إِلَى قَوْله : { وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلّه } 6076 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا } فِي الْمُنَافِقِينَ مِنْ أَهْل الْمَدِينَة , نَهَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَوَلَّوْهُمْ . 6077 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ } نَهَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَسْتَدْخِلُوا الْمُنَافِقِينَ أَوْ يُؤَاخُوهُمْ , أَيْ يَتَوَلَّوْهُمْ مِنْ دُون الْمُؤْمِنِينَ . 6078 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ } هُمْ الْمُنَافِقُونَ . 6079 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار . قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا } يَقُول : لَا تَسْتَدْخِلُوا الْمُنَافِقِينَ , تَتَوَلَّوْهُمْ دُون الْمُؤْمِنِينَ . 6080 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَيَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَا : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْعَوَّام بْن حَوْشَب , عَنْ الْأَزْهَر بْن رَاشِد , عَنْ أَنَس بْن مَالِك , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ أَهْل الشِّرْك , وَلَا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمكُمْ عَرَبِيًّا " قَالَ : فَلَمْ نَدْرِ مَا ذَلِكَ حَتَّى أَتَوْا الْحَسَن فَسَأَلُوهُ , فَقَالَ : نَعَمْ , أَمَّا قَوْله : " لَا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمكُمْ عَرَبِيًّا " , فَإِنَّهُ يَقُول : لَا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمكُمْ " مُحَمَّد " ; وَأَمَّا قَوْله : " وَلَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ أَهْل الشِّرْك " , فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ الْمُشْرِكِينَ , يَقُول : لَا تَسْتَشِيرُوهُمْ فِي شَيْء مِنْ أُمُوركُمْ . قَالَ : قَالَ الْحَسَن : وَتَصْدِيق ذَلِكَ فِي كِتَاب اللَّه , ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ } . 6081 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ } أَمَّا الْبِطَانَة : فَهُمْ الْمُنَافِقُونَ . 6082 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ } . .. الْآيَة , قَالَ : لَا يَسْتَدْخِل الْمُؤْمِن الْمُنَافِق دُون أَخِيهِ . 6083 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ } . .. الْآيَة , قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ , وَقَرَأَ قَوْله : { قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاههمْ } . .. الْآيَة . وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيل قَوْله { وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ } فَقَالَ بَعْضهمْ مَعْنَاهُ : وَدُّوا مَا ضَلَلْتُمْ عَنْ دِينكُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6084 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ . : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ } يَقُول : مَا ضَلَلْتُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 6085 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ } يَقُول فِي دِينكُمْ , يَعْنِي : أَنَّهُمْ يَوَدُّونَ أَنْ تَعْنَتُوا فِي دِينكُمْ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَكَيْفَ قِيلَ : { وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ } فَجَاءَ بِالْخَبَرِ عَنْ الْبِطَانَة بِلَفْظِ الْمَاضِي فِي مَحَلّ الْحَال وَالْقَطْع بَعْد تَمَام الْخَبَر , وَالْحَالَات الَّتِي لَا تَكُون إِلَّا بِصُوَرِ الْأَسْمَاء وَالْأَفْعَال الْمُسْتَقْبَلَة دُون الْمَاضِيَة مِنْهَا ؟ قِيلَ : لَيْسَ الْأَمْر فِي ذَلِكَ عَلَى مَا ظَنَنْت مِنْ أَنَّ قَوْله : { وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ } حَال مِنْ الْبِطَانَة , وَإِنَّمَا هُوَ خَبَر عَنْهُمْ ثَانٍ , مُنْقَطِع عَنْ الْأَوَّل غَيْر مُتَّصِل بِهِ . وَإِنَّمَا تَأْوِيل الْكَلَام : يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة صِفَتهمْ كَذَا صِفَتهمْ كَذَا . فَالْخَبَر عَنْ الصِّفَة الثَّانِيَة غَيْر مُتَّصِل بِالصِّفَةِ الْأُولَى , وَإِنْ كَانَتَا جَمِيعًا مِنْ صِفَة شَخْص وَاحِد . وَقَدْ زَعَمَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة أَنَّ قَوْله : { وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ } مِنْ صِلَة الْبِطَانَة , وَقَدْ وُصِلَتْ بِقَوْلِهِ : { لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا } فَلَا وَجْه لِصِلَةٍ أُخْرَى بَعْد تَمَام الْبِطَانَة بِصِلَتِهِ , وَلَكِنَّ الْقَوْل فِي ذَلِكَ كَمَا بَيَّنَّا قَبْل مِنْ أَنَّ قَوْله : { وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ } خَبَر مُبْتَدَأ عَنْ الْبِطَانَة غَيْر الْخَبَر الْأَوَّل , وَغَيْر حَال مِنْ الْبِطَانَة وَلَا قُطِعَ مِنْهَا .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاههمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قَدْ بَدَتْ بَغْضَاء هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَهَيْتُكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنْ تَتَّخِذُوهُمْ بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ لَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ , يَعْنِي بِأَلْسِنَتِهِمْ . وَاَلَّذِي بَدَا لَهُمْ مِنْهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ إِقَامَتهمْ عَلَى كُفْرهمْ , وَعَدَاوَتهمْ مَنْ خَالَفَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ الضَّلَالَة , فَذَلِكَ مِنْ أَوْكَد الْأَسْبَاب مِنْ مُعَادَاتهمْ أَهْل الْإِيمَان , لِأَنَّ ذَلِكَ عَدَاوَة عَلَى الدِّين , وَالْعَدَاوَة عَلَى الدِّين , الْعَدَاوَة الَّتِي لَا زَوَال لَهَا إِلَّا بِانْتِقَالِ أَحَد الْمُتَعَادِيَيْنِ إِلَى مِلَّة الْآخَر مِنْهُمَا , وَذَلِكَ اِنْتِقَال مِنْ هُدًى إِلَّا ضَلَالَة كَانَتْ عِنْد الْمُنْتَقِل إِلَيْهَا ضَلَالَة قَبْل ذَلِكَ , فَكَانَ فِي إِبْدَائِهِمْ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَمُقَامهمْ عَلَيْهِ أَبْيَن الدَّلَالَة لِأَهْلِ الْإِيمَان عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْبَغْضَاء وَالْعَدَاوَة . وَقَدْ قَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى قَوْله : { قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاههمْ } قَدْ بَدَتْ بَغْضَاؤُهُمْ لِأَهْلِ الْإِيمَان إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَأَهْل الْكُفْر بِإِطْلَاعِ بَعْضهمْ بَعْضًا عَلَى ذَلِكَ . وَزَعَمَ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَة أَنَّ الَّذِينَ عَنَوْا بِهَذِهِ الْآيَة : أَهْل النِّفَاق , دُون مَنْ كَانَ مُصَرِّحًا بِالْكُفْرِ مِنْ الْيَهُود وَأَهْل الشِّرْك . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ 6086 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاههمْ } يَقُول : قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاه الْمُنَافِقِينَ إِلَى إِخْوَانهمْ مِنْ الْكُفَّار , مِنْ غِشّهمْ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْله وَبُغْضهمْ إِيَّاهُمْ . 6087 - حُدِّثْنَا عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاههمْ } يَقُول : مِنْ أَفْوَاه الْمُنَافِقِينَ . وَهَذَا الْقَوْل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ قَتَادَة قَوْل لَا مَعْنًى لَهُ , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره إِنَّمَا نَهَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَّخِذُوا بِطَانَة مِمَّنْ قَدْ عُرِفُوهُ بِالْغِشِّ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْله , وَالْبَغْضَاء إِمَّا بِأَدِلَّةِ ظَاهِرَة دَالَّة عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَتهمْ , وَإِمَّا بِإِظْهَارِ الْمَوْصُوفِينَ بِذَلِكَ الْعَدَاوَة وَالشَّنَآن وَالْمُنَاصَبَة لَهُمْ . فَأَمَّا مَنْ لَمْ يُثْبِتُوهُ مَعْرِفَة أَنَّهُ الَّذِي نَهَاهُمْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْ مُخَالَّته وَمُبَاطَنَتِهِ , فَغَيْر جَائِز أَنْ يَكُونُوا نَهَوْا عَنْ مُخَالَّته وَمُصَادَقَته إِلَّا بَعْد تَعْرِيفهمْ إِيَّاهُمْ , إِمَّا بِأَعْيَانِهِمْ وَأَسْمَائِهِمْ , وَإِمَّا بِصِفَاتٍ قَدْ عَرَفُوهُمْ بِهَا . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ إِبْدَاء الْمُنَافِقِينَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا فِي قُلُوبهمْ مِنْ بَغْضَاء الْمُؤْمِنِينَ إِلَى إِخْوَانهمْ مِنْ الْكُفَّار , غَيْر مُدْرِك بِهِ الْمُؤْمِنُونَ مَعْرِفَة مَا هُمْ عَلَيْهِ لَهُمْ مَعَ إِظْهَارهمْ الْإِيمَان بِأَلْسِنَتِهِمْ لَهُمْ وَالتَّوَدُّد إِلَيْهِمْ , كَانَ بَيِّنًا أَنَّ الَّذِي نَهَى اللَّه الْمُؤْمِنُونَ عَنْ اِتِّخَاذهمْ لِأَنْفُسِهِمْ بِطَانَة دُونهمْ , هُمْ الَّذِينَ قَدْ ظَهَرَتْ لَهُمْ بَغْضَاؤُهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ عَلَى مَا وَصَفَهُمْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِهِ , فَعَرَفَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ بِالصِّفَةِ الَّتِي نَعَتَهُمْ اللَّه بِهَا , وَأَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ تَعَالَى ذِكْره بِأَنَّهُمْ أَصْحَاب النَّار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ مِمَّنْ كَانَ لَهُ ذِمَّة وَعَهْد مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه مِنْ أَهْل الْكِتَاب , لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا الْمُنَافِقِينَ لَكَانَ الْأَمْر فِيهِمْ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا , وَلَوْ كَانُوا الْكُفَّار مِمَّنْ قَدْ نَاصَبَ الْمُؤْمِنِينَ الْحَرْب , لَمْ يَكُنْ الْمُؤْمِنُونَ مُتَّخِذِيهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ بِطَانَة مِنْ دُون الْمُؤْمِنِينَ مَعَ اِخْتِلَاف بِلَادهمْ وَافْتِرَاق أَمْصَارهمْ , وَلَكِنَّهُمْ الَّذِينَ كَانُوا بَيْن أَظْهُر الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْل الْكِتَاب أَيَّام رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِمَّنْ كَانَ لَهُ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْد وَعَقْد مِنْ يَهُود بَنِي إِسْرَائِيل . وَالْبَغْضَاء : مَصْدَر , وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : " قَدْ بَدَا الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاههمْ " , عَلَى وَجْه التَّذْكِير , وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ بِالتَّذْكِيرِ وَلَفْظه لَفْظ الْمُؤَنَّث , لِأَنَّ الْمَصَادِر تَأْنِيثهَا لَيْسَ بِالتَّأْنِيثِ اللَّازِم , فَيَجُوز تَذْكِير مَا خَرَجَ مِنْهَا عَلَى لَفْظ الْمُؤَنَّث وَتَأْنِيثه , كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : { وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَة } 11 67 وَكَمَا قَالَ : { فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَة مِنْ رَبّكُمْ } 6 157 وَفِي مَوْضِع آخَر : { وَأَخَذَتْ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَة } 11 94 { وَجَاءَتْكُمْ بَيِّنَة مِنْ رَبّكُمْ } 7 73 , 85 وَقَالَ : { مِنْ أَفْوَاههمْ } وَإِنَّمَا بَدَا مَا بَدَا مِنْ الْبَغْضَاء بِأَلْسِنَتِهِمْ , لِأَنَّ الْمَعْنِيّ بِهِ الْكَلَام الَّذِي ظَهَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ مِنْ أَفْوَاههمْ , فَقَالَ : قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاههمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا تُخْفِي صُدُورهمْ أَكْبَر } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : وَاَلَّذِي تُخْفِي صُدُورهمْ , يَعْنِي صُدُور هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَهَاهُمْ عَنْ اِتِّخَاذهمْ بِطَانَة فَتُخْفِيه عَنْكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَكْبَر , يَقُول : أَكْبَر مِمَّا قَدْ بَدَا لَكُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ أَفْوَاههمْ مِنْ الْبَغْضَاء وَأَعْظَم . كَمَا : 6088 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمَا تُخْفِي صُدُورهمْ أَكْبَر } يَقُول : وَمَا تُخْفِي صُدُورهمْ أَكْبَر مِمَّا قَدْ أَبْدَوْا بِأَلْسِنَتِهِمْ . 6089 - حُدِّثْنَا عَنْ عَمَّار , عَنْ اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَوْله : { وَمَا تُخْفِي صُدُورهمْ أَكْبَر } يَقُول : مَا تُكِنّ صُدُورهمْ أَكْبَر مِمَّا قَدْ أَبْدَوْا بِأَلْسِنَتِهِمْ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الْآيَات إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْآيَات , يَعْنِي بِالْآيَاتِ : الْعِبَر , قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ مِنْ أَمْر هَؤُلَاءِ الْيَهُود الَّذِينَ نَهَيْنَاكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوهُمْ بِطَانَة مِنْ دُون الْمُؤْمِنِينَ مَا تَعْتَبِرُونَ وَتَتَّعِظُونَ بِهِ مِنْ أَمْرهمْ , { إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ } يَعْنِي : إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ عَنْ اللَّه مَوَاعِظه وَأَمْره وَنَهْيه , وَتَعْرِفُونَ مَوَاقِع نَفْع ذَلِكَ مِنْكُمْ وَمَبْلَغ عَائِدَته عَلَيْكُمْ .