تفسير القرطبي

سورة القصص الآية ٣٩

وَٱسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُۥ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ ﴿٣٩﴾
أَيْ تَعَظَّمَ



أَيْ تَعَظَّمُوا عَنْ الْإِيمَان بِمُوسَى


أَيْ بِالْعُدْوَانِ , أَيْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حُجَّة تَدْفَع مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى


أَيْ تَوَهَّمُوا أَنَّهُ لَا مَعَاد وَلَا بَعْث وَقَرَأَ نَافِع وَابْن مُحَيْصِن وَشَيْبَة وَحُمَيْد وَيَعْقُوب وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ : " لَا يَرْجِعُونَ " بِفَتْحِ الْيَاء وَكَسْر الْجِيم عَلَى أَنَّهُ مُسَمَّى الْفَاعِل الْبَاقُونَ : " يُرْجَعُونَ " عَلَى الْفِعْل الْمَجْهُول وَهُوَ اِخْتِيَار أَبِي عُبَيْد , وَالْأَوَّل اِخْتِيَار أَبِي حَاتِم
قال تعالى: " وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ " استكبروا على عباد اللّه, وساموهم سوء العذاب, واستكبروا على رسل اللّه, وما جاءوهم به من الآيات.
فكذبوها, وزعموا أن ما هم عليه, أعلى منها وأفضل.
" وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ " فلذلك تجرأوا.
وإلا فلو علموا, وظنوا أنهم يرجعون إلى اللّه, لما كان منهم ما كان.
واستعلى فرعون وجنوده في أرض "مصر" بغير الحق عن تصديق موسى واتِّباعه على ما دعاهم إليه، وحسبوا أنهم بعد مماتهم لا يبعثون.
"وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُوده فِي الْأَرْض" أَرْض مِصْر "بِغَيْرِ الْحَقّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إلَيْنَا لَا يَرْجِعُونَ" بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَلِلْمَفْعُولِ
وَقَوْله تَعَالَى : " وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُوده فِي الْأَرْض بِغَيْرِ الْحَقّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ " أَيْ طَغَوْا وَتَجَبَّرُوا وَأَكْثَرُوا فِي الْأَرْض الْفَسَاد وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُ لَا قِيَامَة وَلَا مَعَاد " فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبّك سَوْط عَذَاب إِنَّ رَبّك لَبِالْمِرْصَادِ " .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُوده فِي الْأَرْض بِغَيْرِ الْحَقّ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَاسْتَكْبَرَ فِرْعَوْن وَجُنُوده فِي أَرْض مِصْر عَنْ تَصْدِيق مُوسَى , وَاتِّبَاعه عَلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيد اللَّه , وَالْإِقْرَار بِالْعُبُودِيَّةِ لَهُ { بِغَيْرِ الْحَقّ } يَعْنِي تَعَدِّيًا وَعُتُوًّا عَلَى رَبّهمْ .

يَقُول : وَحَسِبُوا أَنَّهُمْ بَعْد مَمَاتهمْ لَا يُبْعَثُونَ , وَلَا ثَوَاب , وَلَا عِقَاب , فَرَكِبُوا أَهْوَاءَهُمْ , وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّه لَهُمْ بِالْمِرْصَادِ , وَأَنَّهُ لَهُمْ مُجَازٍ عَلَى أَعْمَالهمْ الْخَبِيثَة .
مشاركة الموضوع