تفسير القرطبي

سورة القصص الآية ٨٧

وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ ۖ وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴿٨٧﴾
يَعْنِي أَقْوَالهمْ وَكَذِبهمْ وَأَذَاهُمْ , وَلَا تَلْتَفِت نَحْوهمْ وَامْضِ لِأَمْرِك وَشَأْنك وَقَرَأَ يَعْقُوب : " يَصُدُّنَّك " مَجْزُوم النُّون وَقُرِئَ : " يَصُدّك " مِنْ أَصَدَّهُ بِمَعْنَى صَدَّرَهُ وَهَى لُغَة فِي كَلْب قَالَ الشَّاعِر : أُنَاس أَصَدُّوا النَّاس بِالسَّيْفِ عَنْهُمْ صُدُود السَّوَاقِي عَنْ أُنُوف الْحَوَائِم


أَيْ إِلَى التَّوْحِيد وَهَذَا يَتَضَمَّن الْمُهَادَنَة وَالْمُوَادَعَة وَهَذَا كُلّه مَنْسُوخ بِآيَةِ السَّيْف وَسَبَب هَذِهِ الْآيَة مَا كَانَتْ قُرَيْش تَدْعُو رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى تَعْظِيم أَوْثَانهمْ , وَعِنْد ذَلِكَ أَلْقَى الشَّيْطَان فِي أُمْنِيَّته أُمّ الْغَرَانِيق عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَاَللَّه أَعْلَم
" وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ " بل أبلغها وأنفذها, ولا تبال بمكرهم ولا يخدعنك عنها, ولا تتبع أهواءهم.
" وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ " أي اجعل الدعوة إلى ربك, منتهى قصدك وغاية عملك.
فكل ما خالف ذلك, فارفضه, من رياء, أو سمعة, أو موافقة أغراض أهل الباطل, فإن ذلك داع إلى الكون معهم, ومساعدتهم على أمرهم ولهذا قال: " وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ " لا في شركهم, ولا في فروعه وشعبه, التي هي حميع المعاصي.
ولا يصرفَنَّك هؤلاء المشركون عن تبليغ آيات ربك وحججه، بعد أن أنزلها إليك، وبلِّغ رسالة ربك، ولا تكونن من المشركين في شيء.
"وَلَا يَصُدَّنك" أَصْله يَصُدُّونَنَكَ حُذِفَتْ نُون الرَّفْع لِلْجَازِمِ وَالْوَاو لِلْفَاعِلِ لِالْتِقَائِهَا مَعَ النُّون السَّاكِنَة "عَنْ آيَات اللَّه بَعْد إذْ أُنْزِلَتْ إلَيْك" أَيْ لَا تَرْجِع إلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ "وَادْعُ" النَّاس "إلَى رَبّك" بِتَوْحِيدِهِ وَعِبَادَته "وَلَا تَكُونَن مِنْ الْمُشْرِكِينَ" بِإِعَانَتِهِمْ وَلَمْ يُؤَثِّر الْجَازِم فِي الْفِعْل لِبِنَائِهِ
" وَلَا يَصُدُّنَّك عَنْ آيَات اللَّه بَعْد إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْك " أَيْ لَا تَتَأَثَّر لِمُخَالَفَتِهِمْ لَك وَصَدّهمْ النَّاس عَنْ طَرِيقك لَا تَلْوِي عَلَى ذَلِكَ وَلَا تُبَالِهِ فَإِنَّ اللَّه مُعْلٍ كَلِمَتك وَمُؤَيِّد دِينك وَمُظْهِر مَا أَرْسَلَك بِهِ عَلَى سَائِر الْأَدْيَان وَلِهَذَا قَالَ " وَادْعُ إِلَى رَبّك " أَيْ إِلَى عِبَادَة رَبّك وَحْده لَا شَرِيك لَهُ " وَلَا تَكُونَن مِنْ الْمُشْرِكِينَ " .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يَصُدُّنَّك عَنْ آيَات اللَّه بَعْد إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْك وَادْعُ إِلَى رَبّك } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَا يَصْرِفَنك عَنْ تَبْلِيغ آيَات اللَّه وَحُجَجه بَعْد أَنْ أَنْزَلَهَا إِلَيْك رَبّك يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِقَوْلِهِمْ : { لَوْلَا أُوتِيَ مِثْل مَا أُوتِيَ مُوسَى } وَادْعُ إِلَى رَبّك وَبَلِّغْ رِسَالَته إِلَى مَنْ أَرْسَلَك إِلَيْهِ بِهَا.

يَقُول : وَلَا تَتْرُكَن الدُّعَاء إِلَى رَبّك , وَتَبْلِيغ الْمُشْرِكِينَ رِسَالَته , فَتَكُون مِمَّنْ فَعَلَ فِعْل الْمُشْرِكِينَ بِمَعْصِيَتِهِ رَبّه , وَخِلَافه أَمْره .
مشاركة الموضوع