تفسير القرطبي

سورة القصص الآية ٦٩

وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴿٦٩﴾
يُظْهِرُونَ وَقَرَأَ اِبْن مُحَيْصِن وَحُمَيْد : " تَكُنّ " بِفَتْحِ التَّاء وَضَمّ الْكَاف وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي [ النَّمْل ] تَمَدَّحَ سُبْحَانه بِأَنَّهُ عَالِم الْغَيْب وَالشَّهَادَة لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء قَوْله تَعَالَى : " وَإِنَّ رَبّك لَيَعْلَم مَا تُكِنّ صُدُورهمْ " أَيْ تُخْفِي صُدُورهمْ " وَمَا يُعْلِنُونَ " يُظْهِرُونَ مِنْ الْأُمُور . وَقَرَأَ اِبْن مُحَيْصِن وَحُمَيْد : " مَا تَكُنّ " مِنْ كَنَنْت الشَّيْء إِذَا سَتَرْته هُنَا . وَفِي " الْقَصَص " تَقْدِيره : مَا تُكِنّ صُدُورهمْ عَلَيْهِ ; وَكَأَنَّ الضَّمِير الَّذِي فِي الصُّدُور كَالْجِسْمِ السَّائِر . وَمَنْ قَرَأَ : " تُكِنّ " فَهُوَ الْمَعْرُوف ; يُقَال : أَكْنَنْت الشَّيْء إِذَا أَخْفَيْته فِي نَفْسك .
وربك يعلم ما تُخفي صدور خلقه وما يظهرونه.
"وَرَبّك يَعْلَم مَا تُكِنّ صُدُورهمْ" تُسِرّ قُلُوبهمْ مِنْ الْكُفْر وَغَيْره "وَمَا يُعْلِنُونَ" بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ ذَلِكَ
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : " وَرَبّك يَعْلَم مَا تُكِنّ صُدُورهمْ وَمَا يُعْلِنُونَ" أَيْ يَعْلَم مَا تُكِنّ الضَّمَائِر وَمَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ السَّرَائِر كَمَا يَعْلَم مَا تُبْدِيه الظَّوَاهِر مِنْ سَائِر الْخَلَائِق " سَوَاء مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْل وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِب بِالنَّهَارِ " .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَرَبّك يَعْلَم مَا تُكِنّ صُدُورهمْ وَمَا يُعْلِنُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَرَبّك يَا مُحَمَّد يَعْلَم مَا تُخْفِي صُدُور خَلْقه ; وَهُوَ مِنْ : أَكْنَنْت الشَّيْء فِي صَدْرِي : إِذَا أَضْمَرْته فِيهِ , وَكَنَنْت الشَّيْء : إِذَا صُنْته , { وَمَا يُعْلِنُونَ } : يَقُول : وَمَا يُبْدُونَهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَجَوَارِحهمْ , وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ اِخْتِيَار مَنْ يَخْتَار مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ بِهِ عَلَى عِلْم مِنْهُ بِسَرَائِر أُمُورهمْ وَبَوَادِيهَا , وَإِنَّهُ يَخْتَار لِلْخَيْرِ أَهْله , فَيُوَفِّقهُمْ لَهُ , وَيُوَلِّي الشَّرّ أَهْله , وَيُخَلِّيهِمْ وَإِيَّاهُ .
مشاركة الموضوع