تفسير القرطبي

سورة العنكبوت الآية ٢٢

وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ ۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا نَصِيرٍۢ ﴿٢٢﴾
قَالَ الْفَرَّاء : مَعْنَاهُ وَلَا مَنْ فِي السَّمَاء بِمُعْجِزِينَ اللَّه وَهُوَ غَامِض فِي الْعَرَبِيَّة ; لِلضَّمِيرِ الَّذِي لَمْ يَظْهَر فِي الثَّانِي وَهُوَ كَقَوْلِ حَسَّان : فَمَنْ يَهْجُو رَسُول اللَّه مِنْكُمْ وَيَمْدَحهُ وَيَنْصُرهُ سَوَاء أَرَادَ وَمَنْ يَمْدَحهُ وَيَنْصُرهُ سَوَاء ; فَأَضْمَرَ مَنْ ; وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد وَنَظِيره قَوْله سُبْحَانه : " وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَام مَعْلُوم " [ الصَّافَّات : 164 ] أَيْ مَنْ لَهُ وَالْمَعْنَى إِنَّ اللَّه لَا يُعْجِزهُ أَهْل الْأَرْض فِي الْأَرْض وَلَا أَهْل السَّمَاء إِنْ عَصَوْهُ وَقَالَ قُطْرُب : وَلَا فِي السَّمَاء لَوْ كُنْتُمْ فِيهَا كَمَا تَقُول : لَا يَفُوتنِي فُلَان بِالْبَصْرَةِ وَلَا هَاهُنَا بِمَعْنَى لَا يَفُوتنِي بِالْبَصْرَةِ لَوْ صَارَ إِلَيْهَا وَقِيلَ : لَا يَسْتَطِيعُونَ هَرَبًا فِي الْأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء وَقَالَ الْمُبَرِّد : وَالْمَعْنَى وَلَا مَنْ فِي السَّمَاء عَلَى أَنَّ مَنْ لَيْسَتْ مَوْصُولَة وَلَكِنْ تَكُون نَكِرَة وَ " فِي السَّمَاء " صِفَة لَهَا فَأُقِيمَتْ الصِّفَة مَقَام الْمَوْصُوف وَرَدَّ ذَلِكَ عَلِيّ بْن سُلَيْمَان وَقَالَ : لَا يَجُوز وَقَالَ : إِنَّ مَنْ إِذَا كَانَتْ نَكِرَة فَلَا بُدّ مِنْ وَصْفهَا فَصِفَتهَا كَالصِّلَةِ وَلَا يَجُوز حَذْف الْمَوْصُول وَتَرْك الصِّلَة ; قَالَ : وَالْمَعْنَى إِنَّ النَّاس خُوطِبُوا بِمَا يَعْقِلُونَ ; وَالْمَعْنَى لَوْ كُنْتُمْ فِي السَّمَاء مَا أَعْجَزْتُمْ اللَّه ; كَمَا قَالَ : " وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوج مُشَيَّدَة " [ النِّسَاء : 78 ]


وَيَجُوز " نَصِير " بِالرَّفْعِ عَلَى الْمَوْضِع وَتَكُون " مِنْ " زَائِدَة
" وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ " أي: يا هؤلاء المكذبين, المتجرئين على المعاصي, لا تحسبوا أنه مغفول عنكم, أو أنكم معجزون للّه في الأرض, ولا في السماء.
فلا تغرنكم قدرتكم, وما زينت لكم أنفسكم, وخدعتكم, من النجاة من عذاب الله فلستم بمعجزين الله, في جميع أقطار العالم.
" وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ " يتولاكم, فيحصل لكم مصالح دينكم ودنياكم.
" وَلَا نَصِيرٍ " ينصركم, فيدفع عنكم المكاره.
وما أنتم -أيها الناس- بمعجزي الله في الأرض ولا في السماء إن عصيتموه، وما كان لكم من دون الله مِن وليٍّ يلي أموركم، ولا نصير ينصركم من الله إن أراد بكم سوءًا.
"وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ" رَبّكُمْ عَنْ إدْرَاككُمْ "فِي الْأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء" لَوْ كُنْتُمْ فِيهَا : أَيْ لَا تَفُوتُونَهُ "وَمَا لَكُمْ مِنْ دُون اللَّه" أَيْ غَيْره "مِنْ وَلِيّ" يَمْنَعكُمْ مِنْهُ "وَلَا نَصِير" يَنْصُركُمْ مِنْ عَذَابه
وَقَوْله تَعَالَى : " وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء" أَيْ لَا يُعْجِزهُ أَحَد مِنْ أَهْل سَمَاوَاته وَأَرْضه بَلْ هُوَ الْقَاهِر فَوْق عِبَاده فَكُلّ شَيْء خَائِف مِنْهُ فَقِير إِلَيْهِ وَهُوَ الْغَنِيّ عَمَّا سِوَاهُ " وَمَا لَكُمْ مِنْ دُون اللَّه مِنْ وَلِيّ وَلَا نَصِير " .
وَأَمَّا قَوْله : { وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء } فَإِنَّ اِبْن زَيْد قَالَ فِي ذَلِكَ مَا : 21111 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء } قَالَ : لَا يُعْجِزهُ أَهْل الْأَرَضِينَ فِي الْأَرَضِينَ وَلَا أَهْل السَّمَاوَات فِي السَّمَاوَات إِنْ عَصَوْهُ , وَقَرَأَ : { مِثْقَال ذَرَّة فِي السَّمَاوَات وَلَا فِي الْأَرْض , وَلَا أَصْغَر مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَر إِلَّا فِي كِتَاب مُبِين } 10 61 وَقَالَ فِي ذَلِكَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْبَصْرَة : وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ مَنْ فِي الْأَرْض وَلَا مَنْ فِي السَّمَاء مُعْجِزِينَ قَالَ : وَهُوَ مِنْ غَامِض الْعَرَبِيَّة لِلضَّمِيرِ الَّذِي لَمْ يَظْهَر فِي الثَّانِي . قَالَ : وَمِثْله قَوْل حَسَّان بْن ثَابِت : أَمَّنْ يَهْجُو رَسُول اللَّه مِنْكُمْ وَيَمْدَحهُ وَيَنْصُرهُ سَوَاء ؟ أَرَادَ : وَمَنْ يَنْصُرهُ وَيَمْدَحهُ , فَأَضْمَرَ " مَنْ " . قَالَ : وَقَدْ يَقَع فِي وَهْم السَّامِع أَنَّ النَّصْر وَالْمَدْح لِمَنْ هَذِهِ الظَّاهِرَة ; وَمِثْله فِي الْكَلَام : أَكْرَم مَنْ أَتَاك وَأَتَى أَبَاك , وَأَكْرَم مَنْ أَتَاك وَلَمْ يَأْتِ زَيْدًا . تُرِيد : وَمَنْ لَمْ يَأْتِ زَيْدًا , فَيَكْتَفِي بِاخْتِلَافِ الْأَفْعَال مِنْ إِعَادَة مَنْ , كَأَنَّهُ قَالَ : أَمَّنْ يَهْجُو , وَمَنْ يَمْدَحهُ , وَمَنْ يَنْصُرهُ . وَمِنْهُ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِب بِالنَّهَارِ } 13 10 وَهَذَا الْقَوْل أَصَحّ عِنْدِي فِي الْمَعْنَى مِنْ الْقَوْل الْآخَر , وَلَوْ قَالَ قَائِل : مَعْنَاهُ : وَلَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْض , وَلَا أَنْتُمْ لَوْ كُنْتُمْ فِي السَّمَاء بِمُعْجِزِينَ كَانَ مَذْهَبًا .

وَقَوْله : { وَمَا لَكُمْ مِنْ دُون اللَّه مِنْ وَلِيّ وَلَا نَصِير } يَقُول : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَيّهَا النَّاس مِنْ دُون اللَّه مِنْ وَلِيّ يَلِي أُمُوركُمْ , وَلَا نَصِير يَنْصُركُمْ مِنْ اللَّه إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا وَلَا يَمْنَعكُمْ مِنْهُ إِنْ أَحَلَّ بِكُمْ عُقُوبَته.
مشاركة الموضوع