تفسير القرطبي

سورة العنكبوت الآية ٣٣

وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًۭا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًۭا وَقَالُوا۟ لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ ۖ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَٰبِرِينَ ﴿٣٣﴾
لَمَّا خَرَجَتْ الْمَلَائِكَة مِنْ عِنْد إِبْرَاهِيم , وَكَانَ بَيْن إِبْرَاهِيم وَقَرْيَة لُوط أَرْبَعَة فَرَاسِخ بَصُرَتْ بِنْتَا لُوط - وَهُمَا تَسْتَقِيَانِ - بِالْمَلَائِكَةِ وَرَأَتَا هَيْئَة حَسَنَة , فَقَالَتَا : مَا شَأْنكُمْ ؟ وَمِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتُمْ ؟ قَالُوا : مِنْ مَوْضِع كَذَا نُرِيد هَذِهِ الْقَرْيَة قَالَتَا : فَإِنَّ أَهْلهَا أَصْحَاب الْفَوَاحِش ; فَقَالُوا : أَبِهَا مَنْ يُضَيِّفنَا ؟ قَالَتَا : نَعَمْ ! هَذَا الشَّيْخ وَأَشَارَتَا إِلَى لُوط ; فَلَمَّا رَأَى لُوط هَيْئَتهمْ خَافَ قَوْمه , عَلَيْهِمْ .


أَيْ سَاءَهُ مَجِيئُهُمْ ; يُقَال : سَاءَ يَسُوء فَهُوَ لَازِم , وَسَاءَهُ يَسُوءهُ فَهُوَ مُتَعَدٍّ أَيْضًا , وَإِنْ شِئْت ضَمَمْت السِّين ; لِأَنَّ أَصْلهَا الضَّمّ , وَالْأَصْل سُوِئَ بِهِمْ مِنْ السُّوء ; قُلِبَتْ حَرَكَة الْوَاو عَلَى السِّين فَانْقَلَبَتْ يَاء , وَإِنْ خَفَّفْت الْهَمْزَة أَلْقَيْت حَرَكَتهَا عَلَى الْيَاء فَقُلْت : " سِيءَ بِهِمْ " مُخَفَّفًا , وَلُغَة شَاذَّة بِالتَّشْدِيدِ .


أَيْ ضَاقَ صَدْره بِمَجِيئِهِمْ وَكَرِهَهُ . وَقِيلَ : ضَاقَ وُسْعه وَطَاقَته . وَأَصْله أَنْ يَذْرَع الْبَعِير بِيَدَيْهِ فِي سَيْره ذَرْعًا عَلَى قَدْر سَعَة خَطْوه ; فَإِذَا حَمَلَ عَلَى أَكْثَر مِنْ طَوْقه ضَاقَ عَنْ ذَلِكَ , وَضَعُفَ وَمَدَّ عُنُقه ; فَضِيق الذَّرْع عِبَارَة عَنْ ضِيق الْوُسْع . وَقِيلَ : هُوَ مِنْ ذَرَعَهُ الْقَيْء أَيْ غَلَبَهُ ; أَيْ ضَاقَ عَنْ حَبْسه الْمَكْرُوه فِي نَفْسه , وَإِنَّمَا ضَاقَ ذَرْعه بِهِمْ لِمَا رَأَى مِنْ جَمَالهمْ , وَمَا يَعْلَم مِنْ فِسْق قَوْمه .


لَمَّا رَأَتْ الْمَلَائِكَة حُزْنه وَاضْطِرَابه وَمُدَافَعَته عَرَّفُوهُ بِأَنْفُسِهِمْ , فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُمْ رُسُل مَكَّنَ قَوْمه مِنْ الدُّخُول , فَأَمَرَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام يَده عَلَى أَعْيُنهمْ فَعَمُوا , وَعَلَى أَيْدِيهمْ فَجَفَّتْ .


أَيْ الْبَاقِينَ فِي عَذَاب اللَّه ; قَالَ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة . غَبَرَ الشَّيْء إِذَا مَضَى , وَغَبَرَ إِذَا بَقِيَ . وَهُوَ مِنْ الْأَضْدَاد . وَقَالَ قَوْم : الْمَاضِي عَابِر بِالْعَيْنِ غَيْر مُعْجَمَة . وَالْبَاقِي غَابِر بِالْغَيْنِ مُعْجَمَة . حَكَاهُ اِبْن فَارِس فِي الْمُجْمَل . وَقَالَ الزَّجَّاج : " مِنْ الْغَابِرِينَ " أَيْ مِنْ الْغَائِبِينَ عَنْ النَّجَاة وَقِيلَ : لِطُولِ عُمْرهَا . قَالَ النَّحَّاس : وَأَبُو عُبَيْدَة يَذْهَب إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى مِنْ الْمُعَمَّرِينَ ; أَيْ أَنَّهَا قَدْ هَرِمَتْ . وَالْأَكْثَر فِي اللُّغَة أَنْ يَكُون الْغَابِر الْبَاقِي ; قَالَ الرَّاجِز : فَمَا وَنَى مُحَمَّد مُذْ أَنْ غَفَرْ لَهُ الْإِلَه مَا مَضَى وَمَا غَبَرْ
ولما جاءت الملائكة لوطًا ساءه ذلك؛ لأنه ظنهم ضيوفًا من البشر، وحزن بسبب وجودهم؛ لعلمه خبث فعل قومه، وقالوا له: لا تَخَفْ علينا لن يصل إلينا قومك، ولا تحزن مما أخبرناك مِن أنا مهلكوهم، إنَّا منجُّوك من العذاب النازل بقومك ومنجُّو أهلك معك إلا أمرأتك، فإنها هالكة فيمن يهلك مِن قومها.
"وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ" حَزِنَ بِسَبَبِهِمْ "وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا" صَدْرًا لِأَنَّهُمْ حِسَان الْوُجُوه فِي صُورَة أَضْيَاف فَخَافَ عَلَيْهِمْ قَوْمه فَأَعْلَمُوهُ أَنَّهُمْ رُسُل رَبّه "وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَن إنَّا مُنَجُّوك" بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف "وَأَهْلك إلَّا امْرَأَتك كَانَتْ مِنْ الْغَابِرِينَ" وَنَصْب أَهْلك عَطْف عَلَى مَحَلّ الْكَاف
ثُمَّ سَارُوا مِنْ عِنْده فَدَخَلُوا عَلَى لُوط فِي صُورَة شُبَّان حِسَان فَلَمَّا رَآهُمْ كَذَلِكَ " سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا " أَيْ اِغْتَمَّ بِأَمْرِهِمْ إِنْ هُوَ أَضَافَهُمْ خَافَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَوْمه وَإِنْ لَمْ يُضِفْهُمْ خَشِيَ عَلَيْهِمْ مِنْهُمْ وَلَمْ يَعْلَم بِأَمْرِهِمْ فِي السَّاعَة الرَّاهِنَة " قَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَن إِنَّا مُنَجُّوك وَأَهْلك إِلَّا اِمْرَأَتك كَانَتْ مِنْ الْغَابِرِينَ " .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلنَا لُوطًا } مِنْ الْمَلَائِكَة { سِيءَ بِهِمْ } يَقُول : سَاءَتْهُ الْمَلَائِكَة بِمَجِيئِهِمْ إِلَيْهِ , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ تَضَيَّفُوهُ , فَسَاءُوهُ بِذَلِكَ , فَقَوْله { سِيءَ بِهِمْ } : فَعَلَ بِهِمْ , مَنْ سَاءَهُ بِذَلِكَ . وَذُكِرَ عَنْ قَتَادَة أَنَّهُ كَانَ يَقُول : سَاءَ ظَنّه بِقَوْمِهِ , وَضَاقَ بِضَيْفِهِ ذَرْعًا . 21136 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْهُ { وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا } يَقُول : وَضَاقَ ذَرْعه بِضِيَافَتِهِمْ لِمَا عَلِمَ مِنْ خُبْث فِعْل قَوْمه . كَمَا : * حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا } قَالَ : بِالضِّيَافَةِ مَخَافَة عَلَيْهِمْ مِمَّا يَعْلَم مِنْ شَرّ قَوْمه .

وَقَوْله : { وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَن } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَتْ الرُّسُل لِلُوطٍ : لَا تَخَفْ عَلَيْنَا أَنْ يَصِل إِلَيْنَا قَوْمك , وَلَا تَحْزَن مِمَّا أَخْبَرْنَاك مِنْ إِنَّا مُهْلِكُوهُمْ , وَذَلِكَ أَنَّ الرُّسُل قَالَتْ لَهُ : { يَا لُوط إِنَّا رُسُل رَبّك لَنْ يَصِلُوا إِلَيْك فَأَسْرِ بِأَهْلِك بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْل } 11 81


{ إِنَّا مُنَجُّوك } مِنْ الْعَذَاب الَّذِي هُوَ نَازِل بِقَوْمِك.

{ وَأَهْلك } يَقُول : وَمُنَجُّو أَهْلك مَعَك

{ إِلَّا اِمْرَأَتك } فَإِنَّهَا هَالِكَة فِيمَنْ يَهْلِك مِنْ قَوْمهَا , كَانَتْ مِنْ الْبَاقِينَ الَّذِينَ طَالَتْ أَعْمَارهمْ .
مشاركة الموضوع