تفسير القرطبي

سورة آل عمران الآية ١١٢

ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوٓا۟ إِلَّا بِحَبْلٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍۢ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ ﴿١١٢﴾
يَعْنِي الْيَهُود .



أَيْ وُجِدُوا وَلُقُوا , وَتَمَّ الْكَلَام . وَقَدْ مَضَى فِي الْبَقَرَة مَعْنَى ضَرْب الذِّلَّة عَلَيْهِمْ .



اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِع لَيْسَ مِنْ الْأَوَّل . أَيْ لَكِنَّهُمْ يَعْتَصِمُونَ بِحَبْلٍ مِنْ اللَّه .



يَعْنِي الذِّمَّة الَّتِي لَهُمْ . وَالنَّاس : مُحَمَّد وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤَدُّونَ إِلَيْهِمْ الْخَرَاج فَيُؤْمِنُونَهُمْ . وَفِي الْكَلَام اِخْتِصَار , وَالْمَعْنَى : إِلَّا أَنْ يَعْتَصِمُوا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّه , فَحَذَفَ ; قَالَهُ الْفَرَّاء .


أَيْ رَجَعُوا . وَقِيلَ اِحْتَمَلُوا . وَأَصْله فِي اللُّغَة أَنَّهُ لَزِمَهُمْ , وَقَدْ مَضَى فِي الْبَقَرَة . ثُمَّ أَخْبَرَ لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ .



مَعْطُوف عَلَى " يَكْفُرُونَ " وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَن " يَقْتُلُونَ " وَعَنْهُ أَيْضًا كَالْجَمَاعَةِ . وَقَرَأَ نَافِع " النَّبِيِّينَ " بِالْهَمْزِ حَيْثُ وَقَعَ فِي الْقُرْآن إِنَّ فِي مَوْضِعَيْنِ : فِي سُورَة الْأَحْزَاب : " إِنْ وَهَبَتْ نَفْسهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ " [ الْأَحْزَاب : 50 ] . و " لَا تَدْخُلُوا بُيُوت النَّبِيّ إِلَّا " [ الْأَحْزَاب : 53 ] فَإِنَّهُ قَرَأَ بِلَا مَدّ وَلَا هَمْز . وَإِنَّمَا تَرَكَ هَمْز هَذَيْنِ لِاجْتِمَاعِ هَمْزَتَيْنِ مَكْسُورَتَيْنِ . وَتَرَكَ الْهَمْز فِي جَمِيع ذَلِكَ الْبَاقُونَ . فَأَمَّا مَنْ هَمَزَ فَهُوَ عِنْده مِنْ أَنْبَأَ إِذَا أَخَّرَ ; وَاسْم فَاعِله مُنْبِئ . وَجَمْع نَبِيء أَنْبِيَاء , وَقَدْ جَاءَ فِي جَمْع نَبِيّ نُبَآء ; قَالَ الْعَبَّاس بْن مِرْدَاس السُّلَمِيّ يَمْدَح النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا خَاتِم النُّبَآء إِنَّك مُرْسَل بِالْحَقِّ كُلّ هُدَى السَّبِيل هُدَاكَا هَذَا مَعْنَى قِرَاءَة الْهَمْز . وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِتَرْكِ الْهَمْز ; فَمِنْهُمْ مَنْ اُشْتُقَّ اِشْتِقَاق مَنْ هَمَزَ , ثُمَّ سَهَّلَ الْهَمْز . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هُوَ مُشْتَقّ مِنْ نَبَا يَنْبُو إِذَا ظَهَرَ . فَالنَّبِيّ مِنْ النُّبُوَّة وَهُوَ الِارْتِفَاع ; فَمَنْزِلَة النَّبِيّ رَفِيعَة . وَالنَّبِيّ بِتَرْكِ الْهَمْز أَيْضًا الطَّرِيق , فَسُمِّيَ الرَّسُول نَبِيًّا لِاهْتِدَاءِ الْخَلْق بِهِ كَالطَّرِيقِ , قَالَ الشَّاعِر : لَأَصْبَحَ رَتْمًا دِقَاق الْخُصَى مَكَان النَّبِيّ مِنْ الْكَاثِب رَتَمْت الشَّيْء : كَسَرْته ; يُقَال : رَتَمَ أَنْفه وَرَثْمه , بِالتَّاءِ وَالثَّاء جَمِيعًا . وَالرَّتْم أَيْضًا الْمَرْتُوم أَيْ الْمَكْسُور . وَالْكَاثِب اِسْم جَبَل . فَالْأَنْبِيَاء لَنَا كَالسُّبُلِ فِي الْأَرْض . وَيُرْوَى أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : السَّلَام عَلَيْك يَا نَبِيء اللَّه ; وَهَمَزَ . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَسْت بِنَبِيءِ اللَّه وَهَمَزَ وَلَكِنِّي نَبِيّ اللَّه ) وَلَمْ يَهْمِز . قَالَ أَبُو عَلِيّ : ضُعِّفَ سَنَد هَذَا الْحَدِيث ; وَمِمَّا يُقَوِّي ضَعْفه أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام قَدْ أَنْشَدَهُ الْمَادِح : يَا خَاتَم النُّبَآء . .. وَلَمْ يُؤْثَر فِي ذَلِكَ إِنْكَار .


تَعْظِيم لِلشَّنْعَةِ وَالذَّنْب الَّذِي أَتَوْهُ

فَإِنْ قِيلَ : هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَصِحّ أَنْ يُقْتَلُوا بِالْحَقِّ ; وَمَعْلُوم أَنَّ الْأَنْبِيَاء مَعْصُومُونَ مِنْ أَنْ يَصْدُر مِنْهُمْ مَا يُقْتَلُونَ بِهِ . قِيلَ لَهُ : لَيْسَ كَذَلِكَ ; وَإِنَّمَا خَرَجَ هَذَا مَخْرَج الصِّفَة لِقَتْلِهِمْ أَنَّهُ ظُلْم وَلَيْسَ بِحَقٍّ ; فَكَانَ هَذَا تَعْظِيمًا لِلشَّنْعَةِ عَلَيْهِمْ ; وَمَعْلُوم أَنَّهُ لَا يُقْتَل نَبِيّ بِحَقٍّ , وَلَكِنْ يُقْتَل عَلَى الْحَقّ ; فَصَرَّحَ قَوْله : " بِغَيْرِ الْحَقّ " عَنْ شُنْعَة الذَّنْب وَوُضُوحه ; وَلَمْ يَأْتِ نَبِيّ قَطُّ بِشَيْءٍ يُوجِب قَتْله .

فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ جَازَ أَنْ يُخَلَّى بَيْنَ الْكَافِرِينَ وَقَتْل الْأَنْبِيَاء قِيلَ : ذَلِكَ كَرَامَة لَهُمْ وَزِيَادَة فِي مَنَازِلهمْ ; كَمَثَلِ مَنْ يُقْتَل فِي سَبِيل اللَّه مِنْ الْمُؤْمِنِينَ , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِخِذْلَانٍ لَهُمْ . قَالَ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن : لَمْ يُقْتَل نَبِيّ قَطُّ مِنْ الْأَنْبِيَاء إِلَّا مَنْ لَمْ يُؤْمَر بِقِتَالٍ , وَكُلّ مَنْ أُمِرَ بِقِتَالٍ نُصِرَ .


ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ " " ذَلِكَ " رَدّ عَلَى الْأَوَّل وَتَأْكِيد لِلْإِشَارَةِ إِلَيْهِ . وَالْبَاء فِي " بِمَا " بَاء السَّبَب . قَالَ الْأَخْفَش : أَيْ بِعِصْيَانِهِمْ . وَالْعِصْيَان : خِلَاف الطَّاعَة . وَاعْتَصْت النَّوَاة إِذَا اِشْتَدَّتْ . وَالِاعْتِدَاء : تَجَاوُز الْحَدّ فِي كُلّ شَيْء ; وَعُرْف فِي ذَلِكَ وَالْمَعَاصِي .
هذا إخبار من الله تعالى أن اليهود ضربت عليهم الذلة, فهم خائفون أينما ثقفوا.
ولا يؤمنهم شيء إلا معاهدة, وسبب يأمنون به, يرضخون لأحكام الإسلام, ويعترفون بالجزية.
أو " وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ " أي: إذا كانوا تحت ولاية غيرهم ونظارتهم, كما شوهد حالهم سابقا ولاحقا.
فإنهم لم يتمكنوا في الوقت الأخير من الملك المؤقت في فلسطين, إلا بنصر الدول الكبرى, وتمهيدها لهم كل سبب.
" وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ " أي: قد غضب الله عليهم, وعاقبهم بالذلة والمسكنة.
والسبب في ذلك, كفرهم بآيات الله, وقتلهم الأنبياء بغير حق.
أي: ليس ذلك عن جهل, وإنما هو بغي وعناد.
تلك العقوبات المتنوعة عليهم " بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ " .
فالله تعالى, لم يظلمهم ويعاقبهم بغير ذنب.
وإنما الذي أجراه عليهم بسبب بغيهم وعدوانهم, وكفرهم وتكذيبهم للرسل, وجناياتهم الفظيعة.
جعل الله الهوان والصغار أمرًا لازمًا لا يفارق اليهود، فهم أذلاء محتقرون أينما وُجِدوا، إلا بعهد من الله وعهد من الناس يأمنون به على أنفسهم وأموالهم، وذلك هو عقد الذمة لهم وإلزامهم أحكام الإسلام، ورجعوا بغضب من الله مستحقين له، وضُربت عليهم الذلَّة والمسكنة، فلا ترى اليهوديَّ إلا وعليه الخوف والرعب من أهل الإيمان؛ ذلك الذي جعله الله عليهم بسبب كفرهم بالله، وتجاوزهم حدوده، وقَتْلهم الأنبياء ظلمًا واعتداء، وما جرَّأهم على هذا إلا ارتكابهم للمعاصي، وتجاوزهم حدود الله.
"ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّة أَيْنَ مَا ثُقِفُوا" حَيْثُمَا وُجِدُوا فَلَا عِزّ لَهُمْ وَلَا اعْتِصَام "إلَّا" كَائِنِينَ "بِحَبْلٍ مِنْ اللَّه وَحَبْل مِنْ النَّاس" الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ عَهْدهمْ إلَيْهِمْ بِالْأَمَانِ عَلَى أَدَاء الْجِزْيَة أَيْ لَا عِصْمَة لَهُمْ غَيْر ذَلِكَ "وَبَاءُوا" رَجَعُوا "بِغَضَبٍ مِنْ اللَّه وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الْمَسْكَنَة ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ" أَيْ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ "كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّه وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقّ ذَلِكَ" "كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّه وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقّ ذَلِكَ" تَأْكِيد "بِمَا عَصَوْا" أَمْر اللَّه "وَكَانُوا يَعْتَدُونَ" يَتَجَاوَزُونَ الْحَلَال إلَى الْحَرَام .
قَالَ تَعَالَى " ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّة أَيْنَمَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّه وَحَبْل مِنْ النَّاس " أَيْ أَلْزَمَهُمْ اللَّه الذِّلَّة وَالصَّغَار أَيْنَمَا كَانُوا فَلَا يَأْمَنُونَ " إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّه " أَيْ بِذِمَّةٍ مِنْ اللَّه وَهُوَ عَقْد الذِّمَّة لَهُمْ وَضَرْبُ الْجِزْيَة عَلَيْهِمْ وَإِلْزَامهمْ أَحْكَام الْمِلَّة " وَحَبْل مِنْ النَّاس " أَيْ أَمَانٍ مِنْهُمْ لَهُمْ كَمَا فِي الْمُهَادَن وَالْمُعَاهَد وَالْأَسِير إِذَا أَمَّنَهُ وَاحِد مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ اِمْرَأَة وَكَذَا عَبْد عَلَى أَحَد قَوْلَيْ الْعُلَمَاء قَالَ اِبْن عَبَّاس " إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّه وَحَبْل مِنْ النَّاس " أَيْ بِعَهْدٍ مِنْ اللَّه وَعَهْد مِنْ النَّاس وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَعَطَاء وَالضَّحَّاك وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَالسُّدِّيّ وَالرَّبِيع بْن أَنَس . وَقَوْله " وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّه" أَيْ أُلْزِمُوا فَالْتَزَمُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّه وَهُمْ يَسْتَحِقُّونَهُ " وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الْمَسْكَنَة " أَيْ أُلْزَمُوهَا قَدَرًا وَشَرْعًا . وَلِهَذَا قَالَ " ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّه وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقّ " أَيْ إِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْكِبْر وَالْبَغْي وَالْحَسَد فَأَعْقَبَهُمْ ذَلِكَ الذِّلَّة وَالصَّغَار وَالْمَسْكَنَة أَبَدًا مُتَّصِلًا بِذُلِّ الْآخِرَة ثُمَّ قَالَ تَعَالَى " ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ " أَيْ إِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى الْكُفْر بِآيَاتِ اللَّه وَقَتْلِ رُسُل اللَّه وَقُيِّضُوا لِذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْثِرُونَ الْعِصْيَان لِأَوَامِرِ اللَّه وَالْغِشْيَان لِمَعَاصِي اللَّه وَالِاعْتِدَاء فِي شَرْع اللَّه فَعِيَاذًا بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ وَاَللَّه عَزَّ وَجَلَّ الْمُسْتَعَان . قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا يُونُس بْن حَبِيب حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيّ حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ سُلَيْمَان الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ أَبِي مَعْمَر الْأَزْدِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيل تَقْتُل فِي الْيَوْم ثَلَثمِائَةِ نَبِيّ ثُمَّ يَقُوم سُوق بَقْلهمْ فِي آخِر النَّهَار .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّة أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّه وَحَبْل مِنْ النَّاس } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ { ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّة } أُلْزِمُوا الذِّلَّة , وَالذِّلَّة : الْفِعْلَة مِنْ الذُّلّ , وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع . { أَيْنَمَا ثُقِفُوا } يَعْنِي : حَيْثُمَا لَقُوا . يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أُلْزِمَ الْيَهُود الْمُكَذِّبُونَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذِّلَّة أَيْنَمَا كَانُوا مِنْ الْأَرْض , وَبِأَيِّ مَكَان كَانُوا مِنْ بِقَاعِهَا مِنْ بِلَاد الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ , إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّه , وَحَبْل مِنْ النَّاس كَمَا : 6032 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا هَوْذَة , قَالَ : ثنا عَوْف , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّة أَيْنَمَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّه وَحَبْل مِنْ النَّاس وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الْمَسْكَنَة } قَالَ : أَدْرَكَتْهُمْ هَذِهِ الْأُمَّة , وَإِنَّ الْمَجُوس لَتَجْبِيهِمْ الْجِزْيَة . 6033 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سِنَان , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر الْحَنَفِيّ , قُلْ : ثنا عَبَّاد , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّة أَيْنَمَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّه وَحَبْل مِنْ النَّاس } قَالَ : أَذَلَّهُمْ اللَّه فَلَا مَنَعَة لَهُمْ وَجَعَلَهُمْ اللَّه تَحْت أَقْدَام الْمُسْلِمِينَ . وَأَمَّا الْحَبْل الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَإِنَّهُ السَّبَب الَّذِي يَأْمَنُونَ بِهِ عَلَى أَنْفُسهمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ , وَعَلَى أَمْوَالهمْ وَذَرَارِيّهمْ مِنْ عَهْد وَأَمَان تَقَدَّمَ لَهُمْ عَقْده قَبْل أَنْ يُثْقَفُوا فِي بِلَاد الْإِسْلَام . كَمَا : 6034 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّه } قَالَ : بِعَهْدٍ , { وَحَبْل مِنْ النَّاس } قَالَ : بِعَهْدِهِمْ . 6035 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّة أَيْنَمَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّه وَحَبْل مِنْ النَّاس } يَقُول : إِلَّا بِعَهْدٍ مِنْ اللَّه , وَعَهْد مِنْ النَّاس . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . 6036 - حَدَّثَنَا حُمَيْد بْن مَسْعَدَة , قَالَ : ثنا يَزِيد , عَنْ عُثْمَان بْن غِيَاث , قَالَ عِكْرِمَة : يَقُول : { إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّه وَحَبْل مِنْ النَّاس } قَالَ : بِعَهْدٍ مِنْ اللَّه , وَعَهْد مِنْ النَّاس . 6037 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّه وَحَبْل مِنْ النَّاس } يَقُول : إِلَّا بِعَهْدٍ مِنْ اللَّه , وَعَهْد مِنْ النَّاس . 6038 - حَدَّثَنَا عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَوْله : { إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّه وَحَبْل مِنْ النَّاس } يَقُول : إِلَّا بِعَهْدٍ مِنْ اللَّه , وَعَهْد مِنْ النَّاس . 6039 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { أَيْنَمَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّه وَحَبْل مِنْ النَّاس } فَهُوَ عَهْد مِنْ اللَّه , وَعَهْد مِنْ النَّاس , كَمَا يَقُول الرَّجُل : ذِمَّة اللَّه , وَذِمَّة رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَهُوَ الْمِيثَاق . 6040 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج قَالَ : قَالَ مُجَاهِد : { أَيْنَمَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّه وَحَبْل مِنْ النَّاس } قَالَ : بِعَهْدٍ مِنْ اللَّه , وَعَهْد مِنْ النَّاس لَهُمْ . قَالَ اِبْن جُرَيْج وَقَالَ عَطَاء : الْعَهْد : حَبْل اللَّه . 6041 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { أَيْنَمَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّه وَحَبْل مِنْ النَّاس } قَالَ : إِلَّا بِعَهْدٍ وَهُمْ يَهُود , قَالَ : وَالْحَبْل : الْعَهْد . قَالَ : وَذَلِكَ قَوْل أَبِي الْهَيْثَم بْن التَّيْهَان لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين أَتَتْهُ الْأَنْصَار فِي الْعَقَبَة : أَيّهَا الرَّجُل إِنَّا قَاطِعُونَ فِيك حِبَالًا بَيْننَا وَبَيْن النَّاس , يَقُول : عُهُودًا . قَالَ : وَالْيَهُود لَا يَأْمَنُونَ فِي أَرْض مِنْ أَرْض اللَّه إِلَّا بِهَذَا الْحَبْل الَّذِي لِلَّهِ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ , وَقَرَأَ : { وَجَاعِل الَّذِينَ اِتَّبَعُوك فَوْق الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة } 3 55 قَالَ : فَلَيْسَ بَلَد فِيهِ أَحَد مِنْ النَّصَارَى إِلَّا وَهُمْ فَوْق يَهُود فِي شَرْق وَلَا غَرْب هُمْ فِي الْبُلْدَان كُلّهَا مُسْتَذَلُّونَ , قَالَ اللَّه : { وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْض أُمَمًا } 7 168 يَهُود . 6042 - حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : ثنا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك فِي قَوْله : { إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّه وَحَبْل مِنْ النَّاس } يَقُول : بِعَهْدٍ مِنْ اللَّه , وَعَهْد مِنْ النَّاس . * - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , مِثْله . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي الْمَعْنَى الَّذِي جَلَبَ الْبَاء فِي قَوْله : { إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّه وَحَبْل مِنْ النَّاس } فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة : الَّذِي جَلَبَ الْبَاء فِي قَوْله : { بِحَبْلٍ } فِعْل مُضْمَر قَدْ تُرِكَ ذِكْره . قَالَ : وَمَعْنَى الْكَلَام : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّة أَيْنَمَا ثُقِفُوا , إِلَّا أَنْ يَعْتَصِمُوا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّه , فَأَضْمَرَ ذَلِكَ . وَاسْتَشْهَدَ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِر : رَأَتْنِي بِحَبْلَيْهَا فَصَدَّتْ مَخَافَة وَفِي الْحَبْل رَوْعَاء الْفُؤَاد فَرُوق وَقَالَ : أَرَادَ : أَقْبَلَتْ بِحَبْلَيْهَا . وَبِقَوْلِ الْآخَر : حَنَتْنِي حَانِيَات الدَّهْر حَتَّى كَأَنِّي خَاتِل أَحْنُو لِصَيْدِ فَأَوْجَبَ إِعْمَال فِعْل مَحْذُوف وَإِظْهَار صِلَته وَهُوَ مَتْرُوك , وَذَلِكَ فِي مَذَاهِب الْعَرَبِيَّة ضَعِيف , وَمِنْ كَلَام الْعَرَب بَعِيد . وَأَمَّا مَا اِسْتَشْهَدَ بِهِ لِقَوْلِهِ مِنْ الْأَبْيَات , فَغَيْر دَالّ عَلَى صِحَّة دَعْوَاهُ , لِأَنَّ فِي قَوْل الشَّاعِر : " رَأَتْنِي بِحَبْلَيْهَا " , دَلَالَة بَيِّنَة فِي أَنَّهَا رَأَتْهُ بِالْحَبْلِ مُمْسِكًا , فَفِي إِخْبَاره عَنْهَا أَنَّهَا رَأَتْهُ بِحَبْلَيْهَا إِخْبَار مِنْهُ أَنَّهَا رَأَتْهُ مُمْسِكًا بِالْحَبْلَيْنِ , فَكَانَ فِيمَا ظَهَرَ مِنْ الْكَلَام مُسْتَغْنًى عَنْ ذِكْر الْإِمْسَاك , وَكَانَتْ الْبَاء صِلَة لِقَوْلِهِ : " رَأَتْنِي " , كَمَا فِي قَوْل الْقَائِل : أَنَا بِاَللَّهِ مُكْتَفٍ بِنَفْسِهِ , وَمَعْرِفَة السَّامِع مَعْنَاهُ أَنْ تَكُون الْبَاء مُحْتَاجَة إِلَى كَلَام يَكُون لَهَا جَالِبًا غَيْر الَّذِي ظَهَرَ , وَأَنَّ الْمَعْنَى أَنَا بِاَللَّهِ مُسْتَعِين . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : قَوْله : { إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّه } اِسْتِثْنَاء خَارِج مِنْ أَوَّل الْكَلَام , قَالَ : وَلَيْسَ ذَلِكَ بِأَشَدَّ مِنْ قَوْله : { لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا } 19 62 وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ نَحْوِيِّي الْكُوفَة : هُوَ اِسْتِثْنَاء مُتَّصِل . وَالْمَعْنَى : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّة أَيْنَمَا ثُقِفُوا : أَيْ بِكُلِّ مَكَان , إِلَّا بِمَوْضِعِ حَبْل مِنْ اللَّه , كَمَا تَقُول : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّة فِي الْأَمْكِنَة إِلَّا فِي هَذَا الْمَكَان , وَهَذَا أَيْضًا طَلَب الْحَقّ , فَأَخْطَأَ الْمُفَصِّل , وَذَلِكَ أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ اِسْتِثْنَاء مُتَّصِل , وَلَوْ كَانَ مُتَّصِلًا كَمَا زَعَمَ لَوَجَبَ أَنْ يَكُون الْقَوْم إِذَا ثُقِفُوا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّه وَحَبْل مِنْ النَّاس غَيْر مَضْرُوبَة عَلَيْهِمْ الْمَسْكَنَة , وَلَيْسَ ذَلِكَ صِفَة الْيَهُود لِأَنَّهُمْ أَيْنَمَا ثُقِفُوا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّه وَحَبْل مِنْ النَّاس , أَوْ بِغَيْرِ حَبْل مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَغَيْر حَبْل مِنْ النَّاس , فَالذِّلَّة مَضْرُوبَة عَلَيْهِمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْ أَهْل التَّأْوِيل قَبْل . فَلَوْ كَانَ قَوْله : { إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّه وَحَبْل مِنْ النَّاس } اِسْتِثْنَاء مُتَّصِلًا لَوَجَبَ أَنْ يَكُون الْقَوْم إِذَا ثُقِفُوا بِعَهْدٍ وَذِمَّة , أَنْ لَا تَكُون الذِّلَّة مَضْرُوبَة عَلَيْهِمْ . وَذَلِكَ خِلَاف مَا وَصَفَهُمْ اللَّه بِهِ مِنْ صِفَتهمْ , وَخِلَاف مَا هُمْ بِهِ مِنْ الصِّفَة , فَقَدْ تَبَيَّنَ أَيْضًا بِذَلِكَ فَسَاد قَوْل هَذَا الْقَائِل أَيْضًا . وَلَكِنَّ الْقَوْل عِنْدنَا أَنَّ الْبَاء فِي قَوْله : { إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّه } أُدْخِلَتْ لِأَنَّ الْكَلَام الَّذِي قَبْل الِاسْتِثْنَاء مُقْتَضٍ فِي الْمَعْنَى الْبَاء , وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلهمْ : { ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّة أَيْنَمَا ثُقِفُوا } : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّة بِكُلِّ مَكَان ثُقِفُوا , ثُمَّ قَالَ : { إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّه وَحَبْل مِنْ النَّاس } عَلَى غَيْر وَجْه الِاتِّصَال بِالْأَوَّلِ , وَلَكِنَّهُ عَلَى الِانْقِطَاع عَنْهُ , وَمَعْنَاهُ : وَلَكِنْ يُثْقَفُونَ بِحَبْلٍ مِنْ اللَّه وَحَبْل مِنْ النَّاس , كَمَا قِيلَ : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأ } 4 92 فَالْخَطَأ وَإِنْ كَانَ مَنْصُوبًا بِمَا عَمِلَ فِيمَا قَبْل الِاسْتِثْنَاء , فَلَيْسَ قَوْله بِاسْتِثْنَاءِ مُتَّصِل بِالْأَوَّلِ بِمَعْنَى إِلَّا خَطَأ , فَإِنَّ لَهُ قَتْله كَذَلِكَ , وَلَكِنْ مَعْنَاهُ : وَلَكِنْ قَدْ يَقْتُلهُ خَطَأ , فَكَذَلِكَ قَوْله : { أَيْنَمَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّه } وَإِنْ كَانَ الَّذِي جَلَبَ الْبَاء الَّتِي بَعْد إِلَّا الْفِعْل الَّذِي يَقْتَضِيهَا قَبْل إِلَّا , فَلَيْسَ الِاسْتِثْنَاء بِالِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِل بِاَلَّذِي قَبْله بِمَعْنَى أَنَّ الْقَوْم إِذَا لُقُوا , فَالذِّلَّة زَائِلَة عَنْهُمْ , بَلْ الذِّلَّة ثَابِتَة بِكُلِّ حَال , وَلَكِنْ مَعْنَاهُ مَا بَيَّنَّا آنِفًا .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّه وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الْمَسْكَنَة ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّه وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقّ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره : { وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّه } : وَتَحَمَّلُوا غَضَب اللَّه , فَانْصَرَفُوا بِهِ مُسْتَحِقِّيهِ . وَقَدْ بَيَّنَّا أَصْل ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ , وَمَعْنَى الْمَسْكَنَة , وَأَنَّهَا ذُلّ الْفَاقَة وَالْفَقْر وَخُشُوعهمَا , وَمَعْنَى الْغَضَب مِنْ اللَّه فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَقَوْله : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّه } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ : أَيْ بَوَّءُوهُمْ الَّذِي بَاءُوا بِهِ مِنْ غَضَب اللَّه , وَضَرَبَ الذِّلَّة عَلَيْهِمْ , بَدَل مِمَّا كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّه , يَقُول : مِمَّا كَانُوا يَجْحَدُونَ أَعْلَام اللَّه وَأَدِلَّته عَلَى صِدْق أَنْبِيَائِهِ , وَمَا فَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَرَائِضه . { وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقّ } يَقُول : وَبِمَا كَانُوا يَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَهُمْ وَرُسُل اللَّه إِلَيْهِمْ , اِعْتِدَاء عَلَى اللَّه , وَجَرَاءَة عَلَيْهِ بِالْبَاطِلِ , وَبِغَيْرِ حَقّ اِسْتَحَقُّوا مِنْهُمْ الْقَتْل . فَتَأْوِيل الْكَلَام : أُلْزِمُوا الذِّلَّة بِأَيِّ مَكَان لُقُوا , إِلَّا بِذِمَّةٍ مِنْ اللَّه وَذِمَّة مِنْ النَّاس , وَانْصَرَفُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّه مُتَحَمِّلِيهِ , وَأُلْزِمُوا ذُلّ الْفَاقَة , وَخُشُوع الْفَقْر , بَدَلًا مِمَّا كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّه , وَأَدِلَّته وَحُجَجه , وَيَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَهُ بِغَيْرِ حَقّ ظُلْمًا وَاعْتِدَاء .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَعَلْنَا بِهِمْ ذَلِكَ بِكُفْرِهِمْ , وَقَتْلهمْ الْأَنْبِيَاء , وَمَعْصِيَتهمْ رَبّهمْ , وَاعْتِدَائِهِمْ أَمْر رَبّهمْ . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الِاعْتِدَاء فِي غَيْر مَوْضِع فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة عَنْ إِعَادَته . فَأَعْلَمَ رَبّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ عِبَاده , مَا فَعَلَ بِهَؤُلَاءِ الْقَوْم مِنْ أَهْل الْكِتَاب , مِنْ إِحْلَال الذِّلَّة وَالْخِزْي بِهِمْ فِي عَاجِل الدُّنْيَا , مَعَ مَا اِدَّخَرَ لَهُمْ فِي الْأَجَل مِنْ الْعُقُوبَة وَالنَّكَال , وَأَلِيم الْعَذَاب , إِذْ تَعَدَّوْا حُدُود اللَّه , وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمه , تَذْكِيرًا مِنْهُ تَعَالَى ذِكْره لَهُمْ , وَتَنْبِيهًا عَلَى مَوْضِع الْبَلَاء الَّذِي مِنْ قِبَله أُتُوا لِيُنِيبُوا وَيَذَّكَّرُوا , وَعِظَة مِنْهُ لِأُمَّتِنَا , أَنْ لَا يَسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِمْ , وَيَرْكَبُوا مِنْهَاجهمْ , فَيَسْلُك بِهِمْ مَسَالِكهمْ , وَيَحِلّ بِهِمْ مِنْ نِقَم اللَّه وَمَثُلَاته مَا أَحَلَّ بِهِمْ . كَمَا : 6043 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ } اِجْتَنِبُوا الْمَعْصِيَة وَالْعُدْوَان , فَإِنَّ بِهِمَا أُهْلِكَ مَنْ أُهْلِكَ قَبْلكُمْ مِنْ النَّاس
مشاركة الموضوع