تفسير القرطبي

سورة القصص الآية ٣٨

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِى فَأَوْقِدْ لِى يَٰهَٰمَٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجْعَل لِّى صَرْحًۭا لَّعَلِّىٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّى لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلْكَٰذِبِينَ ﴿٣٨﴾
قَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانَ بَيْنهَا وَبَيْن قَوْله : " أَنَا رَبّكُمْ الْأَعْلَى " [ النَّازِعَات : 24 ] أَرْبَعُونَ سَنَة , وَكَذَبَ عَدُوّ اللَّه بَلْ عَلِمَ أَنَّ لَهُ ثَمَّ رَبًّا هُوَ خَالِقه وَخَالِق قَوْمه " وَلَئِنْ سَأَلْتهمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّه " [ الزُّخْرُف : 87 ]



أَيْ اُطْبُخْ لِي الْآجُرّ ; عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَقَالَ قَتَادَة : هُوَ أَوَّل مَنْ صَنَعَ الْآجُرّ وَبَنَى بِهِ وَلَمَّا أَمَرَ فِرْعَوْن وَزِيره هَامَان بِبِنَاءِ الصَّرْح جَمَعَ هَامَان الْعُمَّال - قِيلَ خَمْسِينَ أَلْف بَنَّاء سِوَى الْأَتْبَاع وَالْأُجَرَاء - وَأَمَرَ بِطَبْخِ الْآجُرّ وَالْجِصّ , وَنَشْر الْخَشَب وَضَرْب الْمَسَامِير , فَبَنَوْا وَرَفَعُوا الْبِنَاء وَشَيَّدُوهُ بِحَيْثُ لَمْ يَبْلُغهُ بُنْيَان مُنْذُ خَلَقَ اللَّه السَّمَوَات وَالْأَرْض , فَكَانَ الْبَانِي لَا يَقْدِر أَنْ يَقُوم عَلَى رَأْسه , حَتَّى أَرَادَ اللَّه أَنْ يَفْتِنهُمْ فِيهِ فَحَكَى السُّدِّيّ : أَنَّ فِرْعَوْن صَعِدَ السَّطْح وَرَمَى بِنُشَّابَةٍ نَحْو السَّمَاء , فَرَجَعَتْ مُتَلَطِّخَة بِدِمَاءٍ , فَقَالَ قَدْ قَتَلْت إِلَه مُوسَى فَرُوِيَ أَنَّ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام بَعَثَهُ اللَّه تَعَالَى عِنْد مَقَالَته , فَضَرَبَ الصَّرْح بِجَنَاحِهِ فَقَطَعَهُ ثَلَاث قِطَع ; قِطْعَة عَلَى عَسْكَر فِرْعَوْن قَتَلَتْ مِنْهُمْ أَلْف أَلْف , وَقِطْعَة فِي الْبَحْر , وَقِطْعَة فِي الْغَرْب , وَهَلَكَ كُلّ مَنْ عَمِلَ فِيهِ شَيْئًا وَاَللَّه أَعْلَم بِصِحَّةِ ذَلِكَ



الظَّنّ هُنَا شَكّ , فَكَفَرَ عَلَى الشَّكّ ; لِأَنَّهُ قَدْ رَأَى مِنْ الْبَرَاهِين مَا لَا يُخِيل عَلَى ذِي فِطْرَة .
" وَقَالَ فِرْعَوْنُ " متجرئا على ربه, ومموها على قومه السفهاء, ضعفاء العقول: " يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي " أي: أنا وحدي, إلهكم ومعبودكم.
ولو كان ثَمَّ إله غيري, لعلمته.
فانظر إلى هذا الورع التام من فرعون, حيث لم يقل " ما لكم من إله غيري " .
وهذا, لأنه عندهم, العالم الفاضل, الذي مهما قال, فهو الحق, ومهما أمر, أطاعوه.
فلما قال هذه المقالة, التي قد تحتمل أن ثَمَّ إلها غيره, أراد أن يحقق النفي, الذي جعل فيه ذلك الاحتمال, فقال لـ " هامان " : " فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ " ليجعل له لبنا من فخار.
" فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا " أي: بناء عاليا " لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ " .
ولكن سنحقق هذا الظن, ونريكم كذب موسى.
فانظر هذه الجراءة العظيمة, على اللّه, التي ما بلغها آدمي.
كذب موسى, وادَّعى أنه اللّه, ونفى أن يكون له علم بالإله الحق, وفعل الأسباب, ليتوصل إلى إله موسى, وكل هذا ترويج.
ولكن العجب من هؤلاء الملأ, الذين يزعمون أنهم كبار المملكة, المدبرون لشئونها, كيف لعب هذا الرجل بعقولهم, واستخف أحلامهم, وهذا لفسقهم, الذي صار صفة راسخة فيهم.
فسد دينهم, ثم تبع ذلك, فساد عقولهم, فنسألك اللهم, الثبات على الإيمان, وأن لا تزيغ قلوبنا, بعد إذ هديتنا, وأن تهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
وقال فرعون لأشراف قومه: يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري يستحق العبادة، فأشْعِل لي -يا هامان- على الطين نارًا، حتى يشتد، وابْنِ لي بناء عاليًا؛ لعلي أنظر إلى معبود موسى الذي يعبده ويدعو إلى عبادته، وإني لأظنه فيما يقول من الكاذبين.
"وَقَالَ فِرْعَوْن يَا أَيّهَا الْمَلَأ مَا عَلِمْت لَكُمْ مِنْ إلَه غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَان عَلَى الطِّين" فَاطْبُخْ لِي الْآجُرّ "فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا" قَصْرًا عَالِيًا "لَعَلِّي أَطَّلِع إلَى إلَه مُوسَى" أَنْظُر إلَيْهِ وَأَقِف عَلَيْهِ "وَإِنِّي لَأَظُنّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ" فِي ادِّعَائِهِ إلَهًا آخَر وَأَنَّهُ رَسُوله
يُخْبِر تَعَالَى عَنْ كُفْر فِرْعَوْن وَطُغْيَانه وَافْتِرَائِهِ فِي دَعْوَاهُ الْإِلَهِيَّة لِنَفْسِهِ الْقَبِيحَة لَعَنَهُ اللَّه كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَاسْتَخَفَّ قَوْمه فَأَطَاعُوهُ " الْآيَة وَذَلِكَ لِأَنَّهُ دَعَاهُمْ إِلَى الِاعْتِرَاف لَهُ بِالْإِلَهِيَّةِ فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ بِقِلَّةِ عُقُولهمْ وَسَخَافَة أَذْهَانهمْ وَلِهَذَا قَالَ : " يَا أَيُّهَا الْمَلَأ مَا عَلِمْت لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرِي " وَقَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْهُ " فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبّكُمْ الْأَعْلَى فَأَخَذَهُ اللَّه نَكَال الْآخِرَة وَالْأُولَى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَة لِمَنْ يَخْشَى " يَعْنِي أَنَّهُ جَمَعَ قَوْمه وَنَادَى فِيهِمْ بِصَوْتِهِ الْعَالِي مُصَرِّحًا لَهُمْ بِذَلِكَ فَأَجَابُوهُ سَامِعِينَ مُطِيعِينَ وَلِهَذَا اِنْتَقَمَ اللَّه تَعَالَى مِنْهُ فَجَعَلَهُ عِبْرَة لِغَيْرِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَحَتَّى أَنَّهُ وَاجَهَ مُوسَى الْكَلِيم بِذَلِكَ فَقَالَ : " لَئِنْ اِتَّخَذْت إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنْ الْمَسْجُونِينَ " وَقَوْله : " فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَان عَلَى الطِّين فَاجْعَلْ صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِع إِلَى إِلَه مُوسَى " يَعْنِي أَمَرَ وَزِيره هَامَان وَمُدَبِّر رَعِيَّته وَمُشِير دَوْلَته أَنْ يُوقِد لَهُ عَلَى الطِّين يَعْنِي يَتَّخِذ لَهُ آجُرًّا لِبِنَاءِ الصَّرْح وَهُوَ الْقَصْر الْمَنِيف الرَّفِيع الْعَالِي كَمَا قَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى " وَقَالَ فِرْعَوْن يَا هَامَان اِبْن لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغ الْأَسْبَاب أَسْبَاب السَّمَاوَات فَأَطَّلِع إِلَى إِلَه مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْن سُوء عَمَله وَصُدَّ عَنْ السَّبِيل وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْن إِلَّا فِي تَبَاب " وَذَلِكَ لِأَنَّ فِرْعَوْن بَنَى هَذَا الصَّرْح الَّذِي لَمْ يُرَ فِي الدُّنْيَا بِنَاء أَعْلَى مِنْهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا أَنْ يُظْهِر لِرَعِيَّتِهِ تَكْذِيب مُوسَى فِيمَا زَعَمَهُ مِنْ دَعْوَى إِلَه غَيْر فِرْعَوْن وَلِهَذَا قَالَ : " وَإِنِّي لَأَظُنّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ " أَيْ فِي قَوْله أَنَّ ثَمَّ رَبًّا غَيْرِي لَا أَنَّهُ كَذَّبَهُ فِي أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَرْسَلَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْتَرِف بِوُجُودِ الصَّانِع جَلَّ وَعَلَا فَإِنَّهُ قَالَ : " وَمَا رَبّ الْعَالَمِينَ " وَقَالَ : " لَئِنْ اِتَّخَذْت إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنْ الْمَسْجُونِينَ" وَقَالَ : " يَا أَيّهَا الْمَلَأ مَا عَلِمْت لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرِي" وَهَذَا قَوْل اِبْن جَرِير .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ فِرْعَوْن يَا أَيّهَا الْمَلَأ مَا عَلِمْت لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرِي } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَقَالَ فِرْعَوْن لِأَشْرَافِ قَوْمه وِسَادَتهمْ : { يَا أَيّهَا الْمَلَأ مَا عَلِمْت لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرِي } فَتَعْبُدُوهُ , وَتُصَدِّقُوا قَوْل مُوسَى فِيمَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ أَنَّ لَكُمْ وَلَهُ رَبًّا غَيْرِي وَمَعْبُودًا سِوَايَ .

يَقُول : فَاعْمَلْ لِي آجُرًّا , وَذُكِرَ أَنَّهُ أَوَّل مَنْ طَبَخَ الْآجُر وَبَنَى بِهِ. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20911 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَان عَلَى الطِّين } قَالَ : عَلَى الْمَدَر يَكُون لَبَنًا مَطْبُوخًا. قَالَ اِبْن جُرَيْج : أَوَّل مَنْ أَمَرَ بِصَنْعَةِ الْآجُرّ وَبَنَى بِهِ فِرْعَوْن . 20912 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَان عَلَى الطِّين } قَالَ : فَكَانَ أَوَّل مَنْ طَبَخَ الْآجُرّ يَبْنِي بِهِ الصَّرْح . 20913 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْل اللَّه : { فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَان عَلَى الطِّين } قَالَ : الْمَطْبُوخ الَّذِي يُوقَد عَلَيْهِ هُوَ مِنْ طِين يَبْنُونَ بِهِ الْبُنْيَان .

وَقَوْله : { فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا } يَقُول : اِبْنِ لِي بِالْآجُرِّ بِنَاء , وَكُلّ بِنَاء مُسَطَّح فَهُوَ صَرْح كَالْقَصْرِ . وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : بِهِنَّ نَعَام بَنَاهَا الرِّجَا ل يَحْسَب أَعْلَامهنَّ الصُّرُوحَا يَعْنِي بِالصُّرُوحِ : جَمْع صَرْح .

وَقَوْله : { لَعَلِّي أَطَّلِع إِلَى إِلَه مُوسَى } يَقُول : أَنْظُر إِلَى مَعْبُود مُوسَى , الَّذِي يَعْبُدهُ , وَيَدْعُو إِلَى عِبَادَته { وَإِنِّي لَأَظُنّهُ } فِيمَا يَقُول مِنْ أَنَّ لَهُ مَعْبُودًا يَعْبُدهُ فِي السَّمَاء , وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُؤَيِّدهُ وَيَنْصُرهُ , وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَيْنَا , مِنْ الْكَاذِبِينَ ; فَذُكِرَ لَنَا أَنَّ هَامَان بَنَى لَهُ الصَّرْح , فَارْتَقَى فَوْقه . فَكَانَ مِنْ قِصَّته وَقِصَّة اِرْتِقَائِهِ مَا : 20914 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : قَالَ فِرْعَوْن لِقَوْمِهِ : { يَا أَيّهَا الْمَلَأ مَا عَلِمْت لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَان عَلَى الطِّين , فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا } لَعَلِّي أَذْهَب فِي السَّمَاء , فَأَنْظُر إِلَى إِلَه مُوسَى ; فَلَمَّا بُنِيَ لَهُ الصَّرْح , اِرْتَقَى فَوْقه , فَأَمَرَ بِنُشَّابَةٍ فَرَمَى بِهَا نَحْو السَّمَاء , فَرُدَّتْ إِلَيْهِ وَهِيَ مُتَلَطِّخَة دَمًا , فَقَالَ : قَدْ قَتَلْت إِلَه مُوسَى , تَعَالَى اللَّه عَمَّا يَقُولُونَ .
مشاركة الموضوع